متحف أم مدرسة؟.. معركة السرايا في دنقلا تشعل غضب الخريجات وتفتح ملف العبث بالتعليم في الشمالية

دنقلا/ الغد السوداني – لم تكن صور مئات الطالبات وهن يؤدين امتحانات الشهادة السودانية داخل خيام نُصبت في ساحة مدرسة الشهيد كمال علي مختار “السرايا” مجرد مشهد عابر في موسم الامتحانات، بل تحولت إلى شرارة أزمة أشعلت نقاشاً واسعاً في الولاية الشمالية حول مستقبل واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية للبنات في السودان.

في قلب هذا الجدل يقف مبنى “السرايا” التاريخي، وهو معلم ارتبط لعقود طويلة بتاريخ التعليم في دنقلا. لكن المبنى نفسه أصبح اليوم محور خلاف محتدم بين جمعية خريجات المدرسة والسلطات الرسمية، وسط روايتين متناقضتين بشأن ما يجري داخل أسوار المؤسسة التعليمية.

منارة تعليمية تواجه أسئلة المصير

تضم مدرسة السرايا أكثر من 1200 طالبة، بعضهن يقمن في الداخليات التابعة لها، وتُعد من أبرز المدارس الثانوية للبنات في الولاية الشمالية.

وترى جمعية الخريجات أن المدرسة تواجه تهديداً حقيقياً لوظيفتها التعليمية بعد تنفيذ أعمال إنشائية داخل الموقع التاريخي، قالت إنها ترتبط بمشروع لإنشاء متحف ضمن فعاليات “دنقلا عاصمة الثقافة”. وبحسب الجمعية، لم تقتصر الإجراءات على أعمال ترميم أو صيانة، بل شملت فتح مداخل جديدة وإغلاق ممرات داخلية وإخلاء فصول دراسية ومكاتب للمعلمات، ما أدى – وفق روايتها – إلى تقليص المساحات المخصصة للتدريس.

وتقول الجمعية إن النتيجة ظهرت بوضوح خلال امتحانات الشهادة السودانية، حين اضطرت أكثر من 650 طالبة إلى أداء الامتحانات داخل خيام مؤقتة بدلاً من الفصول الدراسية.

صور الخيام تشعل الرأي العامطالبات مدرسة السرايا

تحولت صور الامتحانات داخل الخيام إلى قضية رأي عام في الشمالية وخارجها، خصوصاً بعد تداولها على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية.

وبينما رأى كثيرون في المشهد دليلاً على تراجع البيئة التعليمية، اعتبر آخرون أن القضية تتجاوز الخيام نفسها لتطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن التوفيق بين الحفاظ على المباني التراثية واستمرار دورها التعليمي؟

ومع تصاعد الجدل، دخلت منظمات مهنية وأجسام تعليمية على خط الأزمة، حيث جرى تداول انتقادات تتعلق بظروف الامتحانات ومدى ملاءمة البيئة التي جلست فيها الطالبات لأداء اختبارات مصيرية.

ذاكرة معركة قديمة

بالنسبة إلى خريجات المدرسة، لا تبدأ الأزمة الحالية في عام 2026. فالجمعية تستحضر أحداثاً تعود إلى عام 2013، عندما ظهرت – بحسب روايتها – محاولات لتقليص دور المدرسة وتجفيف الداخليات التابعة لها، قبل أن تنجح حملة مجتمعية في استعادتها وإبقائها مؤسسة تعليمية كاملة الوظائف.

ومنذ ذلك الوقت، ظلت الخريجات ينظرن إلى المدرسة باعتبارها رمزاً يجب الدفاع عنه، ليس فقط كمبنى تاريخي، بل كمساحة صنعت أجيالاً من النساء في الولاية الشمالية.

لذلك لم تتعامل الجمعية مع مشروع المتحف باعتباره مشروعاً ثقافياً عادياً، بل باعتباره خطوة قد تفتح الباب أمام تغيير تدريجي في طبيعة المؤسسة التعليمية.

مذكرة احتجاج وتحرك مجتمعي

في فبراير الماضي رفعت الجمعية مقترحات إلى السلطات المحلية دعت فيها إلى إنشاء متحف مستقل خارج حرم المدرسة، وقدرت تكلفته بنحو 200 مليون جنيه سوداني. لكن مع استمرار الأعمال داخل الموقع، انتقلت القضية إلى مرحلة أكثر تصعيداً.

وفي مايو 2026 وقعت أكثر من 220 شخصية عامة وقيادياً مجتمعياً وممثلي كيانات مدنية على مذكرة احتجاج طالبت بوقف الإجراءات الجارية داخل المدرسة، مؤكدة أن حماية المباني التاريخية لا تعني بالضرورة تغيير وظيفتها الأصلية.

وتستند الخريجات أيضاً إلى ظهور لافتات تحمل اسم “متحف السرايا – دنقلا” خلال فعالية رسمية مرتبطة باليوم العالمي للمتاحف، باعتبارها مؤشراً على وجود مشروع متحف فعلي داخل الموقع.

الرواية الرسمية: لا متحف ولا استيلاء

في المقابل، ترفض وزارة التربية والتعليم بالولاية الشمالية هذه الاتهامات بشكل قاطع.

ويقول المسؤولون إن ما يجري داخل المدرسة يندرج ضمن خطة لإعادة التأهيل والتطوير بعد الأضرار التي لحقت بالمبنى الخشبي القديم جراء خريف 2024.

وبحسب الوزارة، فإن التوجيهات الرسمية ركزت على إزالة الأجزاء المتضررة وإنشاء مرافق جديدة تشمل فصولاً ومكاتب وعنابر، بهدف تحويل المدرسة إلى مؤسسة تعليمية أكثر تطوراً، وليس إلى متحف. كما تنفي الوزارة أن تكون الخيام قد استُخدمت بسبب نقص الفصول، مؤكدة أنها كانت جزءاً من ترتيبات مؤقتة خلال فترة الامتحانات، وأن القاعات الدراسية كانت متاحة للطالبات.

بين التراث وحق التعليم

في جوهر الأزمة، يبدو أن الخلاف يتجاوز تفاصيل البناء والهدم أو عدد الفصول التي خرجت من الخدمة. فالقضية تعكس صراعاً مألوفاً في كثير من المدن التاريخية: كيف يمكن الحفاظ على التراث دون أن يكون ذلك على حساب الخدمات الأساسية؟

بالنسبة إلى الخريجات، فإن الأولوية يجب أن تبقى للتعليم، وأن أي مشروع ثقافي أو سياحي ينبغي أن يُقام خارج أسوار المدرسة.

أما السلطات، فتؤكد أن تطوير المبنى التاريخي لا يتعارض مع استمرار العملية التعليمية، وأن الحديث عن تحويل المدرسة إلى متحف لا يستند إلى قرارات رسمية.

معركة لم تنتهِ بعد

حتى الآن، لا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد للتراجع.

فالجمعية ماضية في إجراءاتها القانونية وتطالب بإثبات الحالة ومراجعة الأعمال المنفذة داخل الموقع، بينما تؤكد الجهات الرسمية استمرار خطط التأهيل والتطوير. وفي انتظار حسم الجدل، تبقى مدرسة السرايا أكثر من مجرد مبنى تاريخي أو مؤسسة تعليمية؛ إنها قصة مدينة كاملة تخشى أن تفقد جزءاً من ذاكرتها، فيما تخشى طالباتها أن يفقدن جزءاً من حقهن في بيئة تعليمية مستقرة.

وفي المسافة الفاصلة بين “المتحف” و”المدرسة”، تتواصل واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في الولاية الشمالية خلال الأشهر الأخيرة.