الاقتصاد “علم الأمل” ورؤية النور في نهاية النفق
عبدالوهاب جمعه يكتب..
في بلد عانى من ويلات الصراعات السياسية وتجدد الحروب فان صورة السودان كانت “وطن فقير ممزق”، بينما يمضي الناس على طرق من اليأس والتشاؤم، لكن وسط تلك الصور المظلمة فان الاقتصاد يمكن أن يصبح علم “الأمل” لا “اليأس”.. علم الأمل المنبثق من ثنايا الارقام والاحصاءات.
يظن كثيرون أن الاقتصاد مجرد أرقام جافة ومؤشرات باردة ونماذج رياضية معقدة، لكن الحقيقة الغائبة هي أن الاقتصاد قبل كل شيء هو “علم الأمل”.
إنه العلم الذي يملك القدرة على رؤية النور في آخر النفق في اللحظات التي يظن فيها الجميع ان لا فكاك من وطأة الفقر والعوز والمعاناة، يؤمن الاقتصاد بأن الغد أفضل من اليوم مهما بلغت قسوة اللحظة الراهنة وهو بذلك يخالف اعتقاد الناس وخبرتهم بان الماضي كان افضل الحاضر.
وبالرغم من أن الاقتصاد بنى على فكرة “الندرة” لكن الاقتصاد يحول تلك الندرة الى أمل مشرق بـ”الاستخدام الأمثل للموارد” ، معجزة الاقتصاد تظهر في توزيع الموارد بـ”عدالة”، والعدالة هى أقصى درجات الأمل.
ربما تبدو كلمات مثل “الأمل ” و”العدالة” كلمات رومانسية وليست اقتصادية، لكن جوهر الاقتصاد هو “الثقة” و”الأمل” ، وتتجلى مظاهر الثقة في الوثوق بآليات السوق من العرض والطلب والثقة في ايداع المدخرات في البنوك، والثقة في العملة والتعاملات التجارية.
واذا رأى البعض اننا نجنح الى الرومانسية بوصف الاقتصاد “علم الامل” بعيدا عن الواقعية، لكن قمة الواقعية الاقتصادية تظهر لنا في الارقام والاحصاءات والتقييمات الاقتصادية للمختصين الاقتصاديين والتي تشبه البذرة وهي تصعد وتندفع من تحت ركام الارض مشرئبة الى العلا.
ما يكتبه الخبراء الاقتصاديون يهدف الى دفع بذرة الامل بالنمو مقومين السياسات لتتحول الى مخصبات واسمدة تدفع ذلك الأمل.
ربما تبدو بعض تقييمات الاقتصاد متشائمة لكن ذلك التشاؤم هو قوة دفع الامل لتجاوز الاقتصاد مراقد الانكسار.
كلمة “الانكسار” ذات نفسها توضح لنا معنى أن الاقتصاد هو”علم الأمل” لننظر حولنا من تجارب الدول والتي كان من الصعب تصور انها ستخرج من دائرة الفشل والياس أبدا.
لنبدأ من اليابان التي نهضت من ركام العدم بعد الحرب العالمية الثانية، حققت اليابان معجزة اقتصادية في بضع سنوات بسياسات التعليم والانضباط والتركيز على التصنيع عالي الجودة.
حتى دولة المانيا التي ربما يعزو البعض خروجها من رماد الحرب العالمية الثانية الى مشروع مارشال لكن الحقيقة الاكبر ان المانيا صعدت نتيجة الاصلاح الداخلي واستقرار المؤسسات ودمج قيم العمل والعمال في عملية صنع القرار.
لننظر الى الصين، ثاني اكبر اقتصاد في العالم، والذي ركز على وضع مفهوم” الشعب اولا” في السياسات والتركيز على معركة الفقر بانتشال 800 مليون نسمة من الفقر المدقع.
وحتى استخدام الصين لسياسة “الاصلاح والانفتاح” هي بمثابة الامل في المستقبل، وليس مهم لون القط طالما ان ذلك القط يجيد صيد الفئران.
ماهو النموذج الأمثل لايمان الاقتصاد بـ”الأمل”؟ انه قصة فيتنام .. البلد الذي واجه قوة اقوى ترسانة حربية في العالم وقصفت اراضيه بملايين القنابل واحرقت غاباته بـ” النابالم”، لكن هل سيطر التشاؤم على متخذي القرارات او على الناس في فيتنام؟
بالطبع لا.. فقد اتخذت فيتنام سياسة “دوي موي” والتي تعني “التجديد” ، وما التجديد إلا أسمى صور الأمل في المستقبل. حيث مضت فيتنام في نفس طريق الصين بفتح الاسواق وتشجيع القطاع الخاص والانضمام لسلاسل التوريد الصناعي العالمي.
لماذا نذهب بعيدا لنذكر اليونان وبولندا، منذ عشر سنوات عانت اليونان من وطأة الديون لكن ايمان متخذ القرار اليوناني بالاصلاح والتزام المواطن اليوناني بسياسة التقشف الحكومية كان مثال على دولة نهضت من حفرة “الانهيار” الى نموذج” الانبهار”.
بعد سقوط جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي كانت بولندا ترقد على شفير الانهيار لكن قوة بولندا كانت بايمان العمال البولنديين بالأمل متضامنين مع حكومتهم لمواجهة تحديات الاصلاح الجذري فكانت النتيجة الصعود بقوة.
حتى أن نهوض سنغافورة وكوريا الجنوبية تحولت الى قصص ملهمة وكيف أن الامل في المستقبل هو طوق نجأة من قاع التشاؤم.
يحمل الاقتصاد بذرة الأمل في ثناياه، بينما عقول الاقتصاديين تتوهج بالغد المشرق، وحتى في الحالات التي تنهار فيها الدول ويظن الناس انها النهاية يطل الاقتصاديون يحملون شعلة الامل، لان التاريخ ذات نفسه يعلمنا أن الاقتصاد هو “علم الامل”، وهو رؤية الغد رغم قسوة اليوم.
لكن الاقتصاد يخبرنا أن “شيك الامل ليس على بياض”دائما، وانما يتطلب “القيادة والإرادة السياسية” و الاهتمام بـ” رأس المال البشري” و “الانفتاح على العالم” و” مكافحة الفساد” و ” مرونة السياسات والمؤسسات”، وفوق كل هذا وذاك الصبر والرؤية طويلة المدى.
لينهض الاقتصاد السوداني من جديد فاننا مطالبون بعمل جماعي بما فيهم متخذي القرار وكل الناس، والتاكيد على ان الاقتصاد في جوهره هو “قصة الامل الانساني” وان المستقبل يجب ان يكون اكثر اشراقا رغم حجب الظلام السائدة الان، وأن “الحياة تستحق العيش” وخلف كل رقم “انسان” ووراء كل خطة تنموية “حلم ” بمستقبل مشرق بلا دموع.
