السجناء السودانيون حول العالم – نداء إنساني من أجل الكرامة والعدالة

بقلم/ زهير عثمان – في زوايا بعيدة من العالم، خلف أسوار السجون وأبواب الزنازين المغلقة، يعيش مئات وربما آلاف السودانيين أوضاعاً إنسانية معقدة لا يعرف عنها أهلهم في الوطن إلا القليل

بعضهم يقضي عقوبات قانونية، وبعضهم ينتظر محاكمات قد تطول أو تقصر، وآخرون وجدوا أنفسهم خلف القضبان نتيجة ظروف الهجرة غير النظامية أو الوقوع ضحايا لشبكات الاتجار بالبشر أو تداعيات الأزمات الاقتصادية التي دفعتهم إلى مغادرة السودان بحثاً عن الأمان أو فرصة حياة أفضل , ورغم اختلاف القضايا والدول والظروف، إلا أن هناك حقيقة واحدة تجمعهم جميعاً: أنهم بشر قبل كل شيء

لهم أمهات ينتظرن خبراً يطمئن القلوب، وآباء يرفعون الدعوات في صلوات المساء، وأطفال يسألون عن آبائهم الغائبين، وزوجات يواجهن أعباء الحياة وحدهن في زمن يزداد قسوة يوماً بعد يوم

وقد جاءت الحرب التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023 لتضاعف من معاناة هؤلاء السجناء وعائلاتهم

فمع النزوح الواسع والانهيار الجزئي لمؤسسات الدولة وتعطل شبكات التواصل في بعض المناطق، فقدت آلاف الأسر القدرة على متابعة أوضاع أبنائها المعتقلين أو المسجونين خارج البلاد

وفي المقابل، يعيش كثير من هؤلاء السجناء قلقاً يومياً بشأن مصير أسرهم داخل السودان، فلا يعرفون هل ما زالوا أحياء أم شردتهم الحرب إلى مخيمات النزوح أو دفعتهم إلى اللجوء في دول الجوار

إن الحديث عن أوضاع السجناء لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الجرائم أو التقليل من أهمية سيادة القانون , فاحترام القانون والعدالة أساس استقرار المجتمعات

لكن العدالة الحقيقية لا تنفصل عن الكرامة الإنسانية.

فالسجين، مهما كانت التهمة المنسوبة إليه، يظل إنساناً يتمتع بحقوق أساسية أقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، من بينها الحق في المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية والتواصل مع الأسرة والحصول على محاكمة عادلة وعدم التعرض للتعذيب أو الإهانة

ولهذا السبب أولى القانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان عناية خاصة بالمعتقلين والسجناء، سواء في أوقات السلم أو النزاعات المسلحة. فقد أرست اتفاقيات جنيف والقوانين الدولية مبادئ واضحة تؤكد أن الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة، وأن مسؤولية الدول لا تقتصر على الاحتجاز القانوني، بل تشمل أيضاً توفير الرعاية الصحية والضمانات القضائية وإتاحة التواصل مع العائلات ومراقبة أوضاع المحتجزين بصورة مستقلة

وتكتسب هذه المبادئ أهمية مضاعفة في الحالة السودانية الراهنة، حيث أدت الحرب إلى إضعاف قدرة الدولة على متابعة أوضاع مواطنيها في الخارج. وهنا يبرز سؤال مشروع , من يتابع قضايا السجناء السودانيين المنتشرين في سجون دول مختلفة؟ ومن يتواصل مع أسرهم؟ ومن يوفر لهم الحد الأدنى من الدعم القانوني والإنساني؟

للأسف، تشير الوقائع إلى وجود قصور واضح في آليات المتابعة الرسمية. فالمؤسسات المعنية بشؤون السودانيين في الخارج، وعلى رأسها الجهات المختصة بالمغتربين والبعثات الدبلوماسية، تبدو عاجزة عن مواكبة حجم الأزمة المتنامية

ونتيجة لذلك، يجد كثير من السجناء أنفسهم في مواجهة مصيرهم منفردين، بينما تعيش أسرهم حالة من القلق وعدم اليقين.  ولا يتعلق الأمر فقط بالمساعدة القانونية، بل أيضاً بغياب المعلومات. فهناك أسر لا تعرف مكان احتجاز أبنائها، وأخرى لا تملك أي وسيلة للتواصل معهم، فيما تمر شهور وربما سنوات دون معرفة أوضاعهم الصحية أو القانونية

وفي حالات عديدة يصبح الغموض نفسه نوعاً من المعاناة النفسية المستمرة للأسرة والسجين معاً. ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الدولية والإنسانية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية المعنية بأوضاع المحتجزين

فهذه المؤسسات تمتلك الخبرة والآليات اللازمة لتسهيل التواصل بين السجناء وعائلاتهم، ومراقبة أوضاع الاحتجاز، وضمان احترام المعايير الإنسانية الأساسية. كما أن الجاليات السودانية في الخارج تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في هذا الملف، من خلال بناء شبكات تطوعية للمساندة القانونية والإنسانية، والتنسيق مع المحامين والمنظمات المدنية، وتقديم الدعم للأسر التي تعاني من غياب المعيل أو انقطاع الأخبار.

إن معالجة هذه القضية تتطلب الانتقال من التعاطف إلى العمل،  ومن بين الخطوات العملية التي يمكن البدء بها إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة للسجناء السودانيين حول العالم بالتعاون مع المنظمات الإنسانية المختصة، وتفعيل آليات الزيارات والمتابعة القنصلية، وتوفير الدعم القانوني للحالات الأكثر هشاشة، إلى جانب بناء قنوات اتصال تمكن الأسر من معرفة مصير أبنائها بصورة منتظمة

في زمن الحرب والانقسام والشتات، ربما تكون الإنسانية هي آخر ما يجمع السودانيين. والدفاع عن كرامة السجين ليس دفاعاً عن الجريمة، بل دفاع عن مبدأ أساسي مفاده أن قيمة الإنسان لا تسقط حتى وهو خلف القضبان. فخلف كل اسم في سجلات السجون قصة إنسانية كاملة، وخلف كل رقم أم تنتظر وأطفال يحلمون بعودة غائب وأب يخشى أن يرحل قبل أن يسمع خبراً يطمئن قلبه

إن قضية السجناء السودانيين حول العالم تستحق أن تكون جزءاً من الضمير الوطني والإنساني، فرسالة واحدة، أو زيارة قانونية، أو متابعة قنصلية جادة، قد تعيد الأمل إلى إنسان ينتظر خلف القضبان وإلى أسرة تنتظر على الجانب الآخر من العالم

فالكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود، والعدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تشمل الجميع.

النص التالي ليس ترجمة حرفية للمقال، وإنما نسخة فرنسية مختصرة من النداء الإنساني المستوحى من مضمونه، والموجه إلى المنظمات الدولية والحقوقية المعنية بأوضاع السجناء السودانيين حول العالم.

Appel à la Justice et à la Dignité Humaine

Pour la protection des détenus soudanais à travers le monde

À l’attention de :

Le Secrétaire général des Nations Unies,

Le Haut-Commissariat des Nations Unies aux droits de l’homme (HCDH),

Le Comité international de la Croix-Rouge (CICR),

Les gouvernements des pays accueillant des ressortissants soudanais,

Les organisations internationales de défense des droits humains.

Nous, signataires du présent appel,

Attirons l’attention de la communauté internationale sur la situation préoccupante des détenus soudanais à travers le monde. Alors que le Soudan traverse l’une des crises humanitaires les plus graves de son histoire récente, des milliers de citoyens soudanais demeurent privés de liberté dans différents pays, souvent dans des conditions marquées par l’isolement, l’incertitude juridique et l’absence de soutien effectif.

Les conséquences du conflit armé au Soudan ont aggravé la vulnérabilité de nombreux détenus soudanais, dont plusieurs sont aujourd’hui coupés de leurs familles, privés d’assistance juridique adéquate et confrontés à des conditions de détention incompatibles avec les principes fondamentaux de la dignité humaine.

Nous exprimons notre profonde préoccupation face :

Au manque de transparence entourant certaines situations de détention ;

Aux obstacles empêchant les familles d’obtenir des informations sur leurs proches ;

À l’accès insuffisant aux soins médicaux et à l’assistance juridique ;

Aux retards dans les procédures judiciaires et aux risques de détention prolongée.

Conformément aux principes du droit international humanitaire, du droit international des droits de l’homme et des conventions relatives à la protection des personnes détenues, nous appelons à :

1. Une intervention humanitaire urgente

Le CICR et les organisations compétentes sont invités à renforcer leurs visites et leurs mécanismes de suivi dans les lieux de détention où se trouvent des ressortissants soudanais.

2. La création d’un mécanisme international de recherche et d’information

Nous appelons à l’établissement d’une base de données humanitaire sécurisée permettant aux familles de retrouver leurs proches détenus ou disparus et d’obtenir des informations fiables sur leur situation.

3. La garantie des droits fondamentaux

Nous demandons aux États concernés d’assurer à tous les détenus soudanais l’accès à une assistance juridique, à des procès équitables, aux soins médicaux et à la communication avec leurs familles.

4. L’activation de la diplomatie humanitaire

Nous exhortons les institutions internationales et régionales à inscrire la question des détenus soudanais parmi les priorités humanitaires liées à la crise soudanaise.

Chaque détenu est un être humain porteur d’une histoire, d’une famille et d’une dignité qui doivent être protégées.

Le silence ne doit jamais remplacer la justice.

Nous appelons la communauté internationale à agir avec urgence, responsabilité et humanité.

Signé :

zohair

Les défenseurs des droits humains, les écrivains, les journalistes, les universitaires et les citoyens solidaires de la cause humanitaire soudanaise.