أطياف… صباح محمد الحسن

لماذا يُعدّ هذا واحداً من أقوى المواقف السياسية التي اتخذتها القوى المدنية !؟

لدلالاته الثقيلة جداً في ميزان الصراع السياسي السوداني، ولهذه الأسباب …

أطياف

صباح محمد الحسن

مقاطعة

طيف أول:

يا موطن الضوء، إنّي كلما ضاقت بي الدنيا،

أراك نافذةً تُطلّ منها روحي على الفجر الجديد.

وكنا قد تحدثنا في 18 يونيو تعليقاً على تخوّف القوى المدنية (صمود) من المشاركة في اجتماعات الخماسية، التي قالت إنها تخشى من أن تعمل على إغراق العملية السياسية عبر هذه الاجتماعات. وذكرنا أن الخماسية ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل منصة يمكن استخدامها لشرعنة سلطة العسكر، وأن التعامل معها يجب ألا يكون بحذر فقط، بل بالمقاطعة الكاملة لهذه المبادرات. فقيادات في الاتحاد الأفريقي تريد إعادة البرهان إلى موقعه ما قبل 15 أبريل، ومشاركة الإسلاميين، والجامعة العربية تتعامل معه كسلطة أمر واقع، هذا بجانب “النية المبيّتة” لتوريط القوى المدنية في اجتماعات مريبة.

وبالأمس قررت القوى المدنية، وعلى رأسها صمود، مقاطعة هذه الاجتماعات التي دعت إليها الآلية الخماسية والمقرر عقدها في الثاني من أغسطس المقبل.

واقترحت صمود تشكيل لجنة تحضيرية تضم ثلاثة مكونات رئيسية: الكتلة الديمقراطية، وتحالف تأسيس، إلى جانب القوى المدنية الرافضة للحرب، على أن تتولى هذه اللجنة إدارة المشاورات بين القوى السودانية والتوافق على المشاركين والأجندة وإدارة العملية السياسية، باعتبارها خطوة ضرورية لضمان أوسع توافق.

وأكدت مصادر مطّلعة لـ”صحيح السودان” أن الرفض جاء نسبةً لإصرار الخماسية على تصميم العملية السياسية بشكل منفرد، دون تشاور حقيقي مع الأطراف السودانية، ومحاولة الآلية هندسة العملية بصورة تُدخِل عناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية الإرهابية.

كما قالت قوى إعلان المبادئ السوداني إنها، بعد أن تلقت ذات الدعوة، عقدت اجتماعاً تشاورياً لمناقشة الموقف، وخلصت إلى الاعتذار عن المشاركة في الاجتماع المزمع، باعتبار أن الدعوة بصيغتها الحالية لا تعالج القضايا الأساسية اللازمة لإطلاق عملية سياسية جادة، شاملة، شفافة وذات مصداقية.

وفي رأيي، هذا واحد من أقوى المواقف السياسية التي اتخذتها القوى المدنية، لدلالاته الثقيلة جداً في ميزان الصراع السياسي السوداني.

لأنه يعتبر الموقف الموحّد الأول منذ اندلاع الحرب فالقوى المدنية كانت طوال الشهور الماضية مجزأة ومشتتة، وهذا التوحّد يأتي في لحظة سياسية حرجة ويُعدّ تطوراً غير مسبوق ، ويعني رفضاً واضحاً وصريحاً لشرعية سياسية إقليمية تدعم البرهان منفرداً أو التعامل معه كسلطة أمر واقع، كما يؤكد أنها لن تشارك في أي عملية سياسية تُعيد إنتاج السلطة العسكرية أو تمنحها شرعية دولية.

وهو مايعيد تعريف الشرعية السياسية في السودان ويؤكد أنهم ليسوا مجرد ضيوف في عملية سياسية تُدار من الخارج.

وهذا تغيير كبير في ميزان القوى، يعيد ترتيب المشهد السياسي بالكامل.

حتى أن هذا القرار يفرض شروطاً جديدة على الطاولة الإقليمية

فالقوى المدنية لم تكتفِ بالرفض، بل قدّمت بديلاً عملياً للجنة تحضيرية تضم ثلاثة مكونات رئيسية لإدارة العملية السياسية. فوضع الشروط واقتراح الهياكل وتحديد الأجندة هو ما يحدد من يتحكم في رسم خارطة وملامح العملية السياسية، والمطالبة بهذا الحق تُعدّ تطوراً مهماً جداً في مسار القوى المدنية كفاعل سياسي.

والموقف يحوّل الخماسية إلى جسد بلا روح، لأنها كانت تراهن على حضور القوى المدنية لإظهار أن العملية “شاملة”. فغياب القوى المدنية الأساسية الفاعلة والمؤثرة والرافضة للحرب والداعية للسلام يجعل الاجتماع فارغاً، غير قادر على إنتاج مخرجات ذات مصداقية. وهذا يفشل تماماً محاولة تقديم البرهان كطرف سياسي معترف به دولياً، وهو في حد ذاته إنجاز سياسي كبير يؤكد أن القوى السياسية السودانية هي صاحبة القرار في عملية الحل السياسي، ولا تقبل بفرض الشروط والإملاءات، وأنها أكثر قدرة على إدارة المشهد.

كما يعيد الموقف التحام القوى المدنية بقواعدها الثورية، ويعزز بناء الثقة، ويخدم أهم المطالب الثورية وهي وحدة الصف المدني، لأن الثورة قامت ضد الحكم العسكري والإسلاميين. كما أن القرار كان أكثر جرأة في مواجهة الضغوط الدولية.

لذلك سيخصم من أعضاء الخماسية لأنه يسقط “الشرعية الشكلية” التي كانت تراهن عليها فالمجتمع الدولي سيلاحظ أن القوى المدنية، وهي الطرف الأكثر تأثيراً على المسرح السياسي، رفضت المشاركة، مما يضع الخماسية في موقف محرج ويجعلها تبدو كأنها تتفاوض مع طرف واحد أو تُعيد إنتاج مسار سياسي غير متوازن. وهنا يبقى السؤال كيف ستتلافى الخماسية هذا الموقف

هل ستحاول إشراك القوى المدنية في تحديد الأجندة وإعادة هيكلة العملية السياسية وإبعاد الورقة التي تخدم البرهان وفلوله !؟

لا أعتقد ذلك.

طيف أخير:

#لاللحرب

#لاللمخدرات

يغيب السودان عن هذه المنصة للمرة الخامسة، حيث تنعقد الدورة ٤٩ للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي على مستوى وزراء الخارجية بأديس، يغيب بسبب انقلاب البرهان على السلطة المدنية.

حماقة العسكر التي يدفع ثمنها الوطن.