سقوط الفراشة واهتزاز الجبل؟!
الجميل الفاضل يكتب:
“شميم مافي” فراشةٌ إيرانيةٌ ملوّنة، عابرةٌ للقارات.
نسج جناحاها الزاهيان تحت جنح الظلام في مسقط، ثم أُسقِطت أمس في مطار لوس أنجلوس، قبل أن تُحلّق في آخر رحلاتها نحو أنقرة، مضمّخةً بروائح البارود التي كانت تهبّ بها رياح هذه الحرب نحو عروس البحر الأحمر… بورتسودان.
في لوس أنجلوس، لم يكن السقوطُ سقوطَ امرأة، بل سقوطَ شبكة، وصوتَ حبلٍ يشتدّ حول أعناقٍ بعيدة.
فالفراشة حين تسقط، لا تموت دائما وحدها.
إذ بسقوطها اهتزّ جبل الرماة.
وانكشفت خيوطٌ كانت تمتدّ تحت البحار، وتصعد مع الريح، وتدخل البيوت من أبوابٍ ليست أبوابها.
علي أية حال، “شميم”، سيدةٌ في الرابعة والأربعين من عمرها، واسعة الحيلة والجمال، ظلّت تمشي كسرابٍ لامع على “الغرين كارد” منذ عام 2016، تدير من وراء ابتسامتها المخاتلة شركة «أطلس إنترناشيونال» المسجّلة في عُمان.
صفقةٌ واحدة تجاوزت، على وقع أنامل شميم، سبعين مليون دولار: طائرات “مهاجر-6” المسلحة، وخمسة وخمسون ألف صاعق قنبلة، وملايين الرصاصات… كلّها كانت تتجه سرّاً إلى وزارة الدفاع السودانية، عبر اتصالات مباشرة مع وزارة الاستخبارات الإيرانية بين عامي 2022 و2025.
سبعون مليون دولار، لم تكن رقماً، بل نبضاً معدنيّاً يسري في شرايين حربنا.
“مهاجر-6” تحلّق، صواعق، رصاص،
وموتٌ يُعبّأ بعناية في صناديقٍ أنيقة.
كل ذلك كان يعبر هادئاً، تحت أعينٍ لا ترى أو لا تريد أن ترى.
سقطت هكذا فجأةً نجمةُ استخبارات الحرس الثوري، كاشفةً خيوطاً سرية تمتد عبر المحيطات والقارات، تربط بين طهران وبورتسودان، وبين الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك؛ رأس جبل الجليد في هذه العلاقات السرية المعقّدة مع الحرس الثوري الإيراني.
قبل أسابيع قليلة، في الثاني والعشرين من مارس 2026، هبط وفدٌ إيراني رفيع المستوى في بورتسودان، سرّاً كشبح سري ليلا في الظلام.
جاء عبر دولتين آسيويتين ليُخفي أثره، ثم اجتمع في منزلٍ آمن مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وأحمد هارون، وبعض قيادات الحركة الإسلامية.
نقل الوفد رسالة إشادة من طهران، وناقش تفعيل اتفاقيات عسكرية قديمة، وإنشاء منشأة بحرية إيرانية في منطقة أوسيف على البحر الأحمر.
اجتمعوا، تبادلوا الهمس، وقّعوا على الهواء، وتحدّثوا عن بحرٍ قد يصبح مرآةً لسفنٍ غريبة قادمة.
كان لقاءً يشبه زواجاً في العتمة: طرفان يخافان الضوء، ويثقان في الليل أكثر من الحقيقة.
عموماً، في قلب هذا التحالف يقف لواء البراء بن مالك، الذراع المسلّح للحركة الإسلامية. عناصره ليسوا مجرد مقاتلين؛ إنهم تلاميذ مدرسة الحرس الثوري الإيراني بامتياز. تدرّبوا على يديه، وتلقّوا دعمه استخباراتياً ولوجستياً، ثم تناسلوا حتى أصبحوا أكثر من عشرين ألف مقاتل، لا يساندون الجيش في الحقيقة، بل يعملون على استعادة عرش سلطتهم تحت ستار هذه الحرب ذاتها.
في مارس 2026، صنّفت الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء منظمتين إرهابيتين، لاستخدامهما العنف المفرط ضد المدنيين، وارتباطهما الوثيق بطهران.
ومنذ ذلك التاريخ، صار الجيش يحمل في جسده المنهك سماً بطيئاً: سلاحٌ إيراني يعزّز قدراته اليوم، لكنه يهدد شرعيته المزعومة اليوم وغداً.
بيد أن سقوط سيدة أعمال مثل “شميم مافي” يمثل سقوطاً لجسرٍ ناعم، وحلقة وصلٍ رقيقة، بسقوطها يقف الجيش الآن بين نارين: نار الحاجة العسكرية إلى الطائرات المسيّرة التي يأمل أن تغيّر موازين معاركه، خاصة بعد إلغاء صفقة السلاح الباكستانية التي عوّل عليها، ونار العزلة الدولية التي باتت تحلّق بجدية فوق رأسه.
فكل صفقة جديدة مع طهران ستضيف، لا محالة، حجراً جديداً إلى جدار العقوبات الأمريكية.
داخلياً، ثمّة ضباط إسلاميون يرون في “البراء” وإيران حليفاً أيديولوجياً، يعملون بجد لتحويل هذا الجيش بالكامل إلى ذراعٍ لمشروع إقليمي أكبر، غير آبهين بمصير شعبٍ ظلّ يئنّ تحت وطأة هذه الحرب منذ أبريل 2023.
إنه جيشٌ يكاد يكتب بيده اسمه في قوائم الإرهاب، بحبر ارتباطه العميق بلواءٍ مصنّفٍ كمنظمةً إرهابيةً أجنبية.
في لوس أنجلوس، اكتملت أمس، بسقوط هذه الفراشة الإيرانية في قبضة العدالة الأمريكية، حلقةُ لفّ الحبل حول كثير من الأعناق التي جالست وفداً تسلّل ليلاً إلى بورتسودان.
المهم، فكل رصاصة إيرانية يطلقها هذا الجيش اليوم قد تتحوّل غداً إلى دليل إدانة كبرى أمام العالم، وكل تحالف سري يُنسج مع خفافيش تتطاير في مثل هذا الظلام قد يصبح هو نفسه فخاً حديدياً يُغلق الأبواب أمام هذه الحركة، وكتائبها، بل وجيشها إلى الأبد.
إذ كل سرٍّ يُنسج في العتمة قد يتحوّل هو نفسه إلى قفصٍ من حديد.
وحينها، لن يكون السؤال: من أول من أطلق النار؟
بل: من نسج من هذا الليل الطويل، قميصا وازار، ولماذا؟.
