البرهان يفتح باب الحوار الوطني في السودان.. حصانة مؤقتة للمشاركين ورسالة جديدة من القصر الجمهوري
الخرطوم/ الغد السوداني – أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إطلاق حوار مع القوى الوطنية بهدف إشراكها في مؤسسات الحكم، في خطوة سياسية تأتي بالتزامن مع عودة النشاط الرسمي إلى القصر الجمهوري في الخرطوم بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب.
وقال البرهان، في كلمة مصورة بمناسبة عيد الجيش الـ72، إن الحوار الوطني سيكون مستقلاً عن أي تدخل في أجندته، مؤكداً أن المشاركين فيه سيحصلون على حصانة مؤقتة تحول دون تعرضهم لملاحقة قانونية بسبب الآراء والمواقف التي يطرحونها خلال جلسات الحوار.
وشدد رئيس مجلس السيادة على أن نجاح المبادرة يتطلب توفير مناخ عام يسمح بالحريات وطرح الآراء المختلفة، قائلاً إن الحوار «لا ينبغي أن يكون عملية مغلقة»، بل يجب أن يتيح للمجتمع المشاركة بالنقد والتأييد وإبداء المواقف دون خوف أو تضييق.
وتأتي الدعوة في وقت يسعى فيه السودان إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما خلفته من نزوح واسع وانهيار في قطاعات أساسية من الدولة والاقتصاد والخدمات.
حصانة للمشاركين ورسالة إلى القوى السياسية
ويمنح إعلان الحصانة المؤقتة الحوار المقترح بعداً سياسياً وقانونياً، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب على القوى المدنية والسياسية والمجتمع السوداني.
وقال البرهان إن المطلوب هو توفير مساحة آمنة للنقاش، بما يسمح للمشاركين بطرح مواقفهم بحرية، في محاولة لتهيئة الظروف أمام حوار أوسع حول شكل الدولة ومستقبل الحكم والمسار السياسي بعد الحرب.
وكان البرهان قد أعلن في مايو/أيار الماضي عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي واسع مع القوى الوطنية، بهدف التوافق على أسس البناء الوطني والمبادئ الحاكمة لتوحيد السودان، مع تأكيده آنذاك أن مخرجات الحوار ستحدد كيفية استكمال الانتقال المدني الديمقراطي.
لكن المبادرة تواجه تحدياً رئيسياً يتمثل في تحديد القوى التي ستشارك فيها، وحدود الحصانة الممنوحة للمشاركين، وكيفية الفصل بين الخلافات السياسية والملفات القضائية المرتبطة بالحرب.
السلام يبدأ من ملف السلاح
وفي الجانب العسكري من خطابه، تمسك البرهان بموقفه الرافض لأي تسوية تعيد قوات الدعم السريع إلى السلطة، وقال إن السودان لن يقبل سلاماً «منقوصاً».
وحدد رئيس مجلس السيادة حصر السلاح الذي بحوزة المجموعات المسلحة وتجميعه في مناطق محددة باعتباره خطوة أساسية على طريق السلام، قبل الانتقال إلى بحث أوضاع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم.
ويعكس هذا الطرح استمرار أولوية الملف الأمني والعسكري في رؤية القيادة السودانية لإنهاء الحرب، في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية للضغط من أجل وقف القتال وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
القصر الجمهوري يعود إلى الواجهة
وتزامن الإعلان عن الحوار مع عودة البرهان إلى ممارسة نشاطه الرسمي من القصر الجمهوري في الخرطوم، حيث تسلم الخميس أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد، في مشهد حمل دلالة سياسية ورمزية على عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة.
وأظهرت مشاهد نشرها مجلس السيادة وصول البرهان إلى القصر الجمهوري، الذي تعرض لأضرار خلال المعارك التي دارت في قلب الخرطوم منذ الأيام الأولى للحرب.
وكان القصر أحد أبرز المواقع التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في بداية النزاع، قبل أن يستعيده الجيش خلال تقدمه في وسط الخرطوم في مارس/آذار 2025. وتعرض المبنى خلال فترة القتال لأضرار وحرائق طالت أجزاء من مرافقه ومقتنياته.
وبعد استعادته، ظل القصر بعيداً عن النشاط الرسمي لفترة بسبب أعمال الإصلاح والتأهيل، قبل أن تبدأ عملية إعادته إلى الخدمة الرسمية.
وتسلم البرهان في 13 أغسطس/آب أوراق اعتماد سفراء، بينهم سفيرا السعودية والصومال، خلال مراسم رسمية في القصر الجمهوري.
من بورتسودان إلى الخرطوم
أجبرت الحرب الحكومة السودانية على نقل مركز أعمالها من الخرطوم إلى بورتسودان شرقي البلاد، بعدما تحولت العاصمة إلى ساحة قتال وتعذر على مؤسسات الدولة مواصلة العمل من مقارها.
وبورتسودان، التي استضافت اجتماعات الحكومة ومجلس الوزراء ومؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب، أصبحت مركز الإدارة المؤقت للسلطة، بينما بقيت الخرطوم العاصمة الرسمية للسودان.
ومع استعادة الجيش مناطق واسعة من العاصمة، بدأت عملية تدريجية لإعادة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، قبل أن تعلن الحكومة في يناير/كانون الثاني 2026 عودتها الرسمية ومباشرة أعمالها من العاصمة.
وتكتسب عودة البرهان إلى القصر الجمهوري أهمية تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ تأتي في إطار محاولة تثبيت عودة مؤسسات الدولة إلى مركزها التقليدي، وإظهار قدرة الحكومة على استعادة العمل الرسمي من الخرطوم بعد سنوات من الحرب.
اختبار سياسي جديد
ويضع إعلان الحوار الوطني القيادة السودانية أمام اختبار سياسي جديد: هل يمكن أن يتحول الحوار من مبادرة تعلنها السلطة إلى منصة واسعة تشارك فيها القوى السياسية والمدنية والاجتماعية المختلفة؟
كما ستظل مسألة الحصانة المؤقتة من أكثر الملفات حساسية، في ظل وجود اتهامات وملفات قانونية مرتبطة بالحرب، وحاجة أي عملية سياسية إلى تحقيق توازن بين حماية حرية المشاركين وضمان عدم تعطيل مسارات العدالة.
وفي المقابل، فإن ربط البرهان مسار السلام بحصر السلاح يؤكد أن التسوية السياسية، من وجهة نظر القيادة العسكرية، لن تنفصل عن ترتيبات أمنية تتعلق بمستقبل القوات المسلحة والقوى المسلحة الأخرى.
وبينما يستعيد القصر الجمهوري نشاطه تدريجياً، ويحاول جهاز الدولة تثبيت وجوده في الخرطوم، يطرح البرهان الحوار الوطني باعتباره مساراً موازياً للحرب، لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بمدى قدرته على جذب قوى سياسية واجتماعية واسعة، وبإمكانية تحويل التعهدات المتعلقة بالحريات والحصانة إلى ضمانات عملية على الأرض.
