سرديات

يا ما شايلك فيني حايم؛

لا العمارات السوامق

لا الاسامي الأجنبية،

تمحى من عيني ملامحك..

 

سلامٌ لك في عليائك؛ يا ضمير الأمة..

 

*Traduttore, Tradittore*

 

هذه العبارة الايطالية، بتشابه أحرفها ووقعها الموسيقي على الأذن؛ تقابلها في العربية، عبارة *المترجم خائن*..

 

وهي ذات العبارة التي يحلو لأستاذنا البروف محمد المهدي بشرى، ان يشير بها؛ من وقت لآخر؛ للمزالق التي تمد للمترجم لسانَها هازئةً، إذا حاد عن جادة الطريق في تفسيره لبعض النصوص..

 

قروب قهوة النشاط؛ قروب يضم بعضا من خريجي جامعة الخرطوم في الستينيات والسبعينيات؛ يتسامرون فيه، من حين لآخر، بتفكيك ومناقشة ترجمات لنصوص أدبية؛ إلى جانب تبادل الرؤى حول المستجدات في القضايا العامة..

وفي سياق ترجمة النصوص الأدبية يكون للعبارة التي يرددها أستاذنا البروف حضورها الباذخ، مذكرا الأعضاء، بصعوبة الترجمة كفن، لا يخلو من ثغرات تنتقص من قيمة العمل الابداعي في محصلته النهائية..

 

والبروف يقصد بعبارته التحذيرية هذه، ما قصده من قبله، الفيلسوف والسياسي والمترجم الايطالي المعروف انطونيو غراتسي..

 

 

غراتسي، كان من أشد معارضي موسيليني الفاشي..رماه الدكتاتور الفاشي في السجن، بسبب مساعيه التنويرية، والتي كانت بعبعا يهز أركان غرف موسيليني.. قضى غراتسي أحد عشر عاما في السجن، ألّف خلالها، كتابا، صار مرجعا للمهتمين بقضايا الترجمة والفلسفة والدراسات الاجتماعية..

 

دفاتر السجن Prison Notebook كتاب، ينتقد فيه غراتسي، التضليل، الذي كان يمارسه الفاشيون، على المجتمع، من خلال تحريف اللغة وتحويرها ليكون للكلمة معنى غير معناها المعروف..

 

المترجم خائن!

 

عبارة (قديمة ربما يعود تاريخها الى زمن دانتي او الى عصر قبله) قالها غراتسي كوصفة للنجاة من الفاشية؛ بمعنى انه لو لم نترجم-حسب قوله- (الماركسية للواقع الايطالي بأمانة؛ فإننا سنخسر المعركة الثقافية ضد موسيليني..)..

 

الفاشيون كانوا يترجمون مفاهيم مثل الحرية والوطنية والدين بطريقة تخدم مصالحهم وهو ما اعتبره غراتس *خيانة*..فالمترجم في نظره يجب ان يكون ( ناقدا وسياسيا ومناضلا)..

 

وعن فن الترجمة بوجه عام، يقول غراتسي، إن الترجمة التي تحاول النقل كلمة بكلمة، تعد *خيانة* للنص، لأنها تقتل روحه وتجعله جثة في لغة أخرى..لذلك المطلوب من المترجم الجيد-حسب رأيه-ان يكون مبدعا، قادرا على كتابة النص من جديد، بحيث يشعر القاريء المستهدف، انه مكتوب بلغته أصلا لا بلغة غيره..

 

وهذا ما يقصده استاذنا البروف حين يخون المترجمُ الحرفَ، وينقل المعنى خطأ؛ او حين يخون روحَ النص فيصيّره جثة بلا حياة..

 

في ظني وصف المترجم بالخائن، ربما ينطبق بشكل أوضح، على من يُقبل على ترجمة الشعر من لغة إلى أخرى.. لا اظن ان تكون ترجمة الشعر العربي مثلا الى شعر انجليزي دقيقة حقا؛ الا اذا كان جرس الحروف في اللغة الاجنبية وموسيقاها؛ يماثل جرسها في اللغة الأخرى، وهو ما لا يتأتى بحال من الأحوال، لعدم وجود بعض هذه الاحرف في الانجليزية؛ ضف الى ذلك ان كل كلمة في اللغة العربية تحديدا، لها مصاحبات وظلال من الالفاظ والمعاني، تدور في فلكها لتضفي عليها معنى وجوا؛ يختلف عن مصاحبات ما يقابلها في اي لغة اخرى..

هذه حقيقة لا يمكن دحضها ولكنها لا تلغي بالطبع، فعل الترجمة كنشاط إنساني يعزز التواصل بين المجتمعات البشرية، وينبني عليه التطور الذي يفيد الإنسان، من خلال تلاقح الافكار بين الأمم..

فرسالة الغفران لأبي العلاء المعري؛ على سبيل المثال؛ كانت هي النواة التي استزرعها دانتي لينبت منها قصيدته الذائعة الصيت التي غزت الأسواق باسم الكوميديا الإلهية..(اشرت لهذا الجانب باستفاضة في سردية سابقة)..

 

فلا يمكن ان يكون معنى اي كلمة في اي لغة من لغات العالم، هو كلمة مقابلة في لغة اخرى؛ بل ان اي كلمة في أي لغة تكتسب معناها من مجموعة ملابسات يدخل فيها تفكير الشاعر الذي كتبها، وآراؤه الشخصية والبيئة، التي نشأ فيها والمجتمع الذي عاش فيه؛ بل وتاريخ الدولة التي نشا فيها وتقاليدها الاجتماعية والادبية والثقافية.. وهكذا تكون كل كلمة عالما مترامي الاطراف، لا يمكن ان يقابله عالم اي كلمة في لغة اخرى..لذلك لا يستبعد صديقي المترجم المتميز عادل بابكر ان يكون حميد رحمه الله كتب هذه القصيدة ايام اغترابه، بسبب ما يراه من تأثير ذي صلة بصهد الغربة والتياعاتها..

 

 

حميد، رحمه الله؛ رسم لنا في المقطع الأخير من قصيدة “يا مطر عز الحريق”، لوحة فنية، تحكي لنا، كيف تكون الكلمة وطنا، وكيف يكون الشعر، وعدا بالدهشة..(وشك المكبوت مكندك؛ سمصونايتك زمزمية؛ كون شبر طورية منجل؛ سبحة فانوسا مدردح) هذه الصورة الموغلة في بؤس القرية السودانية لا سبما في شمال البلاد؛ جعلها حميد تواجه زمانها الأسيف:

يا زمان الآهة حدك! اي (جيلنا دفع ثمن كل الاخطاء من (فقر وجهل ومرض) فاياك أن تحول دون ازدهار الوردة الصبية!

 

لوحة فنية على لسانها، يجري الشعرُ نهرا من الصدق؛ يسقي أرواحنا بعطر الارض وصوت المهمشين ..

 

كثيرا ما يستوقغني هذا المقطع..اغوص في تفاصيل اللوحة واخوص في مغازي الكلمة؛ كما لو أنظر إلى عين الشمس أو أقوِّم سهما..

 

سالت بعض الثقات عن مغزى الوردة الصبية في خاتمة المقطع:

يا زمان الحاجة عندك

يا زمان الآهة حدك

لا تطا الوردة الصبية..

 

تباينت الآراء حول ما يقصده حميد بالوردة الصبية؛ فتارة هي الوطن/ الأرض، كما يرى الدكتور صدقي كبلو، وتارة أخرى هي الثورة ضد حكم العسكر، كما قال صديقي الدكتور بدر الدين البيتي:

 

الوردة الصبية ربما تكون اشارة الى امتخاض الثورة فى حنايا ..الشعب السودانى .. لان حميد كان ..فى انتظار الثورة .. انتظرها من المزارعين ( الواسوق ) ولم تأت. وانتظرها من العمال والصنايعية( الابرول )ولم تأت، وانتظرها من الضباط الاحرار( المدفع) و(ابت تطلع)..

 

أما بالنسبة لصديقي الدكتور فتح العليم عبد الله (وهو من أصدقاء حميد الخلص وسادن لأشعاره) فمعنى (الورد الصبية) لا يمكن تحديده دون التركيز على كلمة (الحاجة) حين يقول الشاعر:

 

يا زمان الحاجة عندك

يا زمان الآهة حدك..

 

فالحاجة هنا كما يرى الدكتور فتح العليم هي (الوفرة-اي ان بلادنا غنية بمواردها) ولكن لسوء ادارة هذه الموارد بحنكة تأتي الآهة:

 

يا زمان الآهة..

 

وبهذا المفهوم تكون الوردة الصبية هي كل جميل مكتنز في سياق معنى الوطن..

 

 

وهذا التباين في الرؤى حول ما يقصده حميد في شعره؛ لا ينتقص من قيمة شعره، بل يجعله أكثر قيمةً، حين يفسره كل متلق حسب هواه؛ وهذا ما يجعل شعر حميد أكثر عذوبة وأعمق فلسفة..

 

من شدة تعلقي بالمقطع الأخير من قصيدة يا مطر عز الحريق ترجمته-نزولا عند رغبة بعض الأصدقاء- إلى الإنجليزية، وفي البال تحذير أستاذنا البروف من وقوع المترجم، في فخ النقل الحرفي، الذي يقتل النص، او التأويل المفرط، الذي يفسد المعنى الذي يعنيه الشاعر..

 

عموما، شعر حميد ليس من السهل سبر غوره، بل يظل محفورا بعمق؛ فيما استبطنه الشاعر ولم يظهره..حميد يترك للقاريء الفرصة لكي يفذلك متعة تذوق الشعر حسب ما يسوقه اليه خياله..

 

يا ما شايلك بيني حايم

لا الليالي المخملية

لا العمارات السوامق

لا الأسامي الأجنبية

تمحى من عيني ملامحك

داقسي دايشي المغربية

دايسي داقشي المغربية

وشك المكبوت مكندك

سمصونايتك زمزمية

كون شبر طورية منجل

سبحة فانوسا مدردح

*قلتي بيهن لزمانك*

يا زمان الحاجة عندك

يا زمان الآهة حدك

لا تطأ الوردة الصبية

 

 

طلب مني بعض الاصدقاء من سودانيي الدياسبورا؛ ترجمة هذه الأبيات من شعر حميد، الى الانجليزية، لنشرها في مطبوعة يعملون على اصدارها؛ فاعتراني شعور بتردد يشبه الخوف..الخوف من تلوين لوحات حميد بالوان لا تعكس جماليات الكلمة كما أرادها، سلاحا يشهره متى دعت الضرورة..ولكني رغم مخاوفي قبلت التحدي، لان الجمال الحقيقي لشعر حميد؛ هو محاولة ترجمته للغة أجنبية، لا بقصد تأليف نص يماثل جمال النص الأصلي، بل للتمتع بدهشة العجز عن الاتيان بمرادف لكلمات حميد العميقة المغازي..وهنا تكمن متعة تذوق الشعر:

 

*Ceaselessly I’ve carried you within my heart*

 

*Not city lights, nor foreign parts*

 

*Nor tall buildings, nor names so fine*

 

Have replaced your image

Forever divine

 

Your sunset homecoming, worn and gray

 

Attracts me still in a loving way

 

Your face a map of dust and time

 

No fancy bag, just a humble container’s rhyme

 

Your domain a small plot of land

 

A prayer bead, a laml a simple hand

 

You faced exhaustion, with strength and will

 

Imploring this time pf awe to stay, to not proceed

 

To spare its tread, and not downtread the tender rose’s seed

 

وصف حميد للقرية/الوطن بعجوز *داقسي دايشي المغربية، دايشي داقسي المغربية* يأتيك بحروف لا تقرأ، وإنما تشاهد في لحظة التشكل والامتلاء…لذلك اكتفيت بكلمة exhaustion كوعاء في داخله هذه الصورة المذهلة التي عرضها علينا حميد بأحرفه المؤتلقة..فكلمة exhaustion تعني في ظني:

 

The point where your body and mind have no energy left.

 

فخلو الجسد من الطاقة وذبول قدرة العقل على التعاطي مع دوامة العجز هما لسان حال العجوز/ القرية/الوطن وهي تقاوم-رغم ضعفها وبؤسها، من أجل التغيير..

 

أقر بأن فخاخ الخيانة تحاصرني بشباكها، وأنا عليها أقبل بكامل حواسي، مخفورا بسحر البيان، حين يشكل حميد من صلصاله، وطنا يذوب عشقا في الحرية، كما تذوب قطع السحاب في ضوء الشمس؛ كما يقول ابن الرومي..