
لماذا يحتاج السودان ما بعد الحرب إلى هيئة تشريعية ذات غرفتين لبناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية
قبل اعتماد الدستور الأمريكي عام 1787، كانت الولايات الأمريكية ترتبط فيما بينها فى إطار ترتيب كونفدرالي فضفاض بموجب مواد الاتحاد الكونفدرالي .(Articles of Confederation) ورغم أن هذه الولايات كانت موحدة بفضل الإرث المشترك لحرب الاستقلال الأمريكية، فإنها ظلت كيانات مجتمعية وسياسية مستقلة إلى حد كبير، تتسم بولاءات قوية لفضائها الولائى، بينما يغلب على علاقاتها البينية التنافس التجارى المحموم، والشكوك المتبادلة، والمخاوف من هيمنة الولايات الأكبر حجماً أو الأكثر نفوذاً. وكما أوضحنا في مقالنا السابق: “نحو هندسة “مؤسسية خلّاقة” لبناء سلطة تشريعية لسودان ما بعد الحرب: هل نستلهم تجربة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة؟”، فقد صُمِّمت التسوية الدستورية لعام 1787، التي أنشأت الهيئة التشريعية ذات الغرفتين، تحديداً لتحويل هذا المناخ من انعدام الثقة وعدم اليقين إلى إطار للتعاون، من خلال ضمان التمثيل لكلٍ من المواطنين والوحدات الإقليمية المكونة للاتحاد. فبحسب هذه الهندسة المؤسسية، يضمن مجلس النواب أن يكون للحجم السكاني وزن حقيقي في العملية السياسية. فالولايات الكبرى، مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس وفلوريدا وإلينوى، تتمتع بتمثيل أكبر لأنها تضم عدداً أكبر من المواطنين. وفي المقابل، يضمن مجلس الشيوخ (حيث تُمَثًّل كل ولاية بعضوين بالتساوى) ألا تتمكن الولايات الكبرى من تجاوز مصالح الولايات الصغيرة، مثل وايومنغ وفيرمونت وديلاوير، في القضايا ذات الأهمية الوطنية.
ويتمثل الدرس الأبرز للتسوية الدستورية الأمريكية في أن التصميم المؤسسي يمكن أن يساعد في تحويل العلاقات التي تحكمها المخاوف والتنافس وانعدام الثقة إلى ترتيبات تشجع التعاون والتفاوض والمنافسة السياسية السلمية. ويواجه السودان اليوم تحدياً مشابهاً في جوانب عديدة. فالحرب لم تقتصر آثارها على تدمير الاقتصاد وإضعاف مؤسسات الدولة، بل ألحقت أيضاً أضراراً جسيمة بالنسيج الاجتماعى الذى تقوم عليه الوحدة الوطنية. ولذلك فإن أي تسوية دستورية قابلة للحياة في مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن تعالج ليس فقط مسألة توزيع السلطة السياسية، بل أيضاً إعادة بناء الثقة بين أقاليم السودان ومكوناته الهوياتية المختلفة. عليه، في ظل هذه الظروف، فإن الغاية من تبني نظام اتحادي قائم على هيئة تشريعية ذات غرفتين لا تقتصر على مجرد توزيع السلطة السياسية، بل تمتد إلى بناء مؤسسات قادرة على تحويل الشكوك إلى تعاون، والتنافس إلى تفاوض، والشعور بعدم الأمان الإقليمي إلى شراكة دستورية داخل الدولة الوطنية.
وقبل مناقشة الآثار الدستورية لمثل هذا الترتيب، من المهم تقييم مدى ما أحدثته الحرب الحالية من تآكل لرأس المال الاجتماعي وتصاعد للاستقطاب الإثني والجهوي والقبلي. فقد عززت هذه التطورات المظالم التاريخية، وعمقت مشاعر الإقصاء والتهميش، وزادت من المخاوف المتعلقة بالهيمنة المستقبلية. وهي بالتحديد من شاكلة التحديات التي صُممت الأنظمة الفيدرالية ذات الغرفتين تاريخياً للمساعدة في احتوائها والتخفيف من آثارها في المجتمعات المنقسمة والخارجة من النزاعات.
التعبئة الحربية ووسائل التواصل الاجتماعي تمزقان النسيج الاجتماعي السوداني
أصبحت الحرب الأهلية السودانية تُخاض بصورة متزايدة ليس فقط من خلال المواجهة العسكرية المباشرة، بل أيضاً من خلال السردية الغرائزية من أجل تعبئة القواعد الشعبية الهوياتية المستهدفة. فقد عمدت الأطراف المسلحة، ورواد الأعمال السياسيون، والشبكات الإعلامية، والمؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي إلى توظيف الانتماءات الإثنية والجهوية والقبلية باعتبارها أدوات للتجنيد والحشد السياسي، بل وحتى لتبرير المشروع الحربى بحد ذاته كإستحقاق وطنى لا بديل عنه. وكانت النتيجة تحولاً خطيراً للصراع من حرب بين جيوش ومليشيات مسلحة إلى ما يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره صراعاً بين مجتمعات بشرية بأكملها.
وتشير دراسات حديثة إلى أن البيئة المعلوماتية في السودان تحولت إلى ما يشبه “ساحة معركة رقمية” تتسم بخطاب الكراهية، والتضليل الإعلامي، والمحتوى المحرض على العنف، والسرديات الموجهة جهوياً. كما أظهرت تحليلات محتوى وسائل التواصل الاجتماعي مستويات مرتفعة من خطاب الكراهية والتحريض على العنف المرتبط بالمناطق الأكثر تأثراً بالحرب مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق حالياً والجزيرة والخرطوم سابقاً.
وتعمل هذه العملية من خلال ثلاث آليات مترابطة ومتبادلة التعزيز.
أولاً، تسهم التعبئة الحربية بصورة متزايدة في إضفاء الطابع الجماعي على مسؤولية العنف والإنتهاكات المرتبطة به. فالفاصل بين الأطراف المسلحة والمجتمعات التي تدّعي تمثيلها يصبح أكثر ضبابية، مما يؤدي إلى تصوير جماعات إثنية أو جهوية أو قبلية بأكملها باعتبارها مسؤولة جماعياً عن أفعال تنظيمات عسكرية بعينها. وبهذا يعاد تعريف المنافسة السياسية والعسكرية باعتبارها صراعاً بين هويات اجتماعية، لا بين تنظيمات مسلحة أو قوى سياسية أو رؤى وبرامج متنافسة. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذه الديناميكية من خلال تطبيع السرديات التي تصف مجتمعات بأكملها بأنها متعاونة مع العدو أو خائنة أو حاضنة للعنف أو معادية للوطن. وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمات الرصد الدولية مراراً من تصاعد التحريض الإثني وخطاب الكراهية والسرديات التي تنزع الإنسانية عن الجماعات الأخرى. ومع تحول اللوم الجماعي إلى أمر اعتيادي، تتحول الانتماءات الإثنية والجهوية إلى هويات سياسية صلبة، الأمر الذي يضعف الشعور بالمواطنة المشتركة والانتماء الوطني الجامع.
ثانياً، تعمل منصات التواصل الاجتماعي على تضخيم الاستقطاب من خلال الخوارزميات وهياكل الحوافز التي تقوم عليها. فالأبحاث المتعلقة بالنزاع السوداني تصف هذه المنصات بصورة متزايدة باعتبارها قنوات للحشد السياسي وفي الوقت نفسه نواقل للتضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والمحتوى المحرض على العنف. وتميل الخوارزميات إلى السرديات الغرائزية، ولا سيما ذات المحتوى القائم على الخوف والغضب والاستياء وسرديات المظلومية. ونتيجة لذلك تنتشر الرسائل التي تؤكد الخيانة أو التهديدات الوجودية أو المظالم الجماعية بسرعة أكبر من الرسائل التي تدعو إلى التعايش أو التسوية أو المصالحة. وهكذا تتحول الخلافات السياسية إلى منظومات معلوماتية متوازية ومتعاضدة، تتعرض فيها المجتمعات بصورة متزايدة إلى روايات تؤكد مخاوفها وأحكامها المسبقة، بينما تحد من تعرضها لوجهات النظر البديلة.
ثالثاً، شجعت الحرب على ظهور ما يمكن تسميته بـ”القبلية الرقمية”. فقد أصبحت المجتمعات الافتراضية تتنظم بصورة متزايدة حول هويات إثنية أو جهوية أو قبلية أو سياسية، مما يؤدي إلى خلق فضاءات رقمية تعزز التضامن داخل الجماعة الواحدة، وفي الوقت نفسه تعمق الشكوك تجاه الجماعات الأخرى. وبلغة نظرية رأس المال الاجتماعي، فإن هذه المنصات تعزز رأس المال الاجتماعي الترابطي (Bonding Social Capital) داخل المجموعات الهوياتية، لكنها تضعف رأس المال الاجتماعي التجسيري (Bridging Social Capital) العابر للهويات ما دون القومية – الجهوية والإثنية. كما يتم استغلال هذه الديناميات بصورة متزايدة من قبل معسكر الحرب – المتمثل فى شبكات الدعاية المنظمة ورواد الأعمال السياسيون والمؤثرون الإعلاميون والمنصات الحزبية – من خلال تعبئة الولاءات والهوياتية والانتماءات الضيقة، بدلاً من تقديم برامج جادة للحكم الرشيد أو بناء السلام أو التنمية. والنتيجة هي ظهور ما يمكن وصفه بسوق للهويات السياسية بوساطة رقمية، تصبح فيه المنافسة السياسية قائمة بدرجة أقل على الأفكار والسياسات، وبدرجة أكبر على التعبئة الغرائزية الإثنية والجهوية والقبلية.
وتؤدي هذه العمليات مجتمعة إلى تآكل عميق في راس المال الاجتماعى والثقة المجتمعية الأفقية، العابرة للإنتماءات الهوياتية الضيقة. فبدلاً من تعزيز التضامن الوطني، تؤدي التفاعلات الرقمية بصورة متزايدة إلى ترسيخ الانقسام والشكوك المتبادلة وسرديات المظلومية المتنافسة. وفي بلد يعاني أصلاً من تاريخ طويل من التوترات بين المركز والأطراف، والتنمية غير المتوازنة، والمظالم غير المعالجة، كثيراً ما تعيد وسائل التواصل الاجتماعي إحياء الانقسامات التاريخية وتقديمها في صورة مبسطة ومشحونة عاطفياً. وتكون النتيجة بناء سرديات هوياتية عرائزية متنافسة وفهماً متعارضاً ومتبادلاً للإقصاء بشأن طبيعة الصراع وأسبابه ومسؤولياته.
الديموغرافيا الإقليمية والتمثيل السياسي ومخاوف الهيمنة
باستخدام الإسقاطات السكانية الرسمية للولايات السودانية لعام 2018 (وهي خط الأساس الديموغرافي المعتمد قبل اندلاع حرب أبريل 2023 مباشرة)، يمكن إعادة تجميع سكان السودان وفق أقاليمه التاريخية التقليدية على النحو الآتي. وإذا ما عاد السودان إلى نموذج الأقاليم الستة التاريخية (أو صيغ معدلة منه) الذي يطرح كثيراً في مقترحات الإصلاح الفيدرالي، فإن التوازن الديموغرافي سيكون لافتاً للنظر:
إقليم دارفور الكبرى (شمال دارفور، جنوب دارفور، شرق دارفور، وسط دارفور، غرب دارفور) سيكون أكبر الأقاليم، إذ يستحوذ على نحو 28% من إجمالي السكان.
الإقليم الأوسط الكبير (الجزيرة والنيل الأبيض وسنار) سيأتي في المرتبة الثانية بحوالي 20% من مجموع السكان.
إقليم الخرطوم الكبرى سيحل فى المرتبة الثالثة بنسبة 17% من السكان، بما يعكس وضعه الفريد بوصفه يضم العاصمة القومية والمركز الحضري والاقتصادي الرئيسي للبلاد.
إقليم شرق السودان الكبير (كسلا، القضارف، البحر الأحمر) وإقليم كردفان الكبرى (شمال كردفان، جنوب كردفان، غرب كردفان) سيكونان متقاربين جداً من حيث الحجم السكاني، إذ تمثل كردفان 14% والشرقى 13% من إجمالي السكان.
الإقليم الشمالي الكبير (الولاية الشمالية ونهر النيل)، لا يمثل سوى نحو 5% من سكان البلاد.
أما إقليم النيل الأزرق فهو الأصغر حجماً، إذ يبلغ عدد سكانه نحو 1.1 مليون نسمة، أي ما يعادل 2.4% فقط من إجمالي السكان.
وتترتب على هذا التوزيع السكاني الإقليمي عدة نتائج سياسية مهمة. فأولاً، سيهيمن إقليما دارفور الكبرى والإقليم الأوسط الكبير على التمثيل الديمقراطي المباشر، إذ يشكلان معاً ما يقرب من نصف سكان البلاد. وثانياً، فإن الخرطوم الكبرى، باعتبارها مدينة كبرى يقطنها مواطنون من مختلف أنحاء السودان، تتيح إمكانية تصميم دستوري يجعلها إقليماً اتحادياً للعاصمة القومية، على غرار أبوجا في نيجيريا أوأديس أبابا في إثيوبيا. ثانياً، من الاعتبارات السياسية المهمة أيضاً أن دارفور الكبرى وكردفان الكبرى تمثلان معاً ما يقارب 42% من سكان السودان، مما يجعل غرب السودان أكبر كتلة ديموغرافية في البلاد. وفي المقابل، فإن الإقليم الشمالي يحظى بتمثيل ديمقراطي محدود نسبياً، رغم ما تمتع به تاريخياً من حضور يفوق وزنه السكاني داخل النخب السياسية والعسكرية والبيروقراطية للدولة. ثالثاً، ثمة اعتبار سياسي أكثر أهمية يتمثل في النظر إلى أقاليم غرب السودان وشرق السودان والنيل الأزرق بوصفها كتلة جغرافية وسياسية أوسع، إذ تمثل هذه الأقاليم ما يقارب 60% من سكان البلاد. وتكمن أهمية هذه الأقاليم في أنها شكلت تاريخياً المراكز الرئيسية لحركات التمرد المسلح ضد الدولة المركزية، حيث وفرت سرديات التهميش الاقتصادي والسياسي أساساً قوياً للتعبئة والحشد السياسي والعسكري.
وبالطبع، فإن هذا الطرح لا يخلو من الجدل. فهناك من يرى أن السودان بأكمله يعاني من التخلف التنموي، وأن التهميش مسألة نسبية تختلف درجتها من منطقة إلى أخرى، وليست ظاهرة مطلقة يمكن قياسها بصورة قطعية. ومع ذلك، فإن الهيمنة التاريخية للنخب النيلية الشمالية على مؤسسات الدولة، إلى جانب المزايا التنموية النسبية التي يتمتع بها الإقليم الأوسط، تضفي قدراً من المصداقية على سردية التهميش التي تتبناها الأقاليم الغربية والشرقية ذات الكثافة السكانية العالية. وفي الوقت نفسه، تثير هذه المعطيات مخاوف مشروعة لدى النخب النيلية الشمالية من احتمال التعرض لهيمنة ديموغرافية مستقبلية، خاصة في ظل الانهيار الحاد لرأس المال الاجتماعي الذي خلفته الحرب، وانقسام الجغرافيا السياسية والديموغرافية فى البلاد بين سلطتى الأمر الواقع فى بورتسودان ونيالا.
وتماثل هذه الحقائق الديموغرافية حالة المعضلة الدستورية التي واجهها واضعو الدستور الأمريكي. فلو تم تصميم السلطة التشريعية على أساس التمثيل السكاني وحده (مجلس النواب)، لهيمنت دارفور والإقليم الأوسط على عملية التمثيل الديمقراطي. وفي المقابل، فإن أي نظام يقوم حصرياً على المساواة بين الأقاليم بغض النظر عن أحجامها السكانية (مجلس الشيوخ) سيؤدي إلى تمثيل أقل من الحجم الحقيقي للكتل السكانية الكبرى في البلاد. لهذا يتيح النظام التشريعي ذي الغرفتين التوفيق بين هذين المبدأين المتنافسين، من خلال الجمع بين التمثيل السكاني في إحدى الغرفتين والتمثيل الإقليمي في الغرفة الأخرى.
ولا تقتصر أهمية الغرفة العليا (مجلس الشيوخ) على تحقيق التوازن بين الأقاليم الكبيرة والصغيرة، بل تمتد إلى ضمان المشاركة المتساوية لجميع الأقاليم في اتخاذ القرارات المصيرية التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب. فالقضايا المرتبطة بإعادة بناء الدولة، وصياغة الدستور الدائم، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وتقاسم الموارد والثروة، وترتيبات الحكم الفيدرالي، والعدالة الانتقالية، والسلام المستدام، هي قضايا تمس مستقبل البلاد بأكملها، ولا ينبغي أن تخضع حصراً لمنطق الأغلبية السكانية. ومن خلال منح كل إقليم تمثيلاً متساوياً في الغرفة العليا، يشعر سكان جميع الأقاليم بأن لهم صوتاً مؤثراً في القرارات الوطنية الكبرى، الأمر الذي يعزز الثقة المتبادلة، ويحد من مخاوف الهيمنة، ويحول دون شعور أي إقليم بأنه مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليه من قبل الأقاليم الأكثر سكاناً.
الخاتمة: النظام التشريعي ذي الغرفتين كأداة لإعادة بناء الثقة
إن الدعوة إلى تبني هيئة تشريعية ذات غرفتين في السودان ما بعد الحرب ليست مجرد قضية دستورية أو إدارية، بل هي في جوهرها استجابة لأزمة ثقة عميقة. فقد أدت سنوات الحرب والنزوح والتعبئة القائمة على الهويات الضيقة والاستقطاب الذي غذته وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعميق الانقسامات الجهوية والإثنية، وإضعاف الأسس التي تقوم عليها الوحدة الوطنية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن أي نظام سياسي يقوم حصرياً على حكم الأغلبية العددية قد يؤدي إلى تعزيز مخاوف الهيمنة لدى الأقاليم الأصغر. وفي المقابل، فإن أي ترتيب يتجاهل الحقائق الديموغرافية للبلاد سيفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، مما يعيد إنتاج سردية التهميش وتبعاتها التاريخية. ومن هنا تبرز أهمية النظام التشريعي ذي الغرفتين باعتباره إطاراً مؤسسياً يوفق بين مقتضيات الشرعية الديمقراطية القائمة على الوزن السكاني، ومتطلبات الشراكة الوطنية القائمة على المساواة بين الأقاليم في القضايا المصيرية.
وكما نجحت التسوية الدستورية الأمريكية في تحويل بيئة اتسمت بالتنافس بين الولايات والشكوك المتبادلة إلى إطار للتعاون والتوافق، فإن تبني نظام فيدرالي قائم على هيئة تشريعية ذات غرفتين يمكن أن يساعد السودان على الانتقال من سياسة تقوم على الخوف والإقصاء إلى سياسة تقوم على التفاوض والتسويات والشراكة الوطنية. ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى النظام التشريعي ذي الغرفتين ليس باعتباره مجرد هيكل تنظيمي للعملية التشريعية، بل بوصفه أداة لإعادة بناء الثقة في مرحلة ما بعد الحرب، وآلية للمساهمة في إعادة بناء الدولة والأمة معاً.
وعليه، فإن التحدي الدستوري الجوهري الذي يواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب لا يتمثل فقط في كيفية إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل أيضاً في كيفية تصميم نظام سياسي قادر على إعادة بناء الثقة بين مكونات البلاد المختلفة، وفي الوقت نفسه تمكين تحول اقتصادي واسع النطاق وشامل للجميع. ومن هذا المنطلق، تبرز ثلاثة أسئلة أساسية: نستعرضها فى المقال القادم، بإذن الله:
أولاً، تأسيساً على التوافق على نظام الغرفتين، لماذا يجب أن يستند التمثيل الأقليمى (الغرفة الأعلى) إلى الأقاليم التاريخية الكبرى؟
ثانياً، لماذ يجب النظر فى إلغاء نظام الولايات الثمانى عشر من وجهة نظر تعزيز متانة النظام الفيدرالى السياسية والاقتصادية؟
ثالثاً، ما مدى أهمية المحليات فى إطار الهيكل الإداري الفيدرالى الأكثر ملاءمة لدعم التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل؟
