حين يصبح الغذاء ثمناً للجسد.. كيف كشفت لاجئات سودانيات أخطر فضيحة تهدد العمل الإنساني في تشاد؟

تقرير (خاص) الغد السوداني – في المخيمات التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً للفارين من أهوال الحرب، تتكشف روايات أكثر قسوة من النزوح نفسه. فبين خيام اللجوء الممتدة في شرق تشاد، حيث يعيش مئات الآلاف من السودانيين الذين فروا من الحرب المستعرة في دارفور ومناطق أخرى، برزت قضية صادمة أعادت طرح أسئلة قديمة حول الرقابة والمساءلة داخل القطاع الإنساني الدولي.

القضية التي باتت تعرف إعلامياً باسم “الجنس مقابل الإغاثة” انفجرت بعد اعتراف منظمة “أطباء بلا حدود” الفرنسية بوقوع انتهاكات جنسية ارتكبها عاملون ومتعاقدون مرتبطون بعملياتها الإنسانية، في واحدة من أخطر الفضائح التي تواجه المنظمات الدولية العاملة في أزمة السودان منذ اندلاع الحرب.

من الشكاوى إلى الاعتراف

بدأت القصة، وفق بيانات المنظمات المعنية، أواخر عام 2024 عندما تلقت جهات إنسانية تقارير من لاجئات سودانيات تحدثن عن تعرضهن للاستغلال والتحرش والاعتداء الجنسي على أيدي أشخاص مرتبطين بعمليات الإغاثة.

ومع اتساع التحقيقات، أعلنت “أطباء بلا حدود” فصل 18 موظفاً ومتعاقداً ومنع إعادة توظيفهم، بعد مراجعة عشرات البلاغات المتعلقة بسوء السلوك والانتهاكات الجنسية في مخيمات شرق تشاد التي تستضيف نحو 1.48 مليون لاجئ سوداني.

لكن الإعلان الذي كان يفترض أن يهدئ الغضب، فتح الباب أمام تساؤلات أكثر خطورة: كم عدد الضحايا الذين لم يبلغوا؟ وهل تمثل الحالات المكتشفة كل الحقيقة أم جزءاً صغيراً منها فقط؟

الغذاء مقابل الصمت

بحسب إفادات وتقارير حقوقية وإعلامية، تضمنت الاتهامات مقايضة الغذاء والمياه والحليب وفرص العمل بممارسات جنسية، مستغلة أوضاع نساء وفتيات فقدن منازلهن ومصادر دخلهن وشبكات الحماية الاجتماعية بسبب الحرب.

في مثل هذه البيئات، لا تكون العلاقة بين مقدم المساعدة والمستفيد علاقة متكافئة. فالحصول على كيس دقيق أو عبوة مياه قد يعني البقاء على قيد الحياة ليوم آخر. وعندما تتحول هذه الحاجة الأساسية إلى وسيلة ضغط أو ابتزاز، فإن الانتهاك يتجاوز حدود الجريمة الفردية ليصبح إساءة ممنهجة للسلطة.

وتقول منظمات حقوقية إن أخطر ما في القضية هو أن الضحايا كن من أكثر الفئات هشاشة؛ نساء وفتيات هربن من العنف المسلح ليواجهن شكلاً آخر من الاستغلال داخل أماكن يفترض أنها توفر الحماية.

أزمة ثقة تتجاوز منظمة واحدة

المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية اعتبرت أن ما جرى لا يقتصر على مخالفات فردية، بل يكشف عن اختلالات هيكلية داخل بيئات العمل الإغاثي في مناطق النزاع.

وأشارت إلى أن التوسع السريع للعمليات الإنسانية في شرق تشاد، والاعتماد على العمالة المؤقتة والتوظيف المحلي في ظل نقص التمويل، خلق ثغرات رقابية سمحت بحدوث الانتهاكات.

ويرى مراقبون أن الخطر الأكبر يتمثل في تآكل الثقة بين المجتمعات اللاجئة والمنظمات الإنسانية. فحين تفقد النساء الثقة في الجهات التي يفترض أن تحميهن، يصبح الإبلاغ عن الانتهاكات أكثر صعوبة، كما تتراجع فرص وصول المحتاجين إلى الخدمات الأساسية.

وتفيد تقارير ميدانية بأن بعض القيادات المجتمعية داخل المخيمات اضطرت إلى فرض قيود على حركة الفتيات خشية تعرضهن لمضايقات أو استغلال من بعض العاملين في المجال الإنساني.

تداعيات سياسية وإنسانية

لم تبق القضية داخل الأروقة الإنسانية فقط، بل امتدت إلى الساحة السياسية السودانية. ففي تطور لافت، أعلنت السلطات التابعة لتحالف تأسيس في نيالا تعليق أنشطة “أطباء بلا حدود” الفرنسية في مناطق سيطرتها، مطالبة بتحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين.

ويرى محللون أن القضية قد تؤثر على العلاقة بين المجتمعات المحلية والمنظمات الدولية، في وقت يعتمد فيه ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها على المساعدات الإنسانية للبقاء.

وتواجه وكالات الإغاثة أصلاً تحديات كبيرة مرتبطة بالتمويل والوصول الإنساني والأوضاع الأمنية، ما يجعل أي أزمة ثقة جديدة تهديداً مباشراً لفعالية الاستجابة الإنسانية.

ما بعد الفضيحة

رغم الترحيب بالإجراءات التأديبية التي اتخذتها المنظمة، تؤكد جهات حقوقية أن العقوبات الإدارية وحدها لا تكفي.

وتطالب منظمات معنية بحماية اللاجئين بإنشاء قنوات مستقلة وسرية لتلقي الشكاوى، وإشراك النساء وممثلي اللاجئين في آليات الرقابة، ونشر نتائج التحقيقات بشفافية، إضافة إلى إنشاء قواعد بيانات مشتركة تمنع انتقال المتورطين في الانتهاكات بين المنظمات المختلفة. كما تدعو إلى توفير دعم نفسي وقانوني طويل الأمد للضحايا، وضمان حصولهم على العدالة والتعويض.

اختبار أخلاقي للمنظومة الإنسانية

تكشف فضيحة “الجنس مقابل الإغاثة” عن معضلة تتجاوز حدود السودان وتشاد. فهي تضع المنظومة الإنسانية الدولية أمام اختبار أخلاقي صعب: كيف يمكن حماية الأشخاص الأكثر ضعفاً من الاستغلال داخل المؤسسات التي أنشئت أساساً لحمايتهم؟

بالنسبة للاجئات السودانيات اللواتي وجدن أنفسهن بين الحرب والنزوح والجوع، فإن القضية ليست مجرد فضيحة إدارية أو أزمة علاقات عامة. إنها معركة من أجل الكرامة الإنسانية، وامتحان حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على محاسبة من يستغلون السلطة في أكثر اللحظات هشاشة في حياة الضحايا.

وفي وقت تتواصل فيه الحرب السودانية وتزداد أعداد النازحين واللاجئين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستقود هذه الفضيحة إلى إصلاحات حقيقية داخل القطاع الإنساني، أم ستنضم إلى قائمة طويلة من الانتهاكات التي كُشف عنها ثم طواها النسيان؟