
معاش السودانيين.. في مهب الجازولين
الخرطوم ، الغد السوداني – أمين محمد الأمين
لم يعد الحديث عن الزراعة في السودان مجرد نشاط اقتصادي عابر، بل هو ‘صمام الأمان’ الأخير لما تبقى من معاش الناس. وفي ظل غياب السياسات التحفيزية وتلاشي منظومة الكهرباء، يطل ‘خطر الفشل’ برأسه على ملايين الأفدنة المنتظرة.
يقف المزارع السوداني اليوم في مواجهة ‘حرب معلنة’ ضد الوقت والظروف المعقدة لتأمين قوت يومه. ومع اقتراب موسم الزراعة، تبرز معضلات التقاوي المفقودة والوقود الذي أصبح سلعة للمضاربة، لتضع الأمن الغذائي للبلاد على المحك.
غياب تام
حذر الخبير الاقتصادي الدكتور هاشم رحمة، من فشل ذريع يهدد الموسم الزراعي الحالي (بشقيه المروي والمطري)، في ظل ما وصفه بـ “الغياب التام” للدور الحكومي في دعم القطاع الزراعي. وأكد رحمة أن تقاعس الدولة عن توفير وقود الجازولين وتأمين مناطق الإنتاج، وضع المزارع السوداني في مواجهة مباشرة مع “سماسرة الوقود” والمضاربين، مما رفع تكاليف الإنتاج إلى مستويات فلكية.
المقصلة الموازية
وأوضح د. رحمة في إفادة صحفية، أن الاعتماد الكلي للمزارع على المحركات التي تعمل بالوقود في ظل انقطاع التيار الكهربائي وتدمير البنية التحتية، خلق سوقاً موازياً تخضع فيه أسعار المشتقات البترولية للمضاربات بعيداً عن الرقابة الرسمية. وأضاف: “هذه التجاوزات لم تكن لتحدث لو قامت الجهات الرسمية بتفعيل آليات توزيع عادلة للوقود بالسعر المحدد للدولة، لكن ابتعاد المسؤولين عن معاناة المزارع أدى إلى تحويل الوقود من مدخل إنتاج إلى سلعة للمضاربة”.
الثورة البديلة
وانتقد رحمة ما وصفه بـ “كسح التفكير الإداري” وتجاهل البدائل المتاحة، مشيراً إلى أن الحل الأمثل لزيادة الرقعة الزراعية وخفض التكاليف يكمن في الاعتماد على “الطاقة الشمسية” و”طاقة الرياح”. ودعا رحمة رئيس مجلس الوزراء إلى اتخاذ قرار فوري بإعفاء ألواح الطاقة الشمسية وملحقاتها من كافة الرسوم الجمركية والضرائب، للسماح للشركات والمواطنين باستيرادها سريعةً لتكون البديل الجاهز للخراب الذي طال قطاع الكهرباء.
أولويات المعاش
وفي رسالة وجهها لرئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، طالب رحمة بضرورة التفرغ التام لملف “معاش الناس” والإنتاج الزراعي، وإعادة حصر المصانع المنهوبة وتأهيلها في الولايات المتأثرة، والابتعاد تماماً عن المحاور السياسية والحوارات الحزبية التي “لا مكان لها في وقت الحرب”. كما شدد على ضرورة اهتمام المكون العسكري بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بحسم التمرد وتفعيل القانون ضد المحرضين والمتورطين في الانقلاب عبر الإنتربول الدولي.
التخطيط الوطني
واختتم الدكتور هاشم رحمة إفادته بالدعوة إلى الاعتماد على الكفاءات الوطنية المؤهلة، مقترحاً الاستعانة بخبراء التخطيط الاستراتيجي، وعلى رأسهم البروفيسور حسين أبو صالح، لقيادة المرحلة القادمة بعيداً عن التجارب السابقة التي أدت إلى تدهور قيمة العملة الوطنية وانهيار الخدمات، مؤكداً أن السودان يمتلك من الموارد والكفاءات ما يكفيه لتحقيق النهضة إذا ما وظفت الإرادة الوطنية بشكل صحيح.
خلاص القول
يبقى الرهان على الموسم الزراعي الحالي هو رهان على ‘البقاء’ قبل أن يكون رهانًا على الأرباح. إن الحلول التي طرحها الخبراء، وعلى رأسها التحول نحو الطاقة البديلة وتفعيل الرقابة الصارمة على مدخلات الإنتاج، ليست مجرد خيارات تقنية، بل هي ‘إرادة وطنية’ مطلوبة وبشدة لتجاوز عنق الزجاجة. فهل تلتقط الحكومة القفاز وتتحرك قبل أن تصبح الأرض بائرًا والخبز بعيد المنال؟”
