الانتقال الآمن: بناء نظام رئاسي انتقالي على رافعة الفيدرالية التنموية

 كتب : بروفسور ابراهيم البدوي  و دكتور عصام الدين عباس

مقدمة

الإستحقاق الوطنى السودانى الأبرز، الذى يتوجب مقاربته بإلحاح حتى قبل إنهاء الحرب، هو تعزيز الانتقال المدنى الديمقراطى المأمول وتثبيت الحالة الانتقالية داخل ذلك “الممر الضيق” المفضى إلى التعزيز المتبادل لقوة المجتمع وقوة الدولة، وبالتالى الانعتاق من أسر “المتلازمة السودانية” التى أقعدت بالمشروع الوطنى السودانى، والمتمثلة فى الحلقة العدمية المفرغة بين الحكومات الديمقراطية قصيرة الأجل والانقلابات العسكرية المفضية إلى أنظمة استبدادية متطاولة، يتم إسقاطها فى نهاية المطاف بواسطة الانتفاضات الشعبية، لتؤسس بدورها لحكومات ديمقراطية هشة ومتشاكسة، لا تلبث أن تُطاح بانقلابات جديدة، بينما تفشل الحكومات المدنية الديمقراطية والعسكرية، على حد سواء، فى التوصل إلى حلول سلمية مستدامة للنزاعات والحروب الأهلية التى طبعت مسيرة البلاد منذ الاستقلال على مدى سبعة عقود أو يزيد.

وغنى عن القول إن إعادة بناء الدولة السودانية بعد هذه الحرب الماحقة تتطلب حزمة من الإصلاحات المؤسسية الشاملة فى سياق عقد اجتماعى متين، يبدأ بمحورى الإصلاح الأمنى والعدالة الانتقالية، باعتبارهما ركيزتين متلازمتين لأى انتقال ناجح يستند إلى تعديل موازين القوى، بما ينهى هيمنة النخب العسكرية-المليشياوية لصالح القوى المدنية الديمقراطية، بحيث تتمكن البلاد من الولوج إلى ذلك “الممر الضيق” نحو الحرية والتطور. كذلك، تبرز الحاجة إلى توأمة “الشرعية السياسية” – التى قامت عليها الانتقالات السودانية السابقة – مع “شرعية اقتصادية” ملزمة، تقوم على التوافق حول مشروع تحول اقتصادى نهضوى يخاطب جذور أزمة الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسى، والمتمثلة فى التخلف الاقتصادى والتفاوت التنموى على المستويين الجهوى والهوياتى.

أيضاً، فإن الدمار الذى أحدثته هذه الحرب الماحقة لم يقتصر على الحجر، أو على حياة الإنسان السودانى وسبل عيشه – على فداحة ذلك – بل طال كذلك النسيج المجتمعى ذاته. ومن ثم، لا يمكن إعادة بناء اللُحمة القومية الجامعة من دون تبنى “سردية وطنية” قوية وناجزة، تقوم على ترسيخ قيم المواطنة والتعددية والعدالة، وفى الوقت نفسه تحريم وقمع السرديات الغرائزية الجهوية-الإثنية المدمرة.

ومع ذلك، وحتى فى ظل هذه الاستحقاقات الآنفة، يبقى تحدى استدامة التحول الديمقراطى المدنى ماثلاً، خاصة بالنظر إلى التعقيدات الهائلة وغير المسبوقة التى أفرزتها هذه الحرب، مقارنة بالانتقالات السابقة التى أعقبت الثورات الشعبية الثلاث: أكتوبر 1964، ومارس-أبريل 1985، وديسمبر 2018. وعليه، نحاجج فى هذا المقال بضرورة تبنى ثلاثة تحولات مؤسسية رئيسية، ومسار انتقالى مترتب عليها:

*نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين من أجل الإستقرار والإنتقال التنموى

*”فيدرالية تنموية” على أساس الأقاليم ومحليات “المدن المنتجة”

*حكومات وحدة وطنية لإنجاز المشروع النهضوي

كذلك، وحتى يتأتى تنزيل النظام الدستورى المقترح فى سياق مسار انتقالى ناجز، لا بد من مراعاة التدرج اللازم لبناء توافق مرحلى يسبق بناء الشرعية الدستورية عبر التفويض الشعبى. فهناك من يرى ضرورة اعتماد فترة انتقالية طويلة (خمس سنوات، كما اقترح تحالف “صمود” مثلاً)، لضمان الانتقال إلى الشرعية الانتخابية على أسس متينة، بعد إنجاز استحقاقات إزالة التمكين وإعادة بناء القوات النظامية والمؤسسات العدلية والخدمة المدنية، بما يتواكب مع أهداف ثورة ديسمبر المجيدة. وفى المقابل، ترى بعض القوى المدنية الأخرى أن الفترة الانتقالية يجب ألا تتجاوز عاماً واحداً، بحجة ضرورة الاحتكام إلى الشعب لانتخاب حكومة مفوَّضة لإنجاز الأجندة الوطنية ذات الصلة.

وبرأينا، فإن تأسيس الحكم المدنى الانتقالى يمكن أن يُبنى على مرحلتين، تشكلان مقاربة توفيقية بين هاتين الرؤيتين. الأولى عبارة عن ترتيبات توافقية تُدار بواسطة حكومة تصريف أعمال ومجلس سيادى محدود الصلاحيات، وتمتد لعام واحد فقط. أما المرحلة الثانية، فتقوم على الشرعية الانتخابية وبناء النظام السياسى الجديد، استناداً إلى التحولات المؤسسية الثلاث المشار إليها أعلاه.

أولاً، لماذا نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين من أجل الإستقرار والإنتقال التنموى؟

تكشف التجربة السودانية الحديثة، وربما منذ الاستقلال، عن أزمة بنيوية عميقة فى طبيعة النظام السياسى الذى حكم البلاد. فقد أفضى النظام البرلمانى، المستلهم بصورة شبه حرفية من نموذج وستمنستر البريطانى، إلى حكومات ائتلافية قصيرة العمر، ضعيفة التماسك، أسيرة للمساومات الحزبية والانقسامات الجهوية والطائفية، وعاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية تتطلبها قضايا الحرب والسلام والتحول الاقتصادى والتنمية. وفى المقابل، قادت الانقلابات العسكرية المتكررة إلى أنظمة رئاسية استبدادية كرست احتكار السلطة، وأضعفت المؤسسات، وأعادت إنتاج الحرب الأهلية والاستقطاب المجتمعى. ومن ثم، فإن التحدى الحقيقى لا يتمثل فقط فى الانتقال من الحكم العسكرى إلى الحكم المدنى، بل فى إعادة تصميم النظام السياسى نفسه بصورة تكسر الحلقة العدمية التى ظلت تعيد إنتاج الفشل والانقلابات وعدم الاستقرار.

فى هذا السياق، تبرز الحاجة إلى نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين، يجمع بين مزايا الاستقرار التنفيذى الذى توفره الرئاسة المنتخبة شعبياً، وبين المساءلة البرلمانية والرقابة الديمقراطية. فالسودان الخارج من حرب مدمرة، والمنهك بانقسامات جهوية وإثنية عميقة، يحتاج إلى سلطة تنفيذية مستقرة نسبياً وقادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل تتعلق بإعادة الإعمار والإصلاح الأمنى والتحول الاقتصادى، دون أن تكون رهينة لتقلبات الائتلافات البرلمانية الهشة. وفى الوقت نفسه، فإن التجربة التاريخية السودانية تجعل من الضرورى وجود مؤسسات تشريعية وقضائية قوية تحول دون انزلاق الرئاسة مجدداً إلى السلطوية.

وعليه، فإن النظام الهجين – على غرار النموذج الفرنسى – قد يكون الأنسب للحالة السودانية، حيث يتعايش رئيس منتخب مباشرة من الشعب مع رئيس وزراء يستند إلى الأغلبية البرلمانية. فالرئيس يضطلع بالوظائف السيادية العليا، مثل حماية الدستور والإشراف على الأمن القومى والسياسة الخارجية، بينما تتولى الحكومة إدارة الاقتصاد والسياسات الداخلية وشئون الحكم الاتحادى. ويتيح هذا الترتيب تحقيق توازن ضرورى بين الاستقرار التنفيذى وتقييد السلطة، كما يخفف من طبيعة “اللعبة الصفرية” التى ظلت تطبع الصراع السياسى السودانى.

كما أن تبنى مجلسين تشريعيين يشكل جزءاً أساسياً من هذا التصور المؤسسى. فالمجلس الأعلى يمثل الأقاليم بالتساوى، بما يضمن مشاركة عادلة لها فى اتخاذ القرارات السيادية والتشريعية الكبرى، بينما يعكس المجلس الأدنى الوزن السكانى للأقاليم المختلفة. وبهذا، تتحقق معادلة مزدوجة تجمع بين العدالة الجهوية والتمثيل الديمقراطى السكانى، بما يحد من هيمنة المركز التاريخية ويعزز الوحدة الوطنية على أساس الشراكة المؤسسية.

وتؤكد التجارب المقارنة أهمية هذا الخيار بالنسبة لسودان ما بعد الحرب. ففرنسا استطاعت عبر الجمهورية الخامسة تجاوز أزمة الحكومات الائتلافية غير المستقرة، بينما نجحت البرتغال بعد ثورة القرنفل فى بناء ديمقراطية مستقرة فى ظل نظام شبه رئاسى حافظ على التوازن بين الرئاسة والحكومة المنتخبة. وحتى التجربة الغانية، رغم طابعها الرئاسى، تُظهر كيف يمكن للرئاسة أن تتحول إلى أداة للاستقرار والتنمية إذا قُيدت بمؤسسات دستورية مستقلة وقضاء فعّال وهيئات انتخابية نزيهة. بالمقابل، فإن تعثر تجارب مثل نيجيريا وأوكرانيا يكشف أن الهندسة الدستورية وحدها لا تكفى، ما لم تُدعَم بثقافة مؤسسية، ونظام حزبى منضبط، وعدالة فى توزيع الموارد والصلاحيات.

لذلك، فإن النظام “التنفيذى-التشريعى” المقترح لا يمثل مجرد تعديل دستورى تقنى، وإنما يشكل أحد أعمدة مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها، عبر بناء توازن جديد بين الاستقرار والديمقراطية، وبين السلطة المركزية وتمثيل الأقاليم، بما يسمح بتثبيت الانتقال المدنى داخل ذلك “الممر الضيق” الذى يحمى البلاد من العودة إلى الاستبداد أو الانهيار.

ثانياً، لماذا “الفيدرالية التنموية” على أساس الأقاليم ومحليات “المدن المنتجة” وإلغاء الولايات؟

إذا كان إصلاح النظام السياسى يمثل أحد شروط استدامة الانتقال الديمقراطى، فإن إعادة بناء النظام الفيدرالى تمثل شرطاً لا يقل أهمية لمعالجة جذور الأزمة السودانية المرتبطة بالتفاوت التنموى والتهميش الجهوى والصراع على الموارد والسلطة. فقد أفرز نظام الولايات الذى أنشأه نظام الإنقاذ ما يمكن تسميته بـ”الفيدرالية الزبائنية”، حيث تحولت الولايات إلى أدوات لإعادة إنتاج الولاءات السياسية والقبلية، بدلاً من أن تكون آلية لتوزيع السلطة والتنمية وتعزيز المشاركة المحلية.

لقد أدى التوسع المفرط فى إنشاء الولايات والمحليات إلى تضخم الجهاز الإدارى واستنزاف الموارد العامة فى الإنفاق الجارى، بينما ظلت الخدمات الأساسية والبنيات التحتية والتنمية الإنتاجية فى حالة انهيار مزمن. والأخطر من ذلك، أن تقسيم الولايات على أسس إثنية وقبلية ساهم فى تفكيك النسيج الاجتماعى وإشعال النزاعات المحلية، إذ أصبحت هذه الولايات بؤراً للتنافس على الريع السياسى والموارد والتحويلات المالية القادمة من المركز. وهكذا، بدلاً من أن تعزز الفيدرالية اللُحمة الوطنية، أصبحت إحدى أدوات تفتيت المجتمع والدولة معاً.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من “الفيدرالية الزبائنية” إلى “الفيدرالية التنموية”، القائمة على أقاليم اقتصادية كبرى ومحليات منتجة تتمحور حول المدن الرئيسية ومحيطها الريفى. ويستند هذا التصور إلى إعادة بناء الدولة على ثلاثة مستويات فقط: اتحادى، إقليمى، ومحلى، مع إلغاء الولايات الحالية التى أصبحت عبئاً مالياً وسياسياً وإدارياً. فالأقاليم الأكبر حجماً والأكثر تكاملاً اقتصادياً ستكون أكثر قدرة على بناء “حيز مالى” حقيقى، وتعبئة الموارد، وتخطيط التنمية بصورة استراتيجية، بدلاً من التشظى الإدارى الراهن.

كما أن هذا النموذج يتيح توظيف التنوع الجغرافى والاقتصادى السودانى فى بناء محاور للنمو حول “المدن المنتجة”، بحيث تتحول المدن الكبرى إلى مراكز للتصنيع الزراعى والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة والبنية التحتية، ترتبط بأحزمة إنتاجية ريفية واسعة. فبدلاً من توزيع الموارد بصورة مبعثرة وغير فعّالة، يتم تركيز الاستثمارات العامة والخاصة فى مراكز نمو قادرة على توليد ديناميات اقتصادية ممتدة إلى محيطها الإقليمى.

وفى هذا الإطار، يمكن لأقاليم مثل دارفور وكردفان والشرق والأوسط والنيل الأزرق والشمال أن تتحول إلى وحدات تنموية متكاملة، تقوم على شراكة حقيقية بين المركز والأقاليم فى إدارة الموارد وبناء الاقتصاد الوطنى. كما أن تقليص مستويات الحكم وترشيق المحليات سيخفض بصورة كبيرة من كلفة الجهاز البيروقراطى، ويوجه الموارد نحو الاستثمار الإنتاجى والتنمية البشرية والبنية التحتية، بدلاً من الإنفاق الإدارى والاستهلاكى.

وفوق ذلك، فإن العودة إلى نظام الأقاليم الكبرى ستساعد على تخفيف النزاعات الإثنية والقبلية، لأن النخب المحلية ستصبح مضطرة لبناء تحالفات سياسية واقتصادية عابرة للقبائل والكيانات الإثنية، كما كان الحال نسبياً قبل التقسيم الولائى الذى عمّقه نظام الإنقاذ. وبذلك، تصبح الفيدرالية أداة لبناء الأمة، لا أداة لتفكيكها.

أما على مستوى الفيدرالية المالية، فإن النظام الجديد يجب أن يقوم على قواعد شفافة وعادلة للتحويلات المالية الرأسية من المركز إلى الأقاليم، والأفقية من الأقاليم إلى المحليات، وفق معايير التنمية البشرية والحاجة الاقتصادية، وليس وفق اعتبارات الولاء السياسى أو المحسوبية. فحين تصبح العدالة المالية جزءاً مؤسسياً من بنية الدولة، تتحول الفيدرالية إلى رافعة للتنمية والاستقرار وتعزيز الشرعية الوطنية.

وعليه، فإن “الفيدرالية التنموية” ليست مجرد إعادة تقسيم إدارى، وإنما مشروع لإعادة هيكلة الدولة والاقتصاد معاً، وربط السلام بالتحول الهيكلى والتنمية المتوازنة، عبر بناء اقتصاد إنتاجى تقوده الأقاليم والمدن المنتجة ومحاور النمو حولها.

ثالثاً، لماذا الحاجة إلى حكومات وحدة وطنية لإنجاز المشروع النهضوي؟

إن حجم الانهيار الذى أصاب الدولة والمجتمع جراء الحرب الحالية يجعل من الصعب تصور أن تتمكن حكومة حزبية ضيقة أو ائتلاف سياسى محدود من قيادة مرحلة ما بعد الحرب بنجاح. فالسودان لا يواجه مجرد انتقال سياسى تقليدى، بل يقف أمام مهمة تاريخية معقدة تشمل إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وتنفيذ الإصلاح الأمنى، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وإطلاق مشروع تحول اقتصادى نهضوى، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعى الوطنى. وهى مهام تتطلب أوسع قاعدة سياسية ومجتمعية ممكنة.

لذلك، فإن الحاجة إلى حكومات وحدة وطنية لا تنبع فقط من ضرورات “التوافق السياسى”، وإنما من طبيعة المشروع التاريخى المطلوب إنجازه نفسه. ففى المجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات العميقة، تمثل حكومات الوحدة الوطنية ما يشبه “تقنية التزام سياسى”، تمنع العودة إلى الاصطفافات الهوياتية والصراعات الصفرية، وتؤسس لتوزيع أكثر شمولاً للسلطة والثروة، بما يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع والدولة.

وفى السياق السودانى، تظل مبادرة السيد الصادق المهدى فى ستينيات القرن الماضى لتشكيل “حكومة كل الجمعية التأسيسية” من أبرز المحاولات التاريخية لاستشراف هذا النوع من التوافق الوطنى. فقد أدرك مبكراً أن الديمقراطية البرلمانية الهشة، والانقسامات الحزبية، والعجز عن إنهاء الحرب فى الجنوب، لا يمكن تجاوزها دون بناء حكومة قومية واسعة تستند إلى مشروع وطنى مشترك، يشمل السلام، واللامركزية، والتحول الاقتصادى طويل الأمد. غير أن تلك المبادرة لم تجد آنذاك مناخاً سياسياً يسمح بإنضاجها. أما اليوم، وبعد هذه الحرب المدمرة، فإن الحاجة إليها أصبحت أكثر إلحاحاً من أى وقت مضى.

غير أن المقصود بحكومة الوحدة الوطنية هنا ليس إعادة إنتاج صيغ المحاصصة التقليدية وتقاسم المناصب، وإنما بناء حكومة برامجية تستند إلى “عقد اجتماعى” واضح المعالم، يقوم على التوافق حول أولويات استراتيجية كبرى: الإصلاح الأمنى، العدالة الانتقالية، إعادة الإعمار، الفيدرالية التنموية، والتحول الهيكلى للاقتصاد السودانى. فالمطلوب ليس مجرد تقاسم السلطة، بل بناء “تحالف تنموى” واسع يراهن على التنمية بوصفها أساس الشرعية والاستقرار.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة فى ضوء الدروس المستفادة من التجارب المقارنة. فالتجارب التنموية الناجحة فى الدول النامية كثيراً ما تمت فى ظل أنظمة سلطوية ذات قدرة على فرض الاستمرارية البرامجية، بينما فشلت الديمقراطيات الهشة فى الحفاظ على التوافق المطلوب لتنفيذ مشاريع تحول اقتصادى طويلة الأجل. غير أن التجارب الماثلة، أظهرت فى الوقت نفسه أن “الاستبداد التنموى” قد يحقق بعض الإنجازات الاقتصادية، لكنه يفشل فى إدارة التنوع الاجتماعى والسياسى بصورة سلمية ومستدامة. ومن ثم، فإن البديل المطلوب هو “الديمقراطية التوافقية البرامجية”، التى تجمع بين الشرعية الديمقراطية والاستمرارية التنموية.

وعليه، فإن حكومات الوحدة الوطنية المقترحة ينبغى أن تمتد، ليس فقط خلال الفترة الانتقالية، بل أيضاً خلال عهدتى الحكومتين الديمقراطيتين اللاحقتين، بما يسمح بتنفيذ مشروع نهضوى طويل الأمد قائم على إعادة الإعمار والتحول الهيكلى فى القطاع الزراعى والصناعات المرتبطة به. وفى ظل معدلات نمو مرتفعة ومتواصلة، يمكن للسودان أن يضاعف اقتصاده عدة مرات خلال جيل واحد، بما يؤدى إلى توسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز الاندماج الجهوى والإثنى، وترسيخ الديمقراطية والاستقرار.

وبذلك، فإن حكومة الوحدة الوطنية ليست مجرد صيغة سياسية انتقالية، وإنما أداة استراتيجية لبناء “الشرعية الاقتصادية” للدولة الجديدة، وتحويل السلام من مجرد وقف للحرب إلى مشروع وطنى شامل للنهضة وإعادة التأسيس.

رابعاً، النظام الإنتقالى: المرحلة الأولى “التوافقية

إذا كان مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية بعد الحرب يتطلب شرعية انتخابية راسخة، فإن الوصول إلى هذه الشرعية يستدعى أولاً بناء حد أدنى من التوافق الوطنى حول أسس الانتقال ذاته. فالسودان الخارج من حرب بهذا الحجم من التدمير والانقسام لا يحتمل انتقالاً انتخابياً متعجلاً قبل معالجة القضايا التأسيسية المرتبطة بالأمن والسلام وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الثقة بين المكونات الوطنية. ومن ثم، فإن المرحلة الأولى من النظام الانتقالى المقترح يجب أن تكون مرحلة “توافقية” محدودة الأجل، تُعطى الأولوية لتثبيت السلام وإدارة الاستحقاقات العاجلة، دون أن تتحول إلى فترة انتقالية مطولة مفتوحة على إعادة إنتاج الاستقطاب والصراع حول الشرعية.

وفى هذا السياق، نتبنى صيغة معدلة لتصور “مشروع الخلاص الوطنى” لحزب الأمة، الذى يدعو إلى مرحلتين إنتقالتين، تبدأ بمرحلة أولى قصيرة الأمد، تقوم على ترتيبات توافقية مؤقتة تحت إشراف جبهة مدنية واسعة لوقف الحرب وتحقيق السلام، تتشكل من الأحزاب السياسية والقوى المدنية والإدارة الأهلية والطرق الصوفية والحركات المسلحة ولجان المقاومة والنقابات والقيادات النسوية والشبابية والخبراء والأكاديميين. وتنبع أهمية هذا التصور من إدراكه أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق عسكرى بين طرفى النزاع، بل عملية سياسية ومجتمعية شاملة تستند إلى أوسع قاعدة وطنية ممكنة.

وتبدأ هذه المرحلة بمؤتمر مائدة مستديرة يُعقد مباشرة بعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب، تتوافق خلاله القوى المدنية والديمقراطية على إعلان سياسى ودستورى مؤقت يؤسس للنظام الانتقالى الجديد، ويحدد طبيعة مؤسسات الحكم المؤقتة ومهامها وسقفها الزمنى. وفى تقديرنا، فإن أهم ما يميز هذا التصور هو أنه يربط بين “التوافق السياسى” و”التفويض الشعبى” بصورة متدرجة، بحيث لا تصبح المرحلة التوافقية بديلاً دائماً عن الشرعية الانتخابية، ولا تتحول الانتخابات المبكرة بدورها إلى قفز فوق استحقاقات بناء السلام والدولة.

وعليه، فإن هذه المرحلة الأولى ينبغى أن تُدار بواسطة حكومة تصريف أعباء مدنية ذات مهام محددة، ومجلس سيادى محدود الصلاحيات ذى طبيعة تشريفية وسيادية، بحيث تُفصل الوظائف السيادية عن الإدارة التنفيذية اليومية، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى النظام الرئاسى-التشريعى الهجين الذى اقترحناه أعلاه. ويُستحسن أن لا تتجاوز هذه المرحلة عاماً واحداً، حتى لا تفقد القوى الانتقالية حوافز الإنجاز، أو تتحول الفترة الانتقالية إلى حالة دائمة من السيولة السياسية.

أما المهام الرئيسية لهذه المرحلة، فتتمثل فى: تثبيت وقف الحرب، وفرض هيبة الدولة على كامل التراب الوطنى، والاستجابة الإنسانية العاجلة، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة الأساسية، وإطلاق برنامج إسعافى اقتصادى، والبدء فى تنفيذ العدالة الانتقالية وجبر الضرر، وتفكيك بنية التمكين والفساد وفق القانون، وإعادة بناء المؤسسات العدلية والأمنية والخدمة المدنية على أسس مهنية وقومية. كما تشمل هذه المرحلة إصدار قانون انتخابات انتقالى يقوم على التمثيل النسبى، بما يسمح بإشراك أوسع للقوى السياسية والاجتماعية فى العملية الانتقالية.

ومن الأهمية بمكان أن تُدار هذه المرحلة بروح “الديمقراطية التوافقية”، لا بمنطق المغالبة السياسية أو الإقصاء الشامل. ومع ذلك، فإن التوافق المطلوب لا يعنى المساواة بين دعاة الديمقراطية وأعدائها، إذ أن القوى المرتبطة بمشروع التمكين والحرب وتقويض الانتقال الديمقراطى لا يمكن أن تكون جزءاً من عملية إعادة تأسيس الدولة الجديدة. وفى هذا السياق، فإن عزل المؤتمر الوطنى والحركة الإسلاموية المرتبطة بالحرب يمثل إجراءً تأسيسياً لحماية الانتقال نفسه، دون أن يعنى ذلك إقصاء التيار الإسلامى الوطنى الذى انحاز للثورة والديمقراطية.

كما أن نجاح هذه المرحلة التوافقية يظل رهيناً بقدرتها على بناء “سردية وطنية” جامعة تعيد تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة والعدالة والتنوع، وتقاوم الانزلاق نحو الانقسامات الجهوية والإثنية التى غذتها الحرب. فالتحدى الحقيقى لا يتمثل فقط فى وقف القتال، بل فى منع تحوله إلى انقسام دائم فى الوعى والهوية الوطنية.

وبهذا المعنى، فإن المرحلة التوافقية ليست مجرد فترة إجرائية مؤقتة، وإنما تمثل الجسر الضرورى بين شرعية الثورة وشرعية الدولة الديمقراطية المستقرة، وبين إنهاء الحرب وإطلاق المشروع النهضوى الوطنى.

خامساً، النظام الإنتقالى: المرحلة الثانية “الشرعية الانتخابية وبناء النظام السياسى الجديد

إذا كانت المرحلة الأولى التوافقية تستهدف تثبيت السلام ومنع الانهيار، فإن المرحلة الثانية ينبغى أن تمثل لحظة الانتقال الحاسم من “الشرعية التوافقية المؤقتة” إلى “الشرعية الانتخابية الدستورية”، أى الانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس النظام السياسى الجديد بصورة مستدامة. فالديمقراطية لا يمكن أن تستقر فقط عبر التوافقات السياسية فوقية الطابع، وإنما تحتاج فى نهاية المطاف إلى تفويض شعبى واضح، ومؤسسات منتخبة، ودستور دائم يعكس الإرادة الوطنية الجامعة.

فى هذا الإطار – تأسيساً على رؤيتنا بشأن النظام الدستورى الهجين والفيدرالية التنموية – نقترح أن تبدأ المرحلة الثانية بانتخابات تمهيدية تُفضى إلى انتخاب الرئيس وتشكيل الهيئة التشريعية الثنائية بمجلسيها الأعلى والادني (جمعية وطنية انتقالية منتخبة)، تتولى إجازة الإعلان السياسى والدستور الانتقالى، واختيار رئيس الوزراء، ومنح الثقة للحكومة القومية، واعتماد ترتيبات بناء النظام السياسى الجديد. وتمتد هذه المرحلة لفترة انتقالية ثانية لا تتجاوز أربعة وعشرين شهراً، تُستكمل خلالها مهام إعادة التأسيس المؤسسى والدستورى، وصولاً إلى الانتخابات العامة النهائية.

وبرأينا، فإن أهمية هذا التصور تكمن فى أنه لا يفصل بين “الشرعية الانتخابية” و”التحول البنيوى”. فالانتخابات ليست مجرد آلية لتداول السلطة، بل ينبغى أن تكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة. ولهذا، فإن المرحلة الثانية يجب أن تُدار بمرجعية التحولات المؤسسية الثلاث التى ناقشناها أعلاه: النظام التنفيذى-التشريعى الهجين، والفيدرالية التنموية، وحكومات الوحدة الوطنية البرامجية.

وعليه، فإن الجمعية الوطنية الانتقالية المنتخبة ينبغى أن تتحول إلى منصة تأسيسية كبرى لإعادة بناء العقد الاجتماعى السودانى، عبر تنظيم مؤتمرات قومية متخصصة حول السلام، والدستور، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والعلاقات الخارجية، والأمن والدفاع، والخدمة المدنية، والبيئة، بحيث تشكل مخرجات هذه المؤتمرات الأساس الفكرى والمؤسسى للدستور الدائم وللنظام السياسى الجديد. فالسودان، بعد هذه الحرب، يحتاج إلى “عملية تأسيس وطنى” شاملة، لا مجرد انتخابات تُعيد إنتاج البنية القديمة للأزمة.

كما أن هذه المرحلة تمثل الإطار الأنسب لتدشين النظام الرئاسى-التشريعى الهجين بصورة كاملة، عبر انتخاب مؤسسات تشريعية ثنائية تمثل السكان والأقاليم معاً، وتشكيل حكومة قومية واسعة تستند إلى نتائج الانتخابات ولكن دون السقوط فى منطق “الفائز يأخذ كل شيء”. ففى المجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات العميقة، تظل الديمقراطية التوافقية البرامجية أكثر ملاءمة من الديمقراطية التنافسية الصفرية التى قد تعيد إنتاج الاستقطاب وعدم الاستقرار.

وفى هذا السياق، فإن الحكومة القومية المقترحة خلال هذه المرحلة لا ينبغى أن تكون مجرد ائتلاف سياسى عابر، بل أداة استراتيجية لتنفيذ مشروع إعادة الإعمار والتحول الاقتصادى النهضوى، خاصة عبر إعادة بناء القطاع الزراعى وربطه بمحاور النمو والمدن المنتجة فى إطار الفيدرالية التنموية. كما ينبغى أن تضطلع هذه الحكومة بقيادة عملية العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الجيش الوطنى الموحد، واستعادة علاقات السودان الإقليمية والدولية على أسس متوازنة وغير محورية.

وفوق ذلك، فإن نجاح المرحلة الثانية يظل مرهوناً بقدرة القوى المدنية الديمقراطية على التحول من مجرد “تحالف مقاومة للحرب والاستبداد” إلى “كتلة تاريخية” قادرة على بناء الدولة والتنمية معاً. فالتحدى الأكبر بعد الحرب لن يكون فقط إنهاء الصراع العسكرى، بل تأسيس نظام سياسى يمتلك الشرعية والكفاءة والقدرة على تحقيق السلام والتنمية  على المدى الطويل.

لذلك، فإن الشرعية الانتخابية المنشودة يجب ألا تُفهم باعتبارها نهاية العملية الانتقالية، بل بدايتها الحقيقية. فهى اللحظة التى تنتقل فيها البلاد من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “بناء الدولة”، ومن شرعية الضرورة إلى شرعية العقد الاجتماعى الديمقراطى الجديد. وبذلك، تكتمل معالم “الانتقال الآمن” الذى نحاجج له فى هذا المقال: انتقال يستند إلى التوافق فى بداياته، لكنه يتجه بثبات نحو تأسيس ديمقراطية مدنية مستقرة، ذات قاعدة اقتصادية وتنموية قادرة على حماية السلام والدولة معاً.

سادسًا: المخاطر المحتملة وآليات ضمان نجاح النموذج

يقوم النموذج الانتقالي المقترح – القائم على مرحلتين؛ توافقية قصيرة ثم انتخابية تأسيسية – على عديد من المزايا نذكر منها تفادي الانتقال المبكر نحو الانتخابات، وذلك بفصل المرحلة التوافقية (عام واحد) عن المرحلة الانتخابية (عامين)، مما يعالج خطأ الانتقالات السودانية السابقة التي جرت فيها انتخابات متعجلة قبل اكتمال أسس السلام وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فأعادت إنتاج الائتلافات الهشة والصراع على السلطة، كما انها تمكن من بناء شرعية متدرجة بالانتقال من شرعية الثورة/التوافق إلى شرعية دستورية انتخابية، مما يمنح النظام الجديد عمقًا شعبيًا. اضف لذلك فان النموذج يوفر مرونة التعامل مع تعقيدات الحرب، إذ يسمح التقسيم إلى مرحلتين بمعالجة استحقاقين: الحاجة إلى السرعة في وقف الانهيار (في المرحلة الأولى)، والحاجة إلى الوقت الكافي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي (في المرحلة الثانية). غير أن هذه المزايا، رغم أهميتها، لا تحجب وجود مخاطر تهدد نجاح النموذج وينبغي ادراكها والتحوط الكافي لها، وفيما يلي أبرزها.

الخطر الأول: تفكك المنظومة الأمنية والعسكرية في بيئة ما بعد الحرب

يواجه السودان واقعًا أمنيًا بالغ التعقيد يتمثل في غياب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مقابل تعدد الفاعلين المسلحين وتداخل الولاءات العسكرية والجهوية والقبلية. فالساحة تضم القوات المسلحة السودانية بتبايناتها الداخلية، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة، إضافة إلى المليشيات المحلية والقبلية والأيديولوجية. وفي ظل هذا المشهد، يصبح افتراض إنجاز إصلاح أمني شامل خلال مرحلة انتقالية قصيرة افتراضًا تحيط به التحديات، إذ إن عمليات إعادة بناء القطاع الأمني ودمج القوات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات من التدرج والضمانات السياسية والمؤسسية.

وتكمن خطورة هذا الوضع في أن أي عملية انتقال سياسي لا تسبقها سيطرة فعلية على أدوات العنف ستظل رهينة للفاعلين المسلحين القادرين على تعطيل أو إسقاط العملية السياسية متى ما تعارضت مع مصالحهم. كما أن استمرار التسلح والانقسامات العسكرية يهدد بتحويل الانتخابات المقبلة إلى ساحة تنافس جهوي وإثني مسلح بدلًا من كونها عملية سياسية مدنية قائمة على البرامج والرؤى الوطنية. ويزداد هذا الخطر مع احتمالات استمرار النزاعات المحلية وتوسعها في الأطراف في ظل ضعف سلطة الدولة وانشغال الحكومة الانتقالية بإدارة الأزمات المركزية، الأمر الذي قد يقود إلى إعادة إنتاج الحرب بأشكال متعددة، وتقويض فرص الاستقرار والتحول الديمقراطي منذ مراحله الأولي.

تتطلب مواجهة مخاطر الانقسام الأمني والعسكري التوصل إلى اتفاق أمني ملزم يسبق العملية السياسية، يقوم على تثبيت القوات في مواقع محددة تحت رقابة دولية، مع اعتماد جدول زمني واقعي ومتدرج لعمليات الدمج وإعادة الهيكلة بما يضمن منع الانهيار الأمني أو العودة إلى المواجهات المسلحة. كما يستوجب الأمر إنشاء آلية وطنية عليا للإصلاح الأمني تحت إشراف بعثة أممية متخصصة، تضم شخصيات عسكرية مهنية وتوافقية تتولى إدارة ملفات الدمج والتسريح وإعادة بناء المؤسسات النظامية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والمحاصصات. وإلى جانب ذلك، ينبغي تجريم خطاب التحريض على العنف والتعبئة المسلحة وربطه بآليات فعالة للعدالة وإنفاذ القانون، بما يمنع إعادة إنتاج الحرب أو توظيف الانقسامات القبلية والجهوية كأدوات للصراع السياسي.

الخطر الثاني: الانهيار الاقتصادي الشامل وعجز الدولة عن تمويل الانتقال

أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية الاقتصادية السودانية، شمل تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وانهيار القطاع المصرفي، وتراجع الصادرات، وتآكل قيمة العملة الوطنية، إلى جانب تفاقم الديون الخارجية وتراجع الاحتياطات النقدية. وفي ظل هذا الواقع، تواجه أي حكومة انتقالية تحديًا مزدوجًا: الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية من جهة، ومحدودية الموارد المحلية وضعف الثقة الاقتصادية من جهة أخرى.

ويكمن الخطر في أن غياب الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي قد يؤدي إلى فقدان الشرعية الشعبية للمرحلة الانتقالية، خاصة إذا ارتبطت سياسات التعافي بزيادة الأعباء المعيشية أو الارتهان المفرط للمساعدات الخارجية وشروط المانحين. كما أن استمرار التدهور الاقتصادي سيغذي بدوره دوائر العنف والتجنيد المسلح، بما يعمق الأزمة الأمنية والسياسية في آن واحد.

مواجهة مخاطر الانهيار الاقتصادي تتطلب تبني مقاربة هيكلية تعيد بناء الدولة والاقتصاد معًا، وذلك عبر إصلاح البنية الإدارية والانتقال من نموذج “الفيدرالية الزبائنية” القائم على تعدد الولايات والمحليات غير المنتجة إلى نموذج “الفيدرالية التنموية” المبني على أقاليم اقتصادية كبرى ومحليات منتجة، بما يسهم في تقليص الإنفاق الحكومي الجاري الناتج عن تضخم الجهاز البيروقراطي وتوجيه الموارد نحو البنية التحتية والخدمات والتنمية الإنتاجية. وفي السياق ذاته، ينبغي بناء اقتصاد إقليمي منتج قائم على “محاور النمو” والمدن ذات الإمكانات الاقتصادية واللوجستية مثل بورتسودان، عطبرة، مدني، الأبيض، نيالا وكسلا، بحيث تتحول هذه المدن إلى مراكز للتصنيع الزراعي والخدمات والتجارة والطاقة، مرتبطة بأحزمة إنتاجية ريفية واسعة. ويهدف هذا النهج إلى خلق ديناميات اقتصادية محلية تعزز التكامل بين الأقاليم، وتقلل الاعتماد على المركز، وتعيد تنشيط الاقتصاد الوطني عبر مشروعات إنتاجية مرتبطة بالموارد والميزات النسبية لكل إقليم.

خاتمة:

قدمنا فى هذا المقال مقاربة متكاملة لمسألة الانتقال المدنى الديمقراطى فى سودان ما بعد الحرب، تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة السودان ليست مجرد أزمة حكومات أو نُخب سياسية، وإنما أزمة بنيوية فى طبيعة الدولة والنظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى تشكل منذ الاستقلال. ولذلك، فإن الخروج من الحلقة العدمية التى ظلت تتأرجح بين الديمقراطية الهشة والاستبداد العسكرى المتطاول، لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج الصيغ القديمة ذاتها، بل يتطلب مشروعاً تأسيسياً جديداً يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس مختلفة.

وفى هذا السياق، جادل المقال بأن تثبيت الانتقال المدنى داخل ذلك “الممر الضيق” يقتضى الجمع بين ثلاثة تحولات مؤسسية مترابطة: أولها، بناء نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين يوفر الحد الأدنى الضرورى من الاستقرار التنفيذى دون التضحية بالمحاسبة الديمقراطية؛ وثانيها، الانتقال من “الفيدرالية الزبائنية” التى كرستها دولة الإنقاذ إلى “الفيدرالية التنموية” القائمة على الأقاليم والمدن المنتجة ومحاور النمو؛ وثالثها، تبنى حكومات وحدة وطنية برامجية قادرة على حمل مشروع نهضوى طويل الأمد، يتجاوز منطق المحاصصة والتنافس الحزبى الصفرى.

كما حاول المقال أن يقدم تصوراً لمسار انتقالى متدرج، يبدأ بمرحلة توافقية قصيرة الأجل تؤسس للسلام وإعادة بناء الثقة، ثم ينتقل إلى مرحلة الشرعية الانتخابية وبناء النظام السياسى الجديد. والغاية من هذا التدرج ليست إطالة أمد الانتقال، وإنما تجنب مخاطر القفز المبكر نحو انتخابات قد تعيد إنتاج الاستقطاب القديم قبل معالجة القضايا التأسيسية المرتبطة بالأمن، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والسردية الوطنية الجامعة.

وبطبيعة الحال، فإن الأطروحات الواردة فى هذا المقال لا تدّعى امتلاك “الوصفة النهائية” لمستقبل السودان، وإنما تسعى لفتح نقاش وطنى جاد حول البدائل المؤسسية الممكنة فى لحظة تاريخية فارقة من تاريخ البلاد. فالسودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقى: إما إعادة إنتاج ذات البُنى التى قادت إلى الحرب والانهيار، أو الشروع فى عملية تأسيس وطنى جديدة تستفيد من دروس التاريخ السودانى وتجارب الأمم الأخرى، وتنحاز بوضوح إلى مشروع الدولة المدنية الديمقراطية التنموية.

وبرغم جودة هذا النموذج من النواحي النظرية والتجارب التطبيقية الا انه وفي السياق السوداني لا يخلو من بعض المخاطر التي تستوجب التعاطي الايجابي معها خاصة ما يتعلق بالجوانب الأمنية والاقتصادية؛ فاستمرار الانفلات الأمني قد يعطل أي تعافٍ اقتصادي، بينما سيؤدي الانهيار الاقتصادي إلى تغذية النزاعات المسلحة وتوسيع اقتصاد الحرب. لذلك، ينبغي أن تركز المرحلة الانتقالية على ضمان تماسك المؤسسة الأمنية وبناء نماذج استقرار متكاملة في عدد من المدن والمناطق المنتجة، بحيث تُستخدم كنقاط انطلاق تدريجية لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة.

وفى هذا الإطار، يعتزم الكاتبان المضي خطوة أبعد من مستوى الطرح النظرى، عبر إجراء استبيان علمى واسع النطاق لعينة ممثلة للشعب السودانى فى الداخل والمهجر، بغرض قياس وتحليل اتجاهات الرأى العام بشأن النظام السياسى المقترح، وطبيعة النظام الفيدرالى، والمسار الانتقالى المترتب عليه، وكذلك أولويات المواطنين فى قضايا السلام، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، والعلاقة بين الشرعية السياسية والشرعية الاقتصادية. ونأمل أن تسهم نتائج هذا المسح، بما يوفره من بيانات وتحليلات علمية، فى إثراء الحوار الوطنى حول مستقبل السودان، ونقل النقاش بشأن قضايا الانتقال وبناء الدولة من مستوى الاستقطاب الأيديولوجى والانطباعات العامة إلى مستوى أكثر مؤسسية واستناداً إلى الأدلة ومعطيات الرأى العام السودانى.