النصر بلا حرب: هل يتدبر الجنرلات ام على قلوب اقفالها
زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم يكتب
المنسيون في كريهة السودان
حرب السودان العبثية المدمرة التهمت المدن والفيافي، وتحوّلت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في قرننا هذا، يظلّ الضحايا الحقيقيون خارج دائرة الضوء الأطفال، الأمهات، المرضى، والطلاب وكبار السن وضحيتها الشباب وقود هذه الحرب.
هؤلاء هم الذين يدفعون الثمن الأكبر لصراعٍ لم يختاروه، ولحسابات سلطة وتسلط لا تعنيهم، بل صراع جنرالات. أي قائد مسؤول يفهم معنى الدولة وامنها القومي يدرك أن الأمن القومي يبدأ من الإنسان، لا من فوهة البنادق والمسيرات، وأن حماية المدنيين ووقف الحرب ليست ترفاً سياسياً، بل واجب وطني، وأخلاقي، وديني. الحرب هي سياسة بطريق عنيف للحصول او فرض رؤية سياسية للحكم ويمكن تحقيق ذلك عبر طرق سياسية اخرى ومنها التفاوض ويمكنك عبره تفكيك منظومة الطرف الآخر دون قتال والنصر بلا حرب فهل ننتصر كشعب سوداني بلا حرب وهل يعقل الجنرالات أن هناك طرق أخرى للانتصارات بدون سفك دماء. المقولة التاريخية “إن تحقيق مائة انتصار في مائة معركة ليس ذروة المهارة. المهارة القصوى هي إخضاع العدو دون قتال.”
والكريهة هي الحرب وكانت العرب تسميها بذلك لشناعتها وبشاعتها. يقول عنترة بن شداد:
وَإِني لَأَحْفَظُ عَوْرَةَ الجَارِ مُتَّـرِعًا … وَأَطْعَنُ الطَّعْنَةَ يَوْمَ الكَرِيهَةِ وَالـنَّزَلِ
الأطفال الجيل الذي ضاع:
تُظهر تقارير الأمم المتحدة واليونيسف صورة مرعبة لحجم الانهيار الإنساني. هناك 14 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، و4.6 مليون نزحوا من منازلهم، فيما خرج 3 ملايين طفل من المدارس.
أما سوء التغذية الحاد المهدد للحياة فيطال 700 ألف طفل، يموت بعضهم كل دقيقتين بسبب الجوع أو المرض حسب التقديرات. هذه ليست مجرد أرقاماً في تقرير دولي وترف، بل شهادة على أن جيلاً كاملاً يُباد بصمت، وأن مستقبل السودان يتآكل أمام أعين الجميع.
الأمهات والنساء يتحملن العبء الأكبر في هذه الكريهة:
تشير بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن 70% من النازحين نساء وأطفال، وأن 80% من خدمات الولادة في المناطق المتأثرة خرجت عن الخدمة. آلاف النساء يلدن في العراء، بلا قابلة ولا دواء، فيما ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة كبيرة منذ اندلاع الحرب. الأم التي تهرب من القصف وتحمل أطفالها بحثاً عن الماء والغذاء ليست مجرد رقم في نشرة إخبارية في قناة، بل عمود الدولة. ولا دولة تنهض بينما أمهاتها يلدن تحت زخات الرصاص واطفالها بلا تعليم.
المرضى موت بطيء:
النظام الصحي في السودان يعيش انهياراً شبه كامل.
أكثر من 70% من المستشفيات خارج الخدمة، و9 ملايين شخص بلا رعاية صحية. مرضى الكلى يموتون بسبب توقف مراكز الغسيل، ومرضى السرطان بلا علاج منذ شهور، فيما تنتشر الكوليرا في 12 ولاية. نقص الأدوية الأساسية وصل إلى 85%، ما يجعل أمراضاً بسيطة قابلة للعلاج تتحول إلى أحكام بالإعدام. المريض الذي يموت لأنه لم يجد دواءً للسكري أو مضاداً حيوياً هو ضحية حرب مثل من يموت بالرصاص.
الطلاب جيل بلا تعليم ولا مستقبل:
التعليم، الذي كان أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، أصبح رفاهية لا يملكها إلا القليل. أكثر من 19 ألف مدرسة مغلقة أو مدمرة، و12 مليون طالب خارج العملية التعليمية. ضاعت سنوات دراسية كاملة، وفقد آلاف الطلاب شهاداتهم أو نزحوا دون أوراق رسمية. جيل كامل يقف على حافة الضياع، بلا مدارس، بلا جامعات، بلا أفق. لا يمكن لدولة أن تنهض بينما طلابها مشرّدون بين الولايات والحدود.
عمى الجنرالات:
الحرب ليست بطولة، ولا استعراض قوة. القائد الحقيقي لا يدخل بلده في حرب داخلية، ولا يترك شعبه بين الجوع والمرض والنزوح. القيادة هي القدرة على تجنيب البلاد الحروب والانهيار وعلى تقديم الحلول قبل الانفجار، وعلى الاعتراف بالأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث. القائد الذي يرى في المدنيين “أضراراً جانبية” لا يفهم معنى الأمن القومي، ولا يدرك أن الدولة تُبنى على الإنسان قبل الجغرافيا واغتالوا التاريخ والاجتماع ايضا فكيف تريد ان تبني الدولة بقتل الانسان.
ماذا نحن فاعلون؟
إنقاذ السودان يبدأ بقرارات شجاعة ومسؤولة، أهمهاً وقف الحرب فوراً، فتح ممرات إنسانية آمنة، إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، إطلاق عملية سياسية شاملة، محاسبة مرتكبي الجرائم، حماية الأطفال والنساء كأولوية أمن قومي، إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس مهنية
هذه ليست مطالب سياسية، بل شروط بقاء اي دولة.
الحرب قد تمنح بعض الجنرالات نفوذاً مؤقتاً، لكنها ذبحت وطننا من الاذن الى الاذن. والتاريخ لا يرحم من تركوا الأطفال يموتون جوعاً، وأمهاتهم يلدن في الظلام وتحن الموت الزؤام، وطلابهم يتشرّدون بلا تعليم. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجنرالات والحروب والبنادق والمليشات، بل إلى قادة يفهمون معنى الدولة ومعنى الامن القومي ويرون في كل طفل مشروع وطن، وفي كل أم عمود دولة، وفي كل طالب مستقبل أمة. فهل يعقل الجنرالات ام لا يتدبرون ام على قلوب اقفالها.
