العودة الإجبارية بعباءة أكاديمية.. قراءة في قرار إغلاق المراكز الخارجية للجامعات السودانية
محمد كندشة يكتب..
اطلعتُ على التعميم الصادر عن سفارة السودان في كمبالا، والذي أحالت فيه قراراً لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي يقضي بإيقاف كافة أنشطة المراكز الخارجية لمؤسسات التعليم العالي السودانية في عموم الدول، وجعل الأول من أغسطس 2026م موعداً نهائياً لإنفاذه، مع التنبيه بعدم اعتراف الوزارة بأي مؤهلات أو شهادات تصدر عن تلك المراكز بعد ذلك التاريخ، وعدم تصديقها أو معادلتها.
وللوهلة الأولى يبدو القرار إجراءً تنظيمياً يُعنى بجودة التعليم وصون سمعة المؤسسات الأكاديمية، غير أن التمعن في توقيته وسياقه يكشف عن وجه آخر له؛ فهو ليس قراراً أكاديمياً، بل هو قرار سياسي بامتياز، اتخذته حكومة بورتسودان عبر ذراعها الوزاري لفرض واقع جديد بالقوة.
إن جوهر هذا القرار هو الإجبار المقنّع على العودة. فالحكومة تسعى من خلاله إلى تسويق رواية مفادها أن الأوضاع في البلاد قد استتبت، وأن الخرطوم ومدن السودان باتت آمنة ومستقرة ومهيأة لعودة الجامعات، حتى وإن كان ثمن هذه الدعاية هو مستقبل آلاف الطلاب وأسرهم في المهجر.
والضحية الأولى والأخيرة لهذا القرار هي الأسرة السودانية البسيطة. تلك الأسر التي أجبرتها الحرب على النزوح إلى دول الجوار، كأوغندا ومصر والسعودية وليبيا، ووجدت في هذه المراكز الخارجية طوق نجاة وحلاً وسطاً يحفظ لأبنائها حقهم في التعليم بتكلفة معقولة، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق قاسٍ: إما قطع مسيرة أبنائها التعليمية وضياع سنوات من جهدهم، أو الرضوخ للعودة إلى الداخل ومواجهة ظروف أمنية ومعيشية بالغة التعقيد.
وعن تجارب منظورة أمامي، فقد تابعت مسيرة سفر عشرات الأسر مرافقين لأبنائهم، فأنهوا رحلة النزوح واللجوء تحت ضغط مستقبل أبنائهم. وهناك من أرسلوا أبناءهم إلى الداخليات وهنا تبرز أعباء إضافية على كاهل الأسر، وهناك أسر أرسلت فرداً من الأسرة مرافقاً للطالب، وهناك أسر عادت بكامل طاقمها، لتجد نفسها تبدأ من الصفر من جديد في الخرطوم.
وفي القرار ازدواجية فاضحة تميّز بين أبناء الوطن الواحد. فهذا الإجراء لا يطال بحال من الأحوال الفئات الميسورة القادرة على دفع آلاف الدولارات لتعليم أبنائها في الجامعات الأجنبية برسوم مضاعفة في مصر وتركيا ورواندا وماليزيا، هذا إذا استثنينا الجامعات الخاصة باهظة التكاليف كجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا والجامعة الوطنية وجامعة السودان العالمية على سبيل المثال، فمن يستطيع سداد رسوم هذه الجامعات الخاصة يمكنه ببساطة دفع تكاليف الجامعات الأجنبية.
وإن كان القرار يشمل حتى الجامعات الخاصة، إلا أن خيار الحضور إلى الخرطوم يبقى اختيارياً لطالب الجامعة الخاصة الذي يملك بديل الانتقال إلى جامعة أجنبية، بينما طالب الجامعات الحكومية ليس لديه أي خيار سوى العودة الإجبارية أو فقدان مقعده بالفصل أو التجميد. فهؤلاء المقتدرون في منأى عن تبعات القرار، إنما هو قرار مفصّل على مقاس الأسر المرتبطة بالجامعات الحكومية السودانية، تلك التي لا تملك ترف الاختيار ولا تملك بديلاً.
إن الوزارة التي كان يُفترض أن تكون حاميةً لمستقبل الطلاب وضامنةً لحقهم في التعليم، قد تحولت بهذا القرار إلى أداة لتنفيذ أجندة سياسية، تستخدم التعليم كورقة ضغط ووسيلة لمعاقبة النازحين ودفعهم دفعاً نحو العودة.
إن التعليم في جوهره رسالة بناء وجسر عبور نحو المستقبل، ولا ينبغي له أن يتحول إلى سلاح يُشهر في وجه الأسر السودانية التي أثقلتها ويلات الحرب.
