بين أكسفورد وصناديق الاقتراع البريطانيَّة.. وجه السُّودان الَّذي غطَّت عليه ألسنةُ الحرب

الاصمعي باشري يكتب ..

بينما كانت صُورُ الحربِ والخرابِ القادمةُ من السُّودان تتصدَّرُ نشراتِ الأخبار العالميَّة، مرَّت في المملكة المتَّحدة خلال شهر مايو الجاري مناسبتانِ سودانيَّتانِ بالغتا الأهمِّيَّة من دون أن تنالا من اهتمام إعلاميٍّ سودانيٍّ تستحقَّانه بجدارة. ففي الوقت الَّذي ظلَّ فيه العالمُ يُراقبُ ألسنةَ اللَّهب المتصاعدة في سماوات السُّودان، كان اسم السُّودان يُرفعُ في قاعات الفكر والأدب، كما في ساحات العمل المدني والسِّياسي، عبر حدثينِ يحملانِ دلالاتٍ عميقةً عن قدرة السُّودانيِّين على صناعة الأمل وسط العتمة.
الحدث الأوَّل جاء من جامعة أكسفورد البريطانيَّة العريقة، حيث نظَّم مركزُ الشَّرق الأوسط وكلِّيَّةُ الدِّراسات الآسيويَّة والشَّرق أوسطيَّة بجامعة أكسفورد مؤتمراً علميَّاً بعنوان “قراءة الطَّيِّب صالح في القرن الحادي والعشرين”، بمشاركة نخبةٍ من الأكاديميِّين والنُّقَّاد والكتَّاب السُّودانيِّين والأوروبيِّين. ولم يكنِ المؤتمرُ- مجرَّد فعالية أدبيَّة عابرة، بل بدا وكأنَّه محاولةٌ لإعادة تقديم السُّودان إلى العالم عبر أحد أكثر وجوهه إشراقاً: الأدب والثَّقافة.

في قاعات الجامعة الَّتي احتضنت على مدى قرونٍ كبارَ المفكِّرين والفلاسفة، عاد اسم الرِّوائيِّ السُّودانيِّ العالميِّ الطَّيِّب صالح ليفرض حضوره من جديد، ليس بوصفه كاتباً روائيَّاً فحسب، بل باعتباره ظاهرة إنسانيَّة وثقافيَّة ما تزال قادرة على إثارة الأسئلة الكبرى المتعلِّقة بالهويَّة والهجرة والاستعمار والعلاقة المعقَّدة بين الشَّرق والغرب.
وتناول المشاركون في المؤتمر أعمالَ الطَّيِّب صالح من زوايا نقديَّة متعدِّدة، مستعيدين عالم “موسم الهجرة إلى الشَّمال” و”منسي” و”عرس الزَّين” وغيرها من الأعمال الَّتي جعلت من القرية السُّودانيَّة الصَّغيرة فضاءً إنسانيَّاً رحباً يتجاوز الحدود والجغرافيا. كما ناقش المتحدِّثون كيف ما تزال كتابات الطَّيِّب صالح (وحتَّى غير الرِّوائيَّة) تحتفظ بقدرتها على مخاطبة القارئ المعاصر، رغم مرور عقودٍ على صدورها، في وقت يشهد فيه العالمُ تحوُّلاتٍ عميقةً في مفاهيم الهويَّة والانتماء والهجرة. وقد شارك في هذا المؤتمر المهمِّ الكاتبُ محمَّد خلف كمشارك رئيسيٍّ بورقة حملت عنوان: (مصطفى سعيد ومنسي: كيف عمَد البريطانيُّون إلى تفتيت تعلُّم اللُّغة الإنكليزيَّة من أجل تعزيز هيمنتهم الاستعماريَّة في السُّودان الإنجليزي- المصري بين 1899- 1955)، كما شاركتِ النَّاقدة لمياء شمَّت بورقة جاءت تحت عنوان: (استعادة نَسَب حسنة: الذَّواكر الشِّفاهيَّة المحلِّيَّة والإرث المُغيَّب)، وشارك الأستاذ عادل بابكر بورقة عنوانها:( الطَّيِّب صالح: الإرث غير الرِّوائيِّ الَّذي لم يُروَ بعد)، وشارك الدُّكتور عبد الماجد عبد الرَّحمن الحبُّوب من المملكة العربيَّة السُّعوديَّة -عبر تطبيق الزُّووم – بورقة تحت عنوان: ( تغريب المألوف: تمثيلات المشهد الحضري في الكتابات غير الرِّوائيَّة للطَّيِّب صالح- قراءة نقديَّة بيئيَّة)، وأسهمت الأستاذة آمال عثمان بورقة: (عوامل الزَّمان والمكان والانتماء في أعمال الطَّيِّب صالح)، وجاءتِ المشاركاتُ غير السُّودانيَّة من الأستاذ تيمور محي الدِّين من باريس بورقة جاء عنوانها: (موسم الهجرة إلى الشَّمال والشَّرق: تذوُّق الرِّواية العربيَّة باللُّغتين الفرنسيَّة والتُّركيَّة)، ومشاركة الأستاذة أبالا داس من جامعةبلكتن بأنقرا/تركيا بورقة عنوانها: (التَّصوُّف وتجلِّيَّات ما بعد العلمانيَّة الحداثيَّة في أعمال الطَّيِّب صالح)، وقد شارك الرِّوائيُّ الَّذي حضر من الدَّوحة، محمَّد سليمان الشَّاذلي بشهادة حول تجرِبته الشَّخصيَّة مع الطَّيَّب صالح، كما كان هناك معقِّبون على جميع هذه الأوراق المقدَّمة في المؤتمر، ولا بُدَّ من الإشارة إلى المساهمة المهمَّة لكلِّ من الأستاذينِ أحمد الشَّاهي ولورانت مينيون في تنظيم وإدارة المؤتمر، بالإضافة إلى الإشراف على عمليَّة نشر الأوراق في كتابٍ سيصدر لاحقاً.

ولعلَّ المفارَقة المؤلمة أنَّ هذا الحدث الثَّقافيِّ السُّودانيِّ الكبير جرى في وقتٍ كانت فيه المكتباتُ ودُورُ الثَّقافة والجامعات داخل السُّودان تُعاني أوضاعاً مأساويَّة بسبب الحرب، الأمر الَّذي منح المؤتمر بُعداً رمزيَّاً إضافيَّاً؛ إذ بدا وكأنَّه دفاعٌ عن ذاكرة السُّودان الثَّقافيَّة في مواجهة الدَّمار.

أمَّا الحدثُ الثَّاني، فجاء من قلب التَّجرِبة الدِّيمقراطيَّة البريطانيَّة، حيث حقَّقت سيِّدتانٍ سودانيَّتانِ إنجازاً مُلفتاً بفوزهما في انتخابات المجالس المحلِّيَّة البريطانيَّة، وهما نادية الرَّشيد نايل وولاء بهاء الدِّين. وقد شكَّّل هذا الفوز لحظةً مهمَّةً للجالية السُّودانيَّة في بريطانيا، ورسالةً واضحةً عن قدرة السُّودانيِّين، نساءً ورجالاً، على الاندماج الإيجابيِّ والمشاركة الفاعلة في المجتمعات الَّتي يعيشون فيها.
ولم يكن انتصارُ السَّيدتينِ مجرَّدَ نجاحٍ انتخابيٍّ محدود، بل حمل دلالاتٍ اجتماعيَّةً وسياسيَّةً عميقة، خصوصاً في ظلِّ الصُّورة النَّمطيَّة الَّتي غالباً ما تُختزل فيها المجتمعاتُ المهاجرةُ باعتبارها جماعاتٍ منشغلةً فقط بقضايا اللُّجوء والاغتراب. فقد أثبتت التَّجرِبتان أنَّ السُّودانيِّين قادرون على الانتقال من هامش الحضور الاجتماعيِّ إلى فضاء التَّأثير وصناعة القرار المحلِّي.
كما يعكس هذا الفوزُ الحضورَ المتنامي للمرأة السُّودانيَّة في مجالات العمل العامِّ والسِّياسي، بعد سنواتٍ طويلةٍ من النِّضال المجتمعيِّ والحقوقيِّ داخل السًّودان وخارجه. فمنذ اندلاع ثورة ديسمبر، لعبتِ النَّساء السُّودانيَّات أدواراً بارزة في الحراك المدنيِّ والسِّياسي، وها هنَّ اليوم يواصلن كتابةَ فصولٍ جديدةٍ من الحضور والتَّأثير، لكنَّ هذه المرَّة داخل مؤسَّسات الحكم المحلِّيِّ البريطاني.
ورغم اختلاف طبيعة الحدثين، فإنَّ بينهما خيطاً عميقاً مشتركاً؛ فكلاهما يعكس وجهاً آخر للسُّودان، بعيداً عن صور الحرب والانهيار. ففي أكسفورد حضر السُّودان عبر الأدب والفكر والذَّاكرة الثَّقافيَّة، وفي الانتخابات المحلِّيَّة البريطانيَّة وحضر عبر المشاركة المدنيَّة والنَّجاح السِّياسيِّ والاندماج الإيجابي.
لكنَّ المُلفت أنَّ هذينِ الحدثينِ لم يُحظيا بالتَّغطية الَّتي يستحقَّانها في وسائل الإعلام السُّودانيَّة والعربيَّة الَّتي بدت مستغرقة بالكامل في متابعة أخبار المعارك والدَّمار والنُّزوح. صحيح أنَّ الحرب تفرض حضورها الثَّقيل على المشهد، غير أنَّ الاقتصار على رواية الخراب وحدها يظلم شعباً لا يزال قادراً على إنتاج المعرفة والجمال والنَّجاح حتَّى في أحلك الظُّروف.
فالسُّودان ليس مجرَّد ساحةِ حرب، وليس فقط نشراتٍ عاجلةً عنِ القصف والمجاعات والانقسامات السِّياسيَّة، بل هو أيضاً بلدٌ يمتلك رصيداً ثقافيَّاً وإنسانيَّاً هائلاً، وجالياتٍ مهاجرةً استطاعت أن تُحقِّقَ نجاحاتٍ معتبرةً في مختلف أنحاء العالم.
وربَّما تكمن أهمِّيَّة الحدثينِ في أنَّهما يُقدِّمان صورةً مختلفةً عن السُّودانيِّين في الخارج؛ صورة الإنسان الَّذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، فيكتب عنه في الجامعات، ويُناقش قضاياه في المؤتمرات، ويُشارك في بناء المجتمعات الجديدة عبر السِّياسة والعمل العام.
وفي زمن تتكاثر فيه صُورُ الموت والخراب، تبدو مثل هذه الأخبار ضروريَّةً لاستعادة شيء من التَّوازن النَّفسيِّ والمعنوي، وللتَّذكير بأنَّ السُّودان، رغم كلِّ ما يمرُّ به، لا يزال قادراً على إنتاج الحياة والمعنى والأمل.

وما يجدر التَّنبيه له أنَّ حدثَ مؤتمر الطَّيِّب صالح الَّذي تمَّت الاحتفاليَّة به للمرَّة الثَّانية (فقد تمَّ الاحتفاء به في سبعينيَّته بأكسفورد، وها هُم يُعيدون الكَرَّةَ في مئويَّته الأولى) يجب أن يضعَ المتورِّطين في الأدب والثَّقافة في السُّودان ويضعَهم أمام سؤال كيفيَّة الاحتفاء وإعادة قراءة الرُّموز الثَّقافيَّة السُّودانيَّة ويقف الطَّيِّب صالح في مقدِّمة رَكبهم، وهذا ما فطن إليه بعضُ المثقَّفين السُّودانيِّين الَّذين يتهيَّأون هذه الأيَّام – كما علمنا- للاحتفال بأديبنا الطَّيِّب صالح في مناطق متعدِّدة وليست “أصيلة” ببعيدةٍ وإنْ طالتِ الحرب.