الطيب صالح… ما يتعدى جدل الصوت وصداه

بقلم / عبدالله رزق أبوسيمازه

رجح البروفسير محمد المهدي بشرى، في كتابه “الصوت والصدى، دراسات في آراء وحوارات الطيب صالح” أن يكون الروائي الشهير، مؤمناً بفكرة موت المؤلف، أي “أن ينتهي دوره بمجرد خروج النص للمتلقي”.

فهو يقول في واحد من الحوارات التي ضمها الكتاب: “لا أشغل نفسي بما يحدث لرواياتي، وأعتبر علاقاتي مع العمل تنتهي فور اكتماله، حيث تصبح له حياته المستقلة عني”.

بينما في منحى آخر، يبرز المؤلف، أي مؤلف، بكامل عنفوانه، متحفزاً لحراسة إبداعه والدفاع عنه. وربما كان الأديب الكبير، في بعض مرافعاته عن كتاباته، والمشاركة في تأويلها، غير بعيد عن هذا المنحى، وهو ما يضفي على الآراء والأفكار، التي يعكف البروف بشرى على دراستها، أهمية لا تقل عن تلك التي تحيط بأعماله السردية بالذات، ومن ثم على الكتاب.

ففي هذا الكتاب، الذي صدر مؤخراً عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، يميز بروف بشرى بين “الصوت، وهو إبداع الطيب صالح الروائي والقصصي، وفق تصنيفه، والصدى، المتمثل في أفكاره وآرائه المتناثرة، في الأجناس الكتابية الأخرى، خاصة المقالة الصحفية، وما يروى على لسانه من مواقف سياسية واجتماعية وثقافية… إلخ”.

ويعين الفرق الجوهري بين الاثنين بأن الإبداع يصدر عن لاوعي المبدع، عكس المقالة أو الفكرة التي ترد في ثنايا الحوار الصحفي، أو الرأي، والذي يصدر من وعي الكاتب.

غير أن الطيب صالح، عكس الكاتب، يرى أن بعض تلك الأفكار والآراء قد تصدر عن انفعالات، لا عن وعي أكيد، أو تكون ذات طابع مؤقت، مرتبطة بسياقات محددة، فيما يؤكد بشرى على أن:

“الآراء والأفكار، تصدر عن مستوى من التفكير وهي تمثل خطاباً قائماً بذاته، بينما يمثل العالم المتخيل خطاباً إبداعياً هو الآخر له آلياته، وأية محاولة للخلط بين الخطابين ستقود إلى نتائج خاطئة”.

ومع أنه يقطع بأن: “من البداهة بمكان أن يعبر الصدى عن الصوت، لكن في حالة المبدع، كما هو في حالة الطيب صالح على حد قوله، فإن الأمر أكثر تعقيداً”.

ومع تقريره كذلك بأن: “الصوت والصدى يشكلان معاً فلسفة المبدع أو رؤية العالم”. إلا أن بشرى يستبعد تطابق الصوت وصداه عند الطيب صالح. فآراؤه السياسية، على سبيل المثال، ليست انعكاساً لرؤاه السردية.

وفي حين يعكف بروف بشرى على دراسة العشرات من المقابلات الصحفية التي أجريت مع الطيب صالح، لتعيين المدى الذي يعبر فيه صدى الطيب صالح عن صوته، كان الكاتب محمد خلف قد وضع يده على بعد ثالث للذات المبدعة يتجاوز جدل الصوت والصدى إلى ما لم تقله.

حيث يثير في كتابه (المتن الروائي المفتوح: فن القص السردي عند الطيب صالح)، تساؤلات حول ما يسميه “المصموت عنه” في أدب الطيب صالح.

(المصموت عنه بدلاً من المسكوت عنه. أو المصمت، اسم المفعول، من أصمت). دون أن يحدد، كما فعل بشرى، عما إذا كان هذا المصموت عنه هو صوت أو صدى، ومن ثم تعيين قيمة “ما سكت عنه الكاتب” نقدياً، مقابل “ما أحكم قوله”، على حد تعبيره.

ومن ذلك سيرته الذاتية، التي لن يكتبها أبداً، وترك للقراء والنقاد مهمة البحث عنها بين سطور رواياته وقصصه.

ويلاحظ خلف أن قصص وروايات الطيب صالح: “قد خلت (وليس خليت) تماماً من استخدام الرموز التاريخية، بالرغم من احتشاد الفضاء المكاني بتعددها، كما في رواية دومة ود حامد، واختماره الدائم باحتمال مثل ذلك الاستخدام”.

ويقف عند ما يعتبره استبعاداً أو إقصاءً للرموز السابقة للإسلام، خاصة، والتي تحتشد بها منطقة ود حامد حيث تدور أحداث رواية الطيب صالح “دومة ود حامد”.

ويرى في ذلك إبرازاً للثقافة الإسلامية، ومحو ما قبلها، وتحيزاً أيديولوجياً.

ويقرر بأنه: “ليس ثمة أمر يسوغ للطيب صالح إبراز شيء وإخفاء شيء آخر، إلا وكان وراء ذلك فعل أيديولوجي مكين”.

ويعتقد: “أن هذا المخطط الأيديولوجي يذهب في اتجاه إبراز الثقافة الإسلامية ومحو ما قبلها من ثقافات”.

إن آراء وأفكار الطيب صالح، كأصداء، لا تتطابق مع صوته، حسب وفق بشرى، وإنما قد تنفي ذاتها وأهميتها، ومغزاها للأصوات التي قد تعكسها.

فالأديب الكبير يرى، من ناحيته، أن الكتاب يقولون أشياء في سياقات محددة، وقد لا يعنونها.

واستشهد بمقولة مشهورة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الجحيم هو الآخرون”. وعلق قائلاً: “أعتقد مخلصاً أن سارتر لم يكن جاداً في هذا القول”. الذي تضمنته مسرحية من مسرحياته.

ومن الممكن أن ينسحب هذا الحكم نفسه على عبارته المشهورة أيضاً: “من أين أتى هؤلاء؟”

التي وصفها، فيما بعد، بما يشبه الاعتذار عنها، بأنها نتاج: “غضب واحتجاج لوجه الله والوطن”.