الدبة والفرصة التي مرت كالغيم
ابراهيم سالكا يكتب..
في الجغرافيا هناك اماكن تولد وفي كفها قدر مختلف ومدينة الدبة واحدة من تلك الاماكن التي لو قرأها القادة بعين المستقبل لا بعين اللحظة لكانت اليوم مدينة اخرى تماما مدينة تنظر الى الغد بثقة وتضع قدمها في خارطة المدن الصاعدة ولكن ما حدث كان شيئا مختلفا تماما فقد مرت اللحظة التاريخية كما تمر السحابة فوق ارض عطشى ثم تمضي دون ان تترك قطرة
الدبة ليست مجرد مدينة على ضفاف النيل بل هي عقدة جغرافية نادرة نقطة التقاء بين الشمال والغرب ونافذة مفتوحة على الصحراء الكبرى وممر طبيعي للتجارة والعبور والاقتصاد لو ان العقل الذي يدير الشأن العام كان عقلا يقرأ الخرائط بعين الاقتصاد لا بعين المصالح الضيقة لكانت الدبة اليوم بوابة اقتصادية كبرى تربط السودان بعمقه الافريقي والعربي ولأصبحت ميناء بريا نابضا بالحياة ومحطة للتجارة العابرة بين الشمال والغرب
لقد زرت وتأملت المكان بعين الباحث عن المعنى لا بعين العابر فوجدت ان الطبيعة نفسها قد منحت هذه المنطقة كل اسباب النهوض فالنيل حاضر والارض قابلة للعطاء والموقع استراتيجي والتاريخ شاهد على ان القوافل كانت تعبر هذه الدروب منذ قرون لكن الذي غاب هو الرؤية وغاب معه المستقبل
ان المدن لا تنهض بالموارد وحدها بل تنهض بالعقول التي ترى ما وراء اللحظة وبالقيادات التي تدرك ان دورها ليس ادارة الحاضر فقط بل صناعة الغد غير ان ما حدث في كثير من مفاصل الادارة كان شيئا اخر فقد اختصر بعض الذين يتسنمون المواقع القيادية الحياة في ذواتهم الضيقة وكأن المدينة ملك خاص وكأن المستقبل ارث شخصي يوزع بين الدوائر الضيقة
وهكذا تحولت الفرصة الى ذكرى وتحولت اللحظة التاريخية الى حسرة
لقد كان يمكن للدبة ان تكون واحدة من مدن المستقبل مدينة للنقل والتجارة والخدمات الزراعية ومركزا لوجستيا يربط الشمال بالغرب والداخل بالخارج وكان يمكن ان تقوم فيها مناطق صناعية تعتمد على الانتاج الزراعي والحيواني الهائل في تلك الجهات وكان يمكن ان تكون محطة عالمية لعبور البضائع القادمة من غرب افريقيا نحو موانئ البحر الاحمر
لكن حين تضيق الرؤية تضيع المدن
ولعل اكثر ما يؤلم في هذه الحكاية ليس ضياع الفرصة وحده بل ضياع الزمن نفسه فالتاريخ لا يمنح اللحظات مرتين والفرص الكبرى لا تقف طويلا على ابواب المدن بل تمر مرور الرياح فمن التقطها صنع مجده ومن اضاعها كتب على نفسه التأخر
وفي خضم هذه الحسرة يطل علينا حديث متكرر عن المؤتمرات والندوات ومؤتمر الخبراء الذي كثر حوله الكلام وقيل انه سيضع خارطة طريق للنهوض والتنمية غير ان التجارب علمتنا درسا قاسيا وهو ان المؤتمرات وحدها لا تصنع نهضة اذا لم تكن وراءها ارادة حقيقية
كم من مؤتمر انعقد في بلادنا وخرجت منه توصيات بديعة وعبارات رنانة لكنها انتهت الى رفوف الارشيف ونامت في ادراج المكاتب حتى اصبحت جزءا من ذاكرة الورق لا من حركة الواقع
ان مشكلة التنمية في بلادنا ليست نقص الخبراء فالسودان مليء بالعقول القادرة على التفكير والتخطيط بل المشكلة في البيئة التي لا تسمح للفكرة ان تتحول الى مشروع ولا للرؤية ان تتحول الى واقع
مؤتمر الخبراء اذا لم يكن بداية لفعل حقيقي فسوف يصبح مجرد محطة اخرى في سلسلة طويلة من الاجتماعات التي تستهلك الزمن دون ان تغير شيئا في حياة الناس
فالمدن لا تبنى بالخطابات بل بالقرارات الشجاعة ولا تنهض بالندوات بل بالمشاريع التي ترى النور على الارض
وما لم يحدث تحول حقيقي في طريقة التفكير وفي فلسفة ادارة الموارد فإن الحديث عن النهضة سيبقى مجرد حكاية جميلة تروى في المناسبات
ان الحسرة الحقيقية ليست على الماضي وحده بل على المستقبل الذي ما زال مهددا بالضياع اذا استمرت ذات العقلية التي ترى القيادة غنيمة لا مسؤولية وترى الموقع سلطة لا رسالة
فالدبة ما زالت تقف على مفترق طرق والتاريخ لم يغلق صفحته تماما بعد لكن النافذة تضيق مع مرور الوقت والعالم من حولنا يتحرك بسرعة مذهلة ومن لا يركب قطار الزمن سيجد نفسه واقفا على الرصيف يراقب الآخرين وهم يمضون
لقد اضاعت مدن كثيرة في تاريخ العالم فرصها حين غلبت المصالح الصغيرة على الرؤية الكبيرة لكن المدن الذكية هي التي تتعلم من اخطائها وتنهض من جديد
ويبقى السؤال الكبير الذي يجب ان يطرحه اهل الدبة قبل غيرهم
هل نريد ان نكون مدينة تعيش على ذكريات الفرص الضائعة ام مدينة تصنع فرصها بوعي جديد ورؤية جديدة
لان التاريخ في نهاية المطاف لا يذكر الذين تحدثوا كثيرا بل يذكر الذين فعلوا شيئا يغير وجه الحياة
ولعل اكثر ما يوجع القلب ان اللحظة التي كان يمكن ان تكون بداية لنهضة كبرى مرت بين ايدينا ثم مضت بهدوء كأنها لم تكن
وكأن التاريخ وقف قليلا عند ابواب الدبة ينتظر من يفتح له الباب ثم حين طال الانتظار مضى في طريقه تاركا خلفه مدينة تجلس على ضفة النيل وتتساءل في صمت
كيف ضاعت تلك اللحظة
