زلزال الدقائق الآخيرة: اللاعب الـ(12) و”الصبر الاستراتيجي”.. تفتك بالمنهكين في المونديال

عبدالوهاب جمعه يكتب..

كشفت مباريات كاس العالم 2026، كيف يمكن للثلث الاخير من زمن الشوط الثاني للمباريات ان يغير مصير الفرق في الكأس ، ويرفع فرق ويهوي بأخرى، رافعا مجد منتخبات ومكلل فرق آخرى بعار الهزيمة والخروج من المنافسات.

شكلت المباريات الآخيرة روعة كرة القدم وسحرها، بالاهداف الحاسمة والتحولات الدراماتيكية والمباريات الملحمية المليئة بالاثارة وهو ما منح المتابعين لمباريات كأس العالم المتعة الكاملة.

لست خبير في الرياضة او متابع جيد لكرة القدم، لكن ما جرى في الثلاثة أيام الاخيرة يشير الى نمط لم يدرس في الاكاديميات الرياضية او يجد حقه من التعليق والنقاش واكتفت معظم النقاشات بوصفه كـ “نحس” او ” سوء طالع”.

من وجهة نظري أن تسجيل احد المنتخبات لهدف في الثلاث الاخير من الشوط الثاني او الاشواط الاضافية يحدث زلزال وهزات ارتدادية على الفريق المنافس، الفريق الذي تلقي الهدف تكون وضعه انهيار تكتيكي سريع يؤدي الى تلقي شباكه اهداف اخرى.

بينما الفريق الذي يسجل الهدف يشعر بحالة ” انتصار نفسي” وترتفع ثقة لاعبيه مدفوعين بطاقة ايجابية جماعية تجعلهم يسددون مزيد من الاهداف في مرمى الخصم.

تفسير ذلك يعود الى عاملين ما بين نفسي وتكتيكي هما : الجمهور” اللاعب الـ12″ و “الصبر الاستراتيجي” المتمثل في خبرة المدرب واللاعبين.

في كرة القدم هناك لاعب لا يرتدي زي رياضي ولايدخل ارضية الملعب لكنه يحمل الرقم(12) وهو ما يشكل الجمهور أو مشجعي الفرق، اللاعب الـ(12) ليس مجرد متفرج بل هو مصنع طاقة جماعية تضغط على الفريق المنافس وتثبط من عزيمتهم وتلهب حماس فريقها.

ترتفع اهمية اللاعب الـ(12) عموما في الثلث الاخير من الشوط الثاني او الاضافي، لكن الثلث الاخير ليس مجرد وقت عادي وانما هو اختبار حقيقي لـ”القوة الجماعية للفريق”، الفريق الذي يسجل زمن في هذا التوقيت لا يحقق تفوق من ناحية الاهداف وانما يشكل ” زلزال” يدفع الخصم نحو الانهيار الكلي خصوصا اذا ترافق ذلك مع موجات التشجيع الحماسي من جمهور الفريق الذي احرز الهدف.

بمعنى أن اللاعب الـ(12) يشكل مصير المنتخب بين الارتقاء او الانهيار، ويصبح الجمهور هو العامل المساعد المحفز أو المثبط للمنتخبات.

لكن اللاعب الـ(12) ليس وحده العامل الاهم في حسم المباراة في التوقيت الحرج، هناك عامل آخر اسميه” الصبر الاستراتيجي”، وذلك الصبر الاستراتيجي هو خبرة المدربين في ادارة وتيرة المباراة ورفع اللياقة النفسية للاعبين لتحمل الضغوط الهائلة ورفع قدرتهم على استغلال أي فرصة تتاح لتغيير مسار المباراة.

تصل أجساد اللاعبين في الثلث الاخير من الشوط الثاني الى مرحلة مفرطة من الاجهاد مترافقة مع وصول عقول اللاعبين الى نقطة حرجة من عدم التركيز.

هنا يتدخل المدرب من خلال “الصبر الاستراتيجي” عبر التبديلات الذكية للاعبين، وتغير هيكل التشكيل وادارة فترات الاستحواذ على الكرة وتغيير ايقاع اللعب، واستخدام تكتيكات وهمية لارباك مدربي ولاعبي الفرق المنافسة.

رغم أن مباريات كأس العالم تعتمد على الموهبة وتناغم اللاعبين باعتبارها نشاط شعبي الا أن كرة القدم الحديثة تشير الى أن المباريات ليست مجرد نشاط عضلي وانما هي سباق بين “العقل” و” الروح”، وأن التغيير الذي يحدث في الثلث الاخير من الشوط الثاني بعد احراز الهدف ليس مجرد ثمرة للصدفة او مهارة فردية وانما نتاج لـ”صبر استراتيجي” ناضج مدعوم باللاعب الـ(12) الذي ينفخ في ارواح اللاعبين القوة من جديد بعد أن تبددت من الاجساد.

ستظل كرة القدم وكأس العالم، مرآة لحياتنا اليومية من قلق ومخاوف وتطلعات وآمال، لكنها في الوقت نفسه يختبر الثلث الاخير من الشوط الثاني اعصاب اللاعبين أكثر مما يرهق عضلاتهم.