
رهان السودان على الصين.. كيف تحولت الزراعة إلى آخر خطوط الدفاع عن الجنيه المنهار؟
تقرير، الغد السوداني – في الوقت الذي يخوض فيه السودان واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والنقدية في تاريخه الحديث، تبدو بكين وكأنها تتحول تدريجياً إلى محطة اقتصادية حاسمة في معركة إنقاذ الاقتصاد السوداني. وبينما تستمر الحرب في استنزاف البنية الإنتاجية واحتياطات النقد الأجنبي، تفتح المباحثات الجارية بين البنك الزراعي السوداني وصندوق التنمية الصيني–الإفريقي أسئلة أكبر من مجرد تمويل مشاريع زراعية؛ إذ تتعلق هذه المرة بمصير الجنيه السوداني نفسه.
فهل يمكن أن تصبح الصين بوابة التعافي الاقتصادي الجديدة؟ أم أن السودان يعيد إنتاج رهاناته القديمة في ظروف أكثر تعقيداً؟
لماذا بكين الآن؟
لم تأتِ المباحثات الجارية في العاصمة الصينية في توقيت عادي. فالاقتصاد السوداني يعيش ضغوطاً مركبة؛ انهيار في الإنتاج، تقلص الإيرادات، تراجع الصادرات، اتساع السوق الموازية، وانكماش قدرة الدولة على تمويل إعادة الإعمار.
داخل هذه المعادلة، تبدو الزراعة تقريباً القطاع الوحيد القادر نظرياً على إنتاج تدفقات نقد أجنبي كبيرة خلال فترة زمنية معقولة.
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عوض الله موسى لـ”الغد السوداني” إن التوقيت الحالي يجعل هذه الخطوة “الأكثر واقعية”، لأن إعادة بناء الاقتصاد السوداني لا يمكن أن تبدأ من القطاعات الخدمية أو الريعية، بل من القطاعات القادرة على إنتاج قيمة مضافة حقيقية.
ويرى موسى أن الميزة النسبية الحقيقية للسودان لا تزال تتمثل في الزراعة والتصنيع الغذائي، معتبراً أن التمويل القادم نحو هذه القطاعات يمكن أن يحرك عجلة الاقتصاد بصورة أسرع مقارنة بقطاعات أخرى تحتاج لسنوات طويلة من إعادة البناء.
الاتجاه شرقاً.. خيار اقتصادي أم اضطرار سياسي؟
منذ سنوات طويلة ظل شعار “الاتجاه شرقاً” حاضراً في الخطاب الاقتصادي السوداني، لكنه يعود اليوم بصورة مختلفة.
فالعلاقات الاقتصادية السابقة بين السودان والصين، خصوصاً في قطاع النفط، خلقت لدى صناع القرار قناعة بأن بكين تظل شريكاً قادراً على العمل في البيئات عالية المخاطر مقارنة بالمؤسسات الغربية التقليدية.
ويشير موسى إلى أن التجربة النفطية السابقة أظهرت أن الصين تتميز بسرعة التنفيذ والعملية في إدارة المشاريع، موضحاً أن معرفة الطرفين المتبادلة بقدرات بعضهما تقلل كثيراً من الزمن المطلوب لبدء مشاريع جديدة.
لكن هذا التحول لا يخلو من التساؤلات.
فالاقتصاد السوداني اليوم أكثر هشاشة، والبنية التحتية تعرضت لأضرار واسعة، بينما تواجه المؤسسات الحكومية تحديات كبيرة في توفير الضمانات التي يطلبها المستثمرون.
معضلة الضمانات.. كيف يمكن تمويل بلد يعيش الحرب؟
السؤال الأكثر تعقيداً لا يتعلق بالرغبة الصينية، بل بقدرة السودان على بناء صيغ تمويل مقبولة.
الخبير الاقتصادي محمد نور كرم الله كركساوي يرى في حديثة لـ”الغد السوداني” أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص التمويل، وإنما في تصميم آليات تقلل المخاطر.
وبحسب كركساوي، فإن الضمانات التقليدية لم تعد كافية في البيئة الحالية، ما يفرض اللجوء إلى أدوات أكثر مرونة تشمل: الضمانات السيادية الجزئية، ربط التمويل بعوائد المشاريع التصديرية، رهن الأصول الإنتاجية، إنشاء حسابات ضمان خارجية، توسيع الشراكات الاستثمارية القائمة على تقاسم الأرباح بدلاً من القروض.
ويعتقد أن هذه الصيغ قد تقلل المخاطر على المستثمرين وفي الوقت نفسه تمنع تضخم المديونية الحكومية.
الحرب الخفية على الجنيه
بعيداً عن المؤشرات النقدية، يخوض الجنيه السوداني حرباً أكثر تعقيداً. فالمشكلة ليست فقط في انخفاض المعروض من العملات الأجنبية، بل في ضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج الدولار.
وهنا تظهر المفارقة.
يمتلك السودان ملايين الأفدنة الزراعية وموارد مائية ضخمة وثروة حيوانية كبيرة، لكنه ما يزال يعتمد بصورة واسعة على تصدير المواد الخام.
هذا النموذج، بحسب الخبراء، يمثل أحد الأسباب الرئيسية لاختلال الميزان التجاري.
فطن القطن الخام يحقق عائداً أقل بكثير من الملابس الجاهزة. وكميات السمسم الخام تدر عوائد أقل من الزيوت المصنعة. والماشية الحية تحقق إيرادات أقل من تصدير اللحوم المصنعة والمبردة. لذلك، فإن الرهان الجديد لا يركز فقط على الزراعة، بل على التصنيع الزراعي.
ماذا تريد الصين من السودان؟
لا يتعلق الأمر بالتمويل فقط.
فوفقاً للخبراء، تستطيع الصين تقديم ما هو أكثر أهمية: تقنيات الري الذكي، الميكنة الزراعية، أنظمة التخزين الحديثة، مصانع التعبئة والتغليف، تكنولوجيا التصنيع الغذائي، تطوير سلاسل القيمة الزراعية.
ويقول كركساوي إن إدخال هذه التقنيات يمكن أن يغير شكل الاقتصاد السوداني بالكامل، عبر نقل البلاد من تصدير المواد الخام إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة.
هل يستطيع السودان أن يصبح منصة غذاء إقليمية؟
يطرح بعض الاقتصاديين سيناريو أكثر طموحاً.
فإذا توافرت الاستثمارات والتكنولوجيا والاستقرار، يمكن للسودان نظرياً أن يتحول إلى منصة إقليمية لإمداد الأسواق العربية والإفريقية بالغذاء.
المحاصيل المرشحة لهذا التحول تشمل: “القمح، الذرة الرفيعة، الدخن، السمسم، الفول السوداني، القطن، الصمغ العربي، زهرة الشمس، إلى جانب قطاع الثروة الحيوانية والصناعات المرتبطة به”.
لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبات كبيرة.
فالطرق، والكهرباء، والموانئ، والتمويل المحلي، والاستقرار الأمني، كلها عناصر حاسمة قد تحدد نجاح المشروع أو فشله.
متى يشعر المواطن بتحسن الجنيه؟
بحسب التقديرات الاقتصادية، فإن أثر هذه الاستثمارات – إذا تحولت إلى مشاريع حقيقية – لن يكون فورياً.
في المدى القصير: قد يؤدي دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى تخفيف الضغط على سوق النقد.
في المدى المتوسط: قد ترتفع حصائل الصادرات ويتحسن الميزان التجاري.
في المدى الطويل: يمكن أن ترتفع معدلات التشغيل والإنتاج والإيرادات الحكومية بصورة مستدامة.
لكن الخبراء يجمعون على أن الاستثمار وحده لن يكفي.
فاستقرار سعر الصرف يحتاج أيضاً إلى: استقرار أمني، ضبط السياسات المالية، إصلاح السياسة النقدية، مكافحة التهريب، وقف تسرب حصائل الصادر.
هل تمثل بكين نصف الحل فقط؟
تكشف المباحثات الجارية في الصين عن حقيقة اقتصادية واضحة: السودان لا يفتقر إلى الموارد بقدر ما يفتقر إلى البيئة القادرة على تحويل الموارد إلى إنتاج.
فحتى لو نجحت الخرطوم في بناء شراكات ضخمة مع الصناديق الصينية، فإن نجاح هذه الرهانات سيظل مرتبطاً بما يحدث داخل السودان نفسه.
إن التحالف الاقتصادي مع بكين قد يمثل بداية الطريق. لكن الطريق الكامل يمر عبر الاستقرار، والإنتاج، والتصنيع، وإصلاح المؤسسات.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: هل تنجح الصين في تمويل نهضة اقتصادية سودانية جديدة، أم تتحول الاتفاقيات إلى فصل آخر من الوعود المؤجلة؟
