المخدرات السرطان الذي يزحف نحو الشمالية
ابراهيم سالكا بكتب...
ليس أخطر على المجتمعات من عدو يتسلل إليها متخفيا في هيئة متعة عابرة ثم يتحول إلى لعنة مقيمة تلتهم العقول والأجساد والبيوت كما تلتهم النار الهشيم. وليس هناك ما يهدد حاضر الأمم ومستقبلها اليوم مثل المخدرات ذلك السرطان الخبيث الذي لا يكتفي بقتل فرد واحد بل يشرع في تدمير أسرة كاملة ثم يمتد إلى مجتمع بأسره حتى يفرغه من قوته وحيويته وقدرته على النهوض.
لقد سمعت قبل أيام عن مبادرة كريمة قام بها نفر من أبناء المنطقة الذين أقلقهم ما يرونه وما يسمعونه من مؤشرات مقلقة حول انتشار هذه الآفة فاجتمعوا وتحاوروا وتشاوروا بحثا عن مخرج قبل أن يتفاقم الخطر ويصبح علاجه أكثر صعوبة. وهؤلاء يستحقون كل الثناء لأنهم أدركوا أن المجتمعات لا تسقط فجأة وإنما تبدأ بالسقوط حين يتعود الناس على رؤية الخطر ثم يتعايشون معه حتى يصبح جزءا من المشهد اليومي.
إن المخدرات ليست مجرد حبوب أو مساحيق أو مواد يتعاطاها بعض الشباب كما يظن البعض. المخدرات مشروع هدم كامل. مشروع يستهدف العقل قبل الجسد ويستهدف الإرادة قبل المال ويستهدف الأسرة قبل الفرد. هي حرب صامتة لا تسمع فيها أزيز الرصاص ولا ترى فيها الدبابات لكنها أشد فتكا من كثير من الحروب لأنها تدمر الإنسان من الداخل وتجعله يشهد انهياره ببطء وهو عاجز عن المقاومة.
كم من شاب كان ملء السمع والبصر بين أهله أصبح بعد التعاطي شبحا هائما لا يعرف لنفسه هدفا ولا يملك من أمره شيئا. كم من طالب كان يرجى له التفوق ضاع مستقبله في جلسة تعاطي عابرة. كم من أسرة باعت ممتلكاتها لتنقذ ابنا أدمن المخدرات. كم من أم جفت دموعها وهي تراقب فلذة كبدها ينحدر يوما بعد يوم نحو الهاوية. وكم من أب انكسر ظهره حسرة وهو يرى سنوات عمره تضيع أمام عينيه دون أن يستطيع إيقاف النزيف.
إن المخدرات لا تدخل المجتمع من الباب الكبير بل تبدأ بخطوات صغيرة جدا. تبدأ بصديق سوء يزين التجربة. تبدأ بفضول عابر. تبدأ بمزحة ثقيلة. تبدأ بجلسة يظن صاحبها أنها لن تتكرر. ثم تتحول التجربة إلى عادة والعادة إلى إدمان والإدمان إلى سجن مغلق لا يكاد يخرج منه إلا من رحم الله.
وما يخيف حقا أن هذه الآفة لا تعرف حدودا ولا تفرق بين غني وفقير ولا بين متعلم وأمي ولا بين كبير وصغير. إنها تبحث عن الثغرات وتستغل لحظات الضعف وتقتات على الفراغ واليأس والتفكك الاجتماعي. وكلما تأخر المجتمع في مواجهتها ازدادت شراسة وانتشارا.
إن الأمم لا تهزم دائما بالسلاح. هناك أمم هزمتها المخدرات قبل أن يهزمها أعداؤها. وهناك مجتمعات كانت عامرة بالشباب والقوة ثم تحولت إلى أجساد منهكة وعقول غائبة بسبب هذا البلاء. وما من قوة استعمارية أو عصابة إجرامية أو شبكة فساد إلا وأدركت أن أقصر الطرق لإضعاف المجتمعات هو إغراق شبابها في الإدمان حتى يصبحوا عاجزين عن الإنتاج والتفكير والبناء.
ولذلك فإن المخدرات ليست قضية فردية تخص أسرة بعينها ولا مشكلة تخص المتعاطين وحدهم. إنها قضية أمن اجتماعي وقضية بقاء وقضية مستقبل. لأن الشاب الذي يسقط اليوم قد يجر معه غدا إخوته وأصدقاءه وأبناء حيه. والنار إذا تركت في بدايتها أمكن إخمادها أما إذا تمددت فإنها تأتي على الأخضر واليابس.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو الصمت. الصمت هو الحليف الأول للمخدرات. والتستر هو الممر الآمن الذي تعبر منه إلى داخل البيوت. والتقليل من حجم المشكلة هو الهدية المجانية التي نقدمها لتجار السموم. فكل مجتمع يخشى مواجهة الحقيقة يحكم على نفسه بأن يواجه نتائجها لاحقا بصورة أشد قسوة.
نحتاج إلى مواجهة شجاعة وصريحة. نحتاج إلى أن تتحدث الأسر مع أبنائها بلا خوف. نحتاج إلى أن يدرك الآباء والأمهات أن المتابعة ليست تضييقا بل حماية. نحتاج إلى أن تتحول المدارس والمساجد والمنتديات ووسائل التواصل إلى منصات توعية مستمرة. نحتاج إلى أن يعرف كل شاب أن المخدرات لا تمنحه الحرية كما يروج المروجون بل تسلبه حريته وتسلمه مقيدا إلى العبودية.
ويجب أن يعلم الجميع أن تاجر المخدرات ليس تاجرا عاديا بل هو تاجر موت يقتات على أحلام الناس ويجمع ثروته من دموع الأمهات وانكسار الآباء وضياع الأبناء. إنه لا يبيع سلعة وإنما يبيع مستقبلا كاملا مقابل حفنة من المال. ولذلك فإن التساهل معه أو التستر عليه أو الصمت عن نشاطه خيانة للمجتمع كله.
إن الشمالية التي عرفت عبر تاريخها بالعلم والوعي والتكافل والتراحم تقف اليوم أمام امتحان حقيقي. فإما أن تتكاتف لحماية أبنائها وإما أن تترك الباب مواربا لهذا السرطان حتى يتمدد في الجسد كله. وما زال الوقت متاحا وما زالت الفرصة قائمة وما زالت الغالبية العظمى من شبابنا بخير ولكن الخطر لا يواجه بالأمنيات بل بالفعل والعمل واليقظة.
فلننتبه قبل أن يتحول الهمس إلى ظاهرة والظاهرة إلى كارثة والكارثة إلى واقع يصعب تغييره. ولنعلم أن المخدرات حين تدخل مجتمعا لا تستأذن أحدا وحين تتمكن لا ترحم أحدا. إنها السرطان الذي إذا أهمل انتشر وإذا سكت عنه استفحل وإذا لم يواجه بحزم ووعي وعلاج ومتابعة فإنه يلتهم سنوات طويلة من عمر المجتمعات ويترك وراءه جيلا مثخنا بالجراح وأسرًا مكلومة وأحلاما مدفونة تحت ركام الندم.
حفظ الله أبناءنا وبناتنا وحفظ مجتمعاتنا من هذا البلاء وجعل الوعي سلاحنا واليقظة درعنا والتكاتف سبيلنا حتى تبقى أرضنا عامرة بأهلها وشبابها وقيمها ومستقبلها
