ديربي أم درمان حيث يمتزج الشغف بالخرافة والأسطورة الأناطين والسحر وطقوس القمة حكايات لا تموت في ذاكرة الكرة السودانية

الغد السوداني ، خالد أبو شيبة-ليست مباريات القمة بين الهلال السوداني والمريخ السوداني مجرد تسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر، بل هي عالم كامل من الأسرار والضجيج النفسي والحروب الخفية التي تبدأ قبل أيام طويلة من ضربة البداية.
فالقمة السودانية ظلت عبر عقود عديدة موسماً خاصاً للشد العصبي والمكايدات والتهيئة النفسية، حتى تحولت عند البعض إلى ساحة مفتوحة للسحر والأناطين والشعوذة، في ظاهرة التصقت بالمواجهة الأشهر في الكرة السودانية جيلاً بعد جيل.
قبل القمة كانت أم درمان كلها تدخل في حالة استنفار.. الأسواق والمقاهي ووسائل المواصلات لا حديث فيها سوى عن المباراة، بينما تنشغل إدارات الناديين في معسكرات مغلقة وتحفيزات مفتوحة، وفي الخفاء تبدأ رحلات البحث عن “البركة” و”فك العمل” و”قلب النتيجة”.
الكثير من الإداريين ـ بحسب روايات قديمة ومتواترة ـ كانوا ينفقون أموالاً طائلة على المشعوذين والأناطين، اعتقاداً منهم بأن مباراة القمة لا تُحسم فقط داخل الملعب، بل ربما تُحسم أيضاً في جلسة سرية داخل منزل شيخ شهير أو “فكي” ذائع الصيت.
طلبات غريبة، وطقوس أكثر غرابة، وحكايات عن بخور وأحجبة ورش الرمال وتحديد مصير المباراة قبل أن تبدأ، حتى أصبح “الانطون” جزءاً من أدبيات القمة السودانية مثلما هو الحال مع الهتافات والتصريحات النارية.
* المدرب القومي المعروف كفاح صالح يقول : الإيمان بالسحر والدجل والكجور ظل حاضراً داخل الوسط الرياضي منذ سنوات طويلة، ليس فقط وسط الجماهير، بل حتى بين بعض المدربين والإداريين واللاعبين الذين يعتقدون أن “الأعمال” يمكن أن تحسم نتائج المباريات وتغيّر مصير البطولات يمضي كفاح ويؤكد أن بعض القصص التي عاشها الوسط الرياضي تبدو أقرب للأساطير، لكنها تعكس حجم الاعتقاد الراسخ لدى البعض في تأثير السحر على كرة القدم فهنالك مدرب معروف لعب لأحد أندية القمة كان من أكثر المؤمنين بحكاية السحر ونجاعته في تغيير النتائج. وفي مباراة مفصلية بالدوري الممتاز، وبينما كانت المباراة تتجه للتعادل، فوجئ الجميع به في منتصف الشوط الثاني يستخرج إبرة من جيب قميصه ويطعن بها إصبعه حتى يسيل الدم، وبعد دقائق قليلة فقط أحرز فريقه هدف الفوز، لتزداد قناعته أكثر بأن ما فعله كان السبب المباشر في الانتصار ولا تتوقف الحكايات عند هذا الحد، إذ يروي كفاح واحدة من أشهر طرائف الدجل الكروي في أم درمان عندما لجأ أحد إداريي أندية الدرجة الثانية إلى متشعوذ شهير قبل مباراة مصيرية أمام فريق من بحري، ودفعوا له الأموال ووعدهم بالفوز المؤكد، لكن الفريق خسر المباراة بصورة صادمة. وعندما عادوا إليه غاضبين طالبوه بتفسير ما حدث، جاءت إجابته أكثر غرابة من القصة نفسها، إذ قال لهم بكل ثقة: “أنا ما كنت عارف المباراة في استاد الخرطوم وإلا ما وافقت لأن خُدّامي ما بقطعوا الكباري والجسور ! وأضاف ساخراً: لو كان السحر يحسم البطولات، لكانت نيجيريا التي تصدر للعالم الدجالين والمشعوذين قد فازت بكأس العالم أكثر من مرة
* الإداري الهلالي السابق الأستاذ المحامي عماد الطيب يؤكد أن هذه الظاهرة قديمة ومتجذرة، ويقول إن بعض الإداريين كانوا يتعاملون مع الأمر بجدية كبيرة، لدرجة أن طرفاً يذهب إلى أحد المشايخ لإبطال مفعول ما فعله الطرف الآخر، في حرب نفسية لا تقل سخونة عن أجواء المدرجات.
* أما مدير الكرة الأشهر بالهلال عبد المهيمن الأمين فيرى أن كثيراً من هذه الطقوس هدفها التأثير النفسي وتشتيت المنافس، موضحاً أن بعض اللاعبين والإداريين كانوا يسافرون إلى مدن اشتهرت بالاناطين قبل القمة، لإيهام الطرف الآخر بأن “العمل تم”، وهو ما ينعكس على الحالة الذهنية داخل المعسكرات وحتى وسط الجماهير.
* وتبقى الروايات الأكثر إثارة تلك التي يرويها القطب الرياضي والكوتش المعروف بفريق قلب الأسد الامدرماني نادر محمد نور، حين تحدث عن واقعة قديمة قادتهم إلى أحد المشعوذين المعروفين في جبل أولياء قبل مباراة مصيرية لهم مع فريق أبو عنجة والذي كان قد تبقت له مواجهة مع فريق الزهور إن فاز فيها يكون قد حسم أمر الصعود للدرجة الثانية قبل مواجهتنا ويضيف نادر أن أن الرجل تمنع في البداية وبعد الضغط عليه سألنا ما المطلوب قلنا له لا نريد فريق أبو عنجة أن ينتصر على الزهور قام الرجل برسم الملعب على الرمال ورش مواد غامضة ثم قال بثقة: “ابوعنجة ما بغلب” وهو ما حدث بالفعل رغم الفارق الكبير في الإمكانات بين الفريقين وكل من شاهد المباراة كان يستغرب لتفاصيلها إذ أنها كانت بين نادي ابوعنجة وحارس مرمى الزهور وهو الحارس شنان الذي ذهب فيما بعد لنادي المريخ والحق أن هذه النتيجة خدمتنا لتتحول هذه القصة إلى واحدة من أشهر حكايات “السحر الكروي” المتداولة في الوسط الرياضي يضيف نادر أن السحر موجود ومثبت في القرآن الكريم ومن كفر به كفر بصريح القرآن ولكن تبقى إرادة الله ومشيئته هي النافذة.
* الكاتب الصحفي المعروف ابوعاقلة اماسا يقول : ديربي أم درمان، مهرجان كروي كبير وعتيق يؤثر في مجريات الحياة ليس في هذه المدينة القديمة فحسب، بل في كل السودان ودول المهجر، وتنتقل الحمى إلى كل أجزاء الشعب السوداني.. ورغم أن المتغيرات الكثيرة قد عصفت ببعض التفاصيل الخاصة بها، وأثرت بالتالي في مستويات الشغف، نجد أن بعض التقاليد والعادات ماتزال هي نفسها، وعدد من المهووسين بالفريقين يعتقد من قديم الزمان أن المباراة هذه لا تلعب على المستطيل الأخضر في المدى الزمني الذي يحدده الحكم، بل هنالك قوىً خفية تؤثر في نتيجتها بحسب اعتقادهم.. وهذه الفئة موجودة في الناديين معاً… يحضرون أنفسهم لذلك اليوم بينما يرفع اللاعبون وتيرة التدريبات، ويتواصلون مع الأناطين من كل حدب وصوب، ويحشدون كل إمكانياتهم في هذا الإتجاه.. وما لايعرفه الناس أن هنالك قطاع مؤثر في هذا الجانب، ومن ينفق على هذا البند بجدية ظناً منهم أنه يكمل مجهودات اللاعبين وهو ما شكل إرثاً ضخماً من الذكريات والحكايات الواقعية التي حدثت تفاصيلها داخل الناديين وفي القرى والأحياء التي يقيم فيها بعض الشيوخ..!!
* ورغم تطور كرة القدم واحترافها، إلا أن هذه المعتقدات لا تزال تطل برأسها مع كل قمة جديدة وكأن الهلال والمريخ لا يتنافسان فقط على النقاط والانتصار بل أيضاً على كسب المعركة الخفية التي تدور بعيداً عن أعين الجماهير والكاميرات.. وقبل قمة بعد الغد يعود الحديث القديم من جديد هل تحسمها الخطط والتكتيك والنجوم داخل المستطيل الأخضر؟ أم أن الأناطين لا زالت تجد لنفسها مكاناً في أكثر مباريات السودان إثارة وجنونا؟