محاولةُ بحثٍ ديناميكيّ عن الغدِ في الحاضرِ المستمدِّ من الأمس؟! (1)
.الجميل الفاضل يكتب:
إنَّ أشدَّ ساعاتِ الليلِ حلكةً، ليست سوى لحظة يتهيّأ فيها الفجرُ للميلاد.
فالكونُ، في أعمق عتماته، لا يفعل سوى أن يُخفي النورَ برحم الغيب.
وإذ ننشغل نحن اليوم بالبحثِ عن غدِنا في حاضرِنا، لا بد أن نُدرك أنَّ الرموزَ لا تموت، وأنَّ الأرواحَ العظيمةَ لا تغادرُ المسرحَ تماماً، لكنها تنسحبُ إلى كهوفِ الزمن، لتعودَ عند ساعةِ النداء.
فالتاريخُ ليس سرداً بارداً للأحداث، وإنما هو كائنٌ حيٌّ، له نبضٌ خفيّ، وذاكرةٌ مشتعلة، وأقدامٌ تمشي بيننا وإن لم نرها.
فقبل نحوِ سبعِ سنوات، صعدت فتاةٌ سمراءُ، بثوبٍ أبيضَ كأنه قَطعةُ ضوءٍ انفلتت من بؤرة بعيدة، فوق سطحِ سيارةٍ بميدانِ اعتصام القيادة العامة.
هناك، في قلب الخرطوم، بدت وكأنها لا تخاطبُ الحشود، بل تُناجي أرواحَ أسلافٍ نائمين تحت طبقاتِ الأرض، لتفتحُ بأغنيتها ثقباً في جدار الزمن.
قبل أن تنطلق الأهزوجةُ من حنجرتها، كأنها نبوءةٌ خارجةٌ من معبدٍ قديم:
“أنا جدي ترهاقا… حبوبتي كنداكة”.
في تلك اللحظة، لم تكن فتاةٌ تهتف.
كان التاريخُ نفسُه ينهضُ من مرقده.
أتصور أنَّ محركاتِ التاريخِ الكبرى لا تتوقف أبداً عن الدوران، حتى حين نظنُّ أنَّ كلَّ شيءٍ قد انتهى.
فجسدُ ترهاقا، الذي غادرَ ميدانَ معركةِ تحرير القدس قبل سبعةٍ وعشرين قرناً، لم يكن جثمانَ ملكٍ انطفأ، لكن بذرةَ نارٍ دفنها التراب السوداني عميقاً، في انتظارِ ساعةِ اشتعال أخري.
فقد جاءت ساعةُ هذا الميقاتِ الخفي.
في ذروةِ سكونِ الخرطوم، بين يومي 23 و25 سبتمبر 2018، حين شهد متحفُ السودان القومي عمليةً هندسيةً لتحريك تمثالِ الجرانيتِ الأسود للملك ترهاقا.
سبعةُ أطنانٍ من الذاكرةِ الصلبة، نُفض عنها غبارُ القرون، فاعتدلت واقفةً من جديد، كأنَّ الحجرَ نفسَه تذكّر فجأةً أنه كان ملكاً مهاب.
ولم تكن تلك ـ في ظني ـ مجردَ عمليةٍ أثرية.
لكنها كانت لحظةً كونيةً، هزّت الأعماقَ السحيقةَ للروح السودانية من جديد.
فبمجرّد أن تحرك الجدُّ الجرانيتِي، سري تيار كهرومغناطيسي في الدم، لتستيقظ في صدور الأحفادِ طبولٌ قديمة، كانت نائمةً منذ آلاف السنين.
قبل أن تطلق عطبرة ـ مهدُ الحديدِ والنار ـ شرارتها الأولى في 19 ديسمبر 2018.
بفارقِ ثلاثةِ أشهرٍ فقط من هذا الحدث.
ثلاثة أشهر كانت كافية كي يخرج شبابُ الثورة من رماد “الانقاذ”، يحملون في سُمرتِهم واعمارهم ذاتَ سمات ترهاقا، وفي عيونِهم ذاتَ الوهجِ الملكيّ القديم.
تحركوا، فتحركت الأرضُ معهم.
واهتزَّ النيلُ كأنه يستعيدُ أسماءَه الأولى.
فمن شمالِ مروي، تدحرجت كرةُ اللهبِ المقدس صوب الخرطوم، حتى بلغت ميدانَ القيادة العامة، على مرمى خطواتٍ من المتحف القومي، وكأنما ترهاقا قد انتصب حينها واقفاً في صمته الحجريِّ المهيب، يراقبُ أحفادَه وهم ينصبون خيامهم في ساحةِ التجلي.
وهناك، في ذلك المشهدِ الذي حبس أنفاس العالم، بدا كأنَّ الزمنَ قد انشقَّ نصفين؛ نصفٌ غارقٌ في الحاضر، ونصفٌ خارجٌ من جوفِ الأسطورة.
وقفت الفتياتُ بثيابهن البيضاء، كملكاتِ كوشٍ العائداتِ من سفرٍ طويل، لترتفع تلك الأهزوجةٍ التي اخترقت حجبَ القرون:
“أنا جدي ترهاقا… وحبوبتي كنداكة”.
علي أية حال، لم يكن ذلك مجردَ هتاف.
بل كان إعلانَ نسبٍ روحيٍّ مكتوبٍ بحبرِ نوبيِّ قديم.
إعلاناً يقول إنَّ هذه الوجوهَ السمراءَ هي ذاتُها التي وقفت يوماً على أبواب القدس، وإنَّ الدمَ الذي جرى في عروقِ المحاربين القدماء ما يزال يتدفقُ حتى الآن في شرايينِ أبناء السودان.
المهم، تحت وطأةِ هذا المدِّ الروحيِّ الجارف، ووقعِ أقدامِ السائرين نحو الخلود، وقّع المعتصمون ـ بدمائهم وعرقهم ـ وثيقةَ اقتلاعِ النظام الإخواني البائد، لا بأسم الأحزاب، ولا بشعاراتِ السياسةِ العابرة، وإنما باسم الجدِّ “ترهاقا”، والجدةِ “كنداكة”.
إنه شعبٌ لا يبدو محكوماً بقوانينِ التاريخِ العادية، بل بمعجزاتٍ حيّة.
شعبٌ حُرم طويلاً من رفاهيةِ الفناء، لأنَّ الأممَ التي تحملُ مثل هذا القدرَ من الرمزيةِ لا تموت، بل ولاتسطيع أن تموت، إنما تدخلُ هي في أطوارٍ الكمون، كي تعودُ في كلَّ مرةٍ أكثرَ اشتعالاً.
انظر فقط… كيف تحرك التمثالُ فتحركت ثورة.
وكيف استيقظ الجدُّ فاعتدل الأحفاد.
وكيف ظلّت محركاتُ التاريخِ تدور، في صبرِ طويل، لتؤكد أنَّ سدنةَ الكتابِ الأول للحضارة، لا يمكن أن يطويهم النسيان.
