حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة “الهولوكوست المنسي
نبض قلم
رد على مقال دكتور الوليد مادبو
عادل تاج الدين جار النبي يكتب
في لحظات الاضطراب، لا يعود التاريخ مجرد ذاكرةٍ للفهم، بل يتحوّل إلى ساحةٍ للصراع. تتكاثر القراءات، وتتصادم السرديات، ويغدو الماضي مادةً خامًا يعاد تشكيلها لخدمة معارك الحاضر. وفي قلب هذا الجدل السوداني المحتدم، تقف المهدية بوصفها واحدة من أكثر القضايا إثارةً للانقسام: بين من يرفعها إلى مقام “الهولوكوست المنسي”، ومن يسعى إلى تفكيك هذا الوصف ورده إلى سياقاته الأيديولوجية.
غير أن الانحياز لأيٍّ من هذين الطرفين لا يقود إلى الحقيقة، بل يبتعد عنها. فالمهدية، في جوهرها، ليست قصة إدانة مطلقة ولا ملحمة تبرئة كاملة، بل تجربة تاريخية مركّبة، تتقاطع فيها السياسة بالدين، والسلطة بالمجتمع، والطموح الإنساني بالعنف الواقعي. ومن هنا، فإن اختزالها في سردية واحدة، أيًّا كان اتجاهها، لا يُنصفها ولا يُفسّرها.
لا أحد ينكر أن فترة الدولة المهدية (1881–1898) كانت مرحلة فاصلة فى تاريخ السودان. فقد شهدت البلاد حروبًا داخلية، ومجاعات مدمّرة، وأوبئة واسعة، في ظل انهيار اقتصادي ومؤسسي. هذه حقائق لا خلاف حولها. لكن الإشكال يبدأ حين تُختزل هذه الوقائع في توصيفٍ واحد: “إبادة عرقية ممنهجة” استهدفت جماعات بعينها. هنا ينتقل النقاش من التاريخ إلى الخطاب.
فمصطلحات مثل “الإبادة الجماعية” و”التطهير العرقي” تنتمي إلى سياق الدولة الحديثة، حيث تتوفر أدوات التخطيط والتنفيذ المنهجي. أما الدولة المهدية، فقد نشأت في بيئة هشّة، بموارد محدودة، وفي سياق صراع مفتوح، ما يجعل إسقاط هذه المفاهيم عليها أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، إن لم يكن إعادة نظر كاملة.
في هذا الإطار، يبيّن بروفسور محمد إبراهيم أبو سليم أن المهدية لم تكن مشروعًا قبليًا ضيقًا، بل حركة دينية سياسية استوعبت مجموعات متعددة من مختلف أقاليم السودان. كما يرى بروفسور محمد سعيد القدال، في قراءاته العميقة لتاريخ المهدية، أنها بدأت كثورة اجتماعية ضد الحكم التركي المصري، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى دولة مركزية مارست القمع لضمان بقائها، لا في إطار مشروع عرقي محدد.
ومن زاوية أخرى، يقدّم الأستاذ الدكتور حسن أحمد إبراهيم قراءة دفاعية رصينة، تعيد الاعتبار للمهدية بوصفها حركة تحرر وطني ذات أبعاد دينية واجتماعية، وتفكك كثيرًا من الصور النمطية التي رسّختها الكتابات الاستعمارية. كما يذكّر بروفسور يوسف فضل حسن بأن العنف في السودان لم يبدأ مع المهدية، بل كان امتدادًا لتراكمات تاريخية سابقة، ما يمنع تحميلها وحدها وزر ما جرى.
وفي السياق ذاته، يشير بروفسور سيد أحمد العقيد إلى أن سياسات الدولة، بما فيها إعادة تنظيم المجتمع وتعزيز المركزية، كانت جزءًا من محاولة فرض الاستقرار في بيئة مضطربة، لا خطة لتصفية جماعات بعينها، وهو ما يعززه في كتابه “الخليفة الشهيد عجز الحفدة وسفالة العملاء”. كما يدعو بروفسور فيصل محمد موسى إلى قراءة منهجية مركّبة، توازن بين المصادر المختلفة، وتتجنب الوقوع في ثنائية القبول أو الرفض المطلق.
ومع ذلك، فإن تفكيك سردية “الهولوكوست المنسي” لا يعني نفي العنف الذي شهدته تلك المرحلة. فالمهدية، كغيرها من التجارب التاريخية، لم تكن خالية من الشدة و الحزم المصاحب للعزم و الحسم. لقد مارست القمع، وفرضت سياسات صارمة، وتأثرت ممارساتها بطبيعة الصراعات الداخلية، ما يعني أن أثرها لم يكن متساويًا على جميع الفئات.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية: لا يمكن وصف ما جرى بأنه مشروع إبادة عرقي ممنهج، لكن لا يمكن أيضًا الادعاء بأن العنف كان محايدًا بالكامل. الحقيقة، كما هي دائمًا، تقع في المنطقة الرمادية بين التعميم والنفي.
أما الأرقام التي تُستدعى لإثبات سردية “الإبادة”، فهي بدورها تحتاج إلى قراءة نقدية، إذ إن كثيرًا منها ورد في مصادر استعمارية كُتبت في سياق صراع سياسي، ولم تكن خالية من التحيّز. ومع ذلك، فإن رفضها بالكامل لا يقل خطورة عن قبولها دون تمحيص؛ فالتاريخ لا يُبنى على اليقين المطلق، بل على المقارنة والتحليل.
لكن الأخطر من كل ذلك، ليس في اختلافنا حول الماضي، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. فعندما يتحوّل التاريخ إلى خطاب تعبوي، يُعاد إنتاجه في صورة “نحن” و”هم”، فإنه يفقد قيمته المعرفية، ويصبح أداة لإعادة إنتاج الأزمات.
الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب، أن أزمة السودان لم تكن يومًا صراع قبائل بقدر ما كانت أزمة دولة: دولة فشلت في بناء عقد اجتماعي عادل، واحتكرت فيها النخب السلطة والثروة، وأدارتها بمنطق الغلبة لا الشراكة.
المهدية، إذن، ليست قصة بطولة مطلقة ولا مأساة خالصة، بل تجربة إنسانية معقّدة، تختلط فيها النوايا بالنتائج، والإيمان بالقوة، والمثال بالواقع. ومن يختزلها في سردية واحدة، إنما يختزل التاريخ نفسه.
وفي النهاية، يبقى السؤال: هل نقرأ التاريخ لنفهمه، أم لنستخدمه؟
فالفرق بين الفهم والتوظيف، هو الفرق بين أمة تتعلّم من ماضيها، وأخرى تعيد إنتاج مآسيه.
