فيروسات هانتا.. حين تتحول الحرب في السودان إلى مولد صامت للأوبئة
بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..
ليس كل إنذارٍ يأتي بصوتٍ عالٍ بعض الكوارث تبدأ همسًا أو بحركة قارض في الظلام.
في السودان اليوم، لا تدور الحرب في جبهات القتال وحدها، بل في قلب البيئة نفسها مدن تتراكم فيها النفايات، أحياء بلا صرف صحي، و مخيمات نزوح تضيق بسكانها و تفيض بالقوارض هذه ليست مجرد مظاهر انهيار خدمي؛ إنها الشروط المثالية لولادة أوبئة لا تُرى في بدايتها، لكنها تُصيب بقسوة حين تكتمل حلقاتها.
من بين هذه المخاطر، تقف فيروسات هانتا كتهديد صامت هي فيروسات تحملها القوارض، و تنتقل إلى الإنسان عبر الهواء الملوّث بإفرازاتها لا تحتاج إلى تماس مباشر، و لا إلى سيناريوهات معقّدة؛ يكفي أن تُكنَس أرضية ملوثة في غرفة سيئة التهوية، أو أن ينام نازح في مأوى موبوء. ثم تبدأ الحكاية حمى، إرهاق، أعراض تُشبه أمراضًا مألوفة قبل أن تتدهور الحالة سريعًا إلى فشل تنفسي أو قصور كلوي قد يكون قاتلًا.
قد يقول قائل لكن السودان لم يُسجّل حالات مؤكدة على نطاق واسع؟. و هذه هي المشكلة تحديدًا! في بلدٍ تُستنزف فيه المنظومة الصحية، وتتشابه فيه الأعراض بين الملاريا و حمى الضنك و الالتهابات التنفسية، يمكن لمرضٍ كهذا أن ينتشر دون أن يُلاحظ. ليس لأن الخطر غير موجود، بل لأن القدرة على رصده ضعيفة.
الحرب لا تقتل فقط بالرصاص هي تُعيد تشكيل البيئة بطرق تُنتج أخطارًا إضافية تُعطّل جمع النفايات، فتتكاثر القوارض،
تُدمّر شبكات المياه و الصرف، فتتلوّث البيئات المعيشية، تدفع الناس إلى النزوح، فيعيشون في ظروف مكتظة و هشة.
و في هذا التداخل، تنتقل العلاقة بين الإنسان و الحيوان من توازن هش إلى احتكاك يومي خطير.
و هنا، تصبح القوارض أكثر من مجرد آفة؛ تتحول إلى مؤشّر مبكر لانهيار أعمق، و إلى ناقل محتمل لأمراض قد تفلت من السيطرة.
الأخطر أن هذا النوع من التهديد لا يلفت الانتباه السياسي بالقدر الكافي، لا صور له تُبث على الشاشات و لا تجد زخم إعلامي، و لا ضجيج يوازي أصوات المدافع، لكنه في صمته قد يكون أكثر اتساعًا و تأثيرًا فوباء غير مرصود في بيئة منهكة قد يحصد أرواحًا بصمت، و يُضيف طبقة جديدة من المعاناة فوق مجتمع مُنهك أصلًا.
إن ربط الصحة بالحرب ليس ترفًا تحليليًا، بل ضرورة و لا يمكن الحديث عن الأمن في السودان بمعزل عن الأمن الصحي و لا يمكن احتواء مخاطر مثل فيروسات هانتا دون معالجة جذورها في البيئة المدمّرة، و الخدمات المنهارة، و الحرب المستعرة.
لهذا، فإن الدعوة إلى وقف الحرب ليست فقط مطلبًا سياسيًا أو إنسانيًا، بل هي أيضًا إجراء وقائي عاجل و كل يوم تستمر فيه الحرب، لا يعني فقط مزيدًا من الضحايا المباشرين، بل أيضًا اتساع دائرة المخاطر غير المرئية تلك التي قد تنفجر في أي لحظة على شكل وباء يصعب السيطرة عليه.
و عليه فإن السؤال لم يعد هل يمكن أن تظهر هذه الأمراض؟ بل هل نملك ترف الانتظار حتى تظهر ففي السودان اليوم، القصة ليست فقط حربًا تُرى بل فيروسات هانتا و كارثة صحية قد تتشكّل بصمت.
