من النظام التشريعي ذي الغرفتين إلى الفيدرالية التنموية: إعادة تصور الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب 

إبراهيم البدوي

أكاديمي وخبير اقتصادي سوداني

ابراهيم البدوي يكتب ..

في مقالىَّ السابقين، (“نحو هندسة مؤسسية خلّاقة لبناء سلطة تشريعية لسودان ما بعد الحرب: هل نستلهم تجربة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة؟” و ” لماذا يحتاج السودان ما بعد الحرب إلى هيئة تشريعية ذات غرفتين لبناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية؟”)، جادلت بأن أقاليم السودان، شأنها شأن الولايات الأمريكية عند الاستقلال، تختلف اختلافاً كبيراً من حيث الحجم السكاني والجغرافيا والموارد الاقتصادية والخبرات التاريخية. فبعض الأقاليم كثيفة السكان، بينما يتميز بعضها الآخر باتساع رقعته الجغرافية مع قلة عدد سكانه. كما أن بعض الأقاليم هيمنت تاريخياً على الحياة السياسية الوطنية، في حين ظلت أقاليم أخرى تنظر إلى نفسها بوصفها مهمشة ومقصاة من مراكز صنع القرار. وقد تفاقمت هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة في ظل الانهيار الحاد لرأس المال الاجتماعي، وتصاعد السرديات الهوياتية الغرائزية التي غذّتها هذه الحرب الماحقة، فضلاً عن الانقسام الفعلي للجغرافيا السياسية والديموغرافية للبلاد بين سلطتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا. وأدى ذلك إلى تعميق مشاعر الريبة وانعدام الثقة بين الأقاليم والمكونات الاجتماعية المختلفة، وإلى تعزيز المخاوف من الإقصاء أو الهيمنة في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

عليه، فإن أي هيئة تشريعية تقوم حصراً على التمثيل السكاني من شأنها أن تسمح للأقاليم الأكبر وللمراكز الحضرية الكبرى بالهيمنة على عملية صنع القرار الوطني. وفي المقابل، فإن أي نظام يقوم حصراً على المساواة الإقليمية سيقوض الشرعية الديمقراطية من خلال منح نفوذ غير متناسب للأقاليم الأصغر حجماً. وتكمن عبقرية التسوية الدستورية الأمريكية في إدراكها أن كلا المبدأين يتمتع بقدر كبير من الشرعية. فمجلس النواب يجسد مبدأ السيادة الشعبية، بينما يجسد مجلس الشيوخ مبدأ المساواة بين الوحدات الإقليمية.

ويمثل ترتيب مؤسسي مماثل خياراً بالغ الأهمية بالنسبة للسودان في مرحلة ما بعد الحرب. فالنظام التشريعي ذي الغرفتين من شأنه أن يحقق توازناً بين مقتضيات التمثيل الديمقراطي ومتطلبات الشمول الإقليمي. فالغرفة الدنيا، القائمة على التمثيل السكاني، تجسد مبدأ السيادة الشعبية من خلال تمثيل المواطنين وفقاً لأوزانهم الديموغرافية، بينما تضمن الغرفة العليا، القائمة على التمثيل المتساوي للأقاليم بغض النظر عن أحجامها السكانية، مشاركة جميع الأقاليم على قدم المساواة في صنع القرارات الوطنية الكبرى، بما يبدد مخاوف التهميش أو الهيمنة ويعزز الثقة في النظام السياسي.

ولا يعني ذلك أن مثل هذا النظام سيقضي على الصراعات بصورة تلقائية، لكنه سيغير الحوافز التي تحكم المنافسة السياسية، بحيث يشجع بناء التحالفات والتفاوض والمساومات الدستورية بدلاً من التعبئة العسكرية واللجوء إلى العنف. وفي وقت أضعفت فيه الحرب والاستقطاب المترتب عليها مستويات الثقة بين الأقاليم والمجتمعات المختلفة، يوفر النظام التشريعي ذي الغرفتين آلية مؤسسية للمساهمة في إعادة بناء التماسك الوطني وتعزيز الثقة في المؤسسات العامة.

وعليه، فإن التحدي الدستوري الجوهري الذي يواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب لا يتمثل فقط في كيفية إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل أيضاً في كيفية تصميم نظام سياسي قادر على استعادة الثقة بين المكونات المتنوعة للمجتمع السوداني، وفي الوقت نفسه تمكين تحول اقتصادي واسع النطاق وشامل للجميع.

ومن هذا المنطلق، تبرز ثلاثة أسئلة أساسية سنناقشها في هذا المقال:

أولاً، إذا تم الاتفاق على تبني هيئة تشريعية ذات غرفتين، فلماذا ينبغي أن يستند التمثيل الإقليمي في الغرفة العليا إلى الأقاليم التاريخية الكبرى للسودان بدلاً من الهيكل الولائي القائم حالياً؟

ثانياً، لماذا ينبغي إعادة النظر في نظام الولايات الثماني عشرة، وربما إلغاؤه، من منظور تعزيز الأسس السياسية والاقتصادية للنظام الفيدرالي؟

ثالثاً، ما مدى أهمية المحليات في إطار هيكل إداري فيدرالي يكون أكثر قدرة على دعم التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة جهوياً على المدى الطويل؟

ويجادل هذا المقال بأن الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة تكمن في حزمة مؤسسية متكاملة تتكون من: هيئة تشريعية ذات غرفتين تستلهم المنطق الكامن وراء التسوية الدستورية الأمريكية؛ وهيكل فيدرالي يستند إلى الأقاليم التاريخية للسودان بدلاً من الولايات الحالية؛ واستبدال نظام الولايات القائم بحكومات محلية قوية تساهم فى بفعالية فى إنجاز مشروع “ممرات التنمية حول المدن المنتجة وريفها” القمين بتحديث الزراعة السودانية وربطها بقطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتعميق سلاسل القيمة وخلق فرص العمل. ومن شأن هذه الإصلاحات مجتمعة أن تساعد في تحويل السودان من “سوق سياسي” مجزأ ومفتت إلى دولة فيدرالية تنموية.

وتكتسب الإجابة على هذه الأسئلة أهمية قصوى، لأن فعالية أي نظام فيدرالي لا تعتمد فقط على كيفية توزيع السلطة، بل أيضاً على طبيعة الوحدات الإقليمية التي تمارس السلطة من خلالها.

لماذا ينبغي أن تحل الأقاليم التاريخية محل الولايات الثماني عشرة الحالية؟

يتعلق السؤال الأول بالوحدات الإقليمية التي يتم تمثيلها في الغرفة العليا. والإجابة، في تقديرنا، لا ينبغي أن تكون الولايات الثماني عشرة الحالية. فالنظام الولائي القائم نشأ، إلى حد كبير، نتيجة موجات متعاقبة من الهندسة السياسية أكثر مما نشأ استناداً إلى اعتبارات الجغرافيا الاقتصادية أو الكفاءة الإدارية أو الهوية التاريخية. ولا تزال العديد من الولايات تعتمد مالياً على التحويلات القادمة من المركز، كما تفتقر إلى الحجم الاقتصادي اللازم الذي يؤهلها للعمل كوحدات فيدرالية قابلة للحياة والاستمرار. وبدلاً من تعزيز النظام الفيدرالي، أدى التوسع في إنشاء الولايات، في كثير من الأحيان، إلى ترسيخ شبكات المحسوبية، وتضخم الجهاز البيروقراطي، وتشتيت القدرات الإدارية.

أما الأقاليم التاريخية ــ أو الأقاليم التاريخية مع ما قد تقتضيه ظروف وتطورات ما بعد الحرب من تعديلات محدودة ــ مثل دارفور، وكردفان، وشرق السودان، وشمال السودان، والنيل الأزرق، والإقليم الأوسط، والخرطوم بوصفها إقليماً اتحادياً للعاصمة القومية، فهي أكثر رسوخاً في تاريخ البلاد وثقافتها واقتصادها السياسي. كما أنها تتمتع بثقل سكاني وتنوع اقتصادي يؤهلانها لأن تكون وحدات حكم ذات ملاءة سياسية واقتصادية وقدرة مؤسسية أكبر على الاضطلاع بأدوارها الفيدرالية.

وتبرز البيانات الديموغرافية السابقة للحرب المنطق الذي يستند إليه هذا الطرح. فقد بلغ عدد سكان دارفور الكبرى نحو 13 مليون نسمة، أي ما يقارب 28% من سكان السودان. بينما استحوذ الإقليم الأوسط على نحو 20% من السكان، وشكلت الخرطوم حوالي 17%. أما كردفان الكبرى وشرق السودان، فقد ضم كل منهما ما بين 13% و14% من إجمالي السكان. في حين لم تتجاوز نسبة سكان الإقليم الشمالي 5% بقليل، بينما مثل إقليم النيل الأزرق نحو 2% فقط من السكان. وتكشف هذه الأرقام حقيقة مهمة، وهي أن اختلال التوازن السياسي في السودان لم يكن، في جوهره، اختلالاً ديموغرافياً، بل كان انعكاساً للتفاوت التنموى الجهوى وعدم التكافؤ في فرص الوصول إلى السلطة ومؤسسات الدولة.

ولا تقتصر الأهمية الدستورية لهذه الحقائق الديموغرافية على مسألة التمثيل وحدها. فالمساواة في تمثيل الأقاليم داخل الغرفة العليا من شأنها أن تضمن مشاركة جميع الأقاليم، على قدم المساواة، في اتخاذ القرارات الوطنية المصيرية التي ستحدد مستقبل السودان في مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك الإصلاح الدستوري، وإعادة هيكلة النظام الفيدرالي، وترتيبات تقاسم الموارد والثروة، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، وتنفيذ اتفاقات السلام. ومن ثم، فإن مجلس شيوخ اتحادي يتكون من ممثلين للأقاليم التاريخية سيكون أكثر قدرة على معالجة التوترات المزمنة بين المركز والأطراف، مع تجنب حالة التشظي الإداري التي رسخها نظام الولايات الثماني عشرة.

كما أن الأقاليم التاريخية تتمتع بفرص أكبر لاكتساب الشرعية السياسية. فهي تتوافق مع هويات جغرافية وتاريخية راسخة يدركها المواطنون السودانيون ويتفاعلون معها، وفي الوقت نفسه تبقى واسعة ومتنوعة بما يكفي للحيلولة دون هيمنة جماعة إثنية أو قبلية بعينها على إقليم كامل. ومن شأن ذلك أن يدفع الأحزاب والنخب السياسية إلى بناء تحالفات أوسع تتجاوز الانتماءات الإثنية والقبلية الضيقة، وأن يشجع المنافسة السياسية على أساس البرامج والرؤى المشتركة بدلاً من الارتكاز إلى الولاءات الأولية والهويات المحلية الضيقة.

لماذا ينبغي إلغاء نظام الولايات بالكامل؟

غير أن الدعوة إلى اعتماد الأقاليم التاريخية لا تعني بالضرورة الإبقاء على الولايات القائمة تحتها. فكما أبنا أعلاه، من المنظورين الإداري والاقتصادي على حد سواء، أصبح الهيكل الولائي الحالي يعاني من اختلالات متزايدة ويعجز بصورة متزايدة عن أداء وظائفه بكفاءة. لقد أفرز نظام الولايات الثماني عشرة جهازاً بيروقراطياً ضخماً يتسم بالازدواجية، والمحسوبية، وضعف الكفاءة المالية. فالحكام والوزارات والمجالس التشريعية والهياكل الإدارية المختلفة تستهلك موارد عامة شحيحة، بينما تحقق عوائد تنموية محدودة. والواقع أن المنطق السياسي الذي حكم إنشاء العديد من هذه الولايات لم يكن تحقيق التنمية، بل تعزيز السيطرة السياسية. ففي عهد نظام الإنقاذ البائد، أصبح التوسع في إنشاء الولايات جزءاً من استراتيجية أوسع لتكوين شبكات محسوبية محلية وتوسيع فرص توزيع المنافع السياسية. ونتيجة لذلك، اكتسب السودان طبقة حكومية وسيطة مرتفعة التكلفة، كثيراً ما أضعفت الحكم المحلي بدلاً من أن تعززه.

ولم تقتصر آثار هذا التقسيم الولائي على إضعاف الكفاءة الإدارية والاقتصادية، بل أسهم أيضاً في تحويل العديد من الولايات إلى بؤر للاستقطاب الإثني والجهوي والنزاعات الأهلية. فبدلاً من أن تشكل الولاية إطاراً جامعاً لإدارة التنوع وتعزيز المواطنة المشتركة، أصبحت في كثير من الحالات ساحة للتنافس بين النخب المحلية والقبلية حول النفوذ السياسي والموارد العامة والتحويلات المالية القادمة من المركز. ومع اتساع منطق المحاصصة والزبائنية السياسية، جرى توظيف الهويات القبلية والإثنية كأدوات للتعبئة السياسية وحشد الأنصار، الأمر الذي عمّق الانقسامات المجتمعية وأعاد إنتاج الصراعات المحلية داخل حدود الولايات نفسها. وهكذا تحولت بعض الولايات من وحدات إدارية يُفترض أن تسهم في الاستقرار والتنمية إلى فضاءات للصراع حول الريع والسلطة والهوية، بما أضعف النسيج الاجتماعي وأعاق بناء مؤسسات حكم محلية فاعلة وقادرة على إدارة التنوع بصورة سلمية (بحسب دراسة أعدها موقع الجزيرة نت عام 2022، شهدت 13 ولاية من أصل الولايات الثمانى عشر نزاعات دامية بين القبائل والكيانات الأثنية).

عليه، يتمثل البديل الأكثر فاعلية في إنشاء نظام حكم ثلاثي المستويات يتكون من: حكومة اتحادية؛ أقاليم تاريخية؛ وحكومات محلية قوية، حيث يجب تقليص عدد المحليات الحالية – حوالى 190 محلية – بدمج تلك التى ليست بها مدن كبيرة أو ملاءة اقتصادية. وفي ظل هذا النموذج، ستختفي الولايات الحالية بوصفها وحدات إدارية وسيطة. وتتضح مبررات إلغاء المستوى الولائي الوسيط بصورة أكبر عند النظر إليها من زاوية إعادة الإعمار الاقتصادي. فالهدف لا يتمثل فقط في تبسيط الهيكل الإداري، وإنما في إنشاء نظام فيدرالي يتوافق مع جغرافية الإنتاج والتنمية. وعليه، تصبح الوحدات الإدارية الأساسية هي البلديات والمحليات والسلطات الحضرية الكبرى المنظمة حول مراكز حضرية ذات أهمية اقتصادية حقيقية.

لماذا المدن المنتجة وممرات التنمية كأساس للفيدرالية التنموية؟

تزداد قوة المبررات الاقتصادية لإلغاء الولايات عند النظر إلى التحدي الذي تفرضه إعادة إعمار السودان بعد الحرب. فالهدف المركزي للتنمية في مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الأقاليم أو إعادة تنظيم الوحدات الإدارية، بل يجب أن يتمثل في تحقيق تحول هيكلي عميق للاقتصاد. ويتمثل جوهر استراتيجية إعادة الإعمار التي اقترحها في إنشاء ممرات تنموية تتمحور حول المدن المنتجة وأريافها.

وتقوم هذه الرؤية على فكرة بسيطة وواضحة. فالنمو الاقتصادي نادراً ما يحدث بصورة متجانسة عبر مختلف أنحاء البلاد. بل ينشأ عادة حول تجمعات للنشاط الإنتاجي تتفاعل فيها الموارد الزراعية والثروة الحيوانية مع البنية التحتية والأسواق والعمالة والتكنولوجيا والتمويل والمؤسسات، بما يولد عوائد متزايدة ونمواً تراكمياً مستداماً. ولذلك فإن تحقيق التنمية الناجحة يتطلب تعزيز أقطاب النمو الحضري وربطها بالاقتصادات الريفية المحيطة بها. وبدلاً من تنظيم التنمية على أساس حدود إدارية اعتباطية، ينبغي للسودان أن ينظم عملية التنمية حول أقاليم اقتصادية وظيفية حقيقية. فكل مدينة منتجة يمكن أن تصبح نواة لممر تنموي أوسع يدمج الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الزراعية التحويلية والتصنيع والخدمات اللوجستية والخدمات المختلفة والأنشطة التصديرية ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.

ومن شأن هذا النهج أن يحقق وفورات الحجم، ويحسن تخطيط البنية التحتية، ويعزز المساءلة المحلية، ويوجه الاستثمارات العامة نحو المناطق ذات الإمكانات الإنتاجية الأعلى. والأهم من ذلك أنه يستبدل الجغرافيا السياسية القائمة على المحسوبية والريع بجغرافيا اقتصادية قائمة على الإنتاج والتنمية.

الخاتمة: من السوق السياسي إلى الفيدرالية التنموية

تكمن الأهمية الحقيقية لهذه الإصلاحات في قدرتها على إحداث تحول جوهري في الاقتصاد السياسي السوداني. فعلى مدى عقود، ولا سيما خلال عهد الإنقاذ البائد، تمحورت المنافسة السياسية حول السيطرة على الدولة وتوزيع الريع والمنافع. وقد ازداد هذا المنطق رسوخاً خلال سنوات الحرب، مع تصاعد السرديات الإثنية والجهوية وتنامي الاستقطاب الذي غذّته وسائل التواصل الاجتماعي، مما حول العديد من المجتمعات المحلية إلى دوائر سياسية متنافسة.

غير أن نظاماً فيدرالياً قائماً على الأقاليم التاريخية، وهيئة تشريعية ذات غرفتين، وحكومات محلية قوية تتمحور حول المدن المنتجة، من شأنه أن يخلق حوافز سياسية واقتصادية مختلفة جذرياً. فالمساواة بين الأقاليم في الغرفة العليا تعزز الثقة والشراكة الوطنية، بينما يحافظ التمثيل السكاني في الغرفة الدنيا على الشرعية الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، تنقل الحكومات المحلية القوية محور التنافس السياسي من السعي وراء النفوذ والامتيازات إلى التنافس حول الإنجاز التنموي وتحسين حياة المواطنين.

وفي ظل هذا النموذج، سيصبح النجاح الاقتصادي معتمداً بصورة متزايدة على جذب الاستثمارات، وتوسيع الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة، بدلاً من الاعتماد على التحويلات المالية القادمة من المركز أو النفاذ إلى شبكات المحسوبية والريع. وبذلك تصبح الشرعية السياسية مرتبطة بالأداء التنموي والكفاءة المؤسسية أكثر من ارتباطها بالقدرة على توزيع المنافع السياسية.

إن السودان في مرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى أكثر من مجرد إعادة إعمار مادي؛ فهو بحاجة إلى تسوية دستورية واقتصادية جديدة تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والتنمية. وفي هذا السياق، تشكل الفيدرالية التنموية القائمة على الأقاليم التاريخية والمدن المنتجة إطاراً مؤسسياً متكاملاً يجمع بين الشمول السياسي والكفاءة الاقتصادية. وبذلك يمكن للسودان أن ينتقل من نموذج “السوق السياسي” القائم على توزيع الريع والمساومات قصيرة الأجل إلى نموذج “الفيدرالية التنموية”، حيث تصبح التنمية الاقتصادية، والشراكة الوطنية، والاستقرار المؤسسي ركائز متكاملة لبناء السلام وتحقيق النهضة الوطنية المنشودة.