نحو تيار وطني ديمقراطي في السودان

ليس جديدًا القول إن السودان بلد الحروب المزمنة، لكن الجديد – وربما الأخطر – هو أن هذه الحروب لم تعد مجرد أزمات عابرة، بل تحولت إلى “بنية مستدامة” تعيد إنتاج نفسها، مهما تغيرت الأنظمة وتبدلت الشعارات.

منذ الاستقلال في 1956، لم يكن الصراع في السودان مجرد تنافس على السلطة، بل كان صراعًا عميقًا حول تعريف الدولة نفسها؛ من يحكم؟ وبأي هوية؟ ولصالح من تُدار الموارد؟

في كل الحروب التي مر بها السودان، من الجنوب إلى دارفور إلى المنطقتين، تتكرر معضلة واحدة (دولة مركزية لم تستوعب تعددها).

اتفاقيات السلام، مثل اتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005، لم تفشل لأنها سيئة الصياغة فقط، بل لأنها تعاملت مع الأعراض، لا مع المرض.

المرض هو غياب الاعتراف الجذري بأن السودان ليس كتلة واحدة متجانسة، بل فضاء متعدد الهويات، الثقافات، والأعراق.

فحين حملت الحركة الشعبية لتحرير السودان السلاح بقيادة دكتور جون قرنق، لم يكن الهدف فقط إسقاط نظام، بل إعادة تعريف السودان على أسس “السودان الجديد”.

لكن حتى هذا المشروع الذي مثل للرفاق “شمالاً وجنوبًا” وعد إنهاء الحرب وبداية التخلص من دولة الحزب الواحد والانتقال إلى مشروع الدولة المدنية والمواطنة، انتهى إلى انفصال جنوب السودان، في إشارة إلى فشل النخبة السودانية – شمالًا وجنوبًا – في إدارة التنوع داخل دولة واحدة.

اليوم، يتكرر المشهد بشكل مختلف؛ صراع داخل المركز نفسه، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.

لكن هذا الصراع، رغم مظهره السلطوي، يظل امتدادًا لنفس الأزمة البنيوية، من يملك الدولة؟

في قلب هذا المشهد المعقد، برز عامل جديد/قديم يعيد تشكيل الصراع، وهو دور الحركة الإسلامية في السودان، المرتبطة تاريخيًا بنظام عمر البشير.

تتهم تقارير دولية وإقليمية هذه التيارات بالسعي للعودة إلى السلطة عبر التحالف مع المؤسسة العسكرية، مستفيدة من حالة الحرب والانهيار السياسي. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عناصر مرتبطة بها استعادت حضورًا مؤثرًا داخل بنية القتال، سواء عبر شبكاتها التنظيمية أو من خلال تشكيلات شبه عسكرية.

من بين أبرز هذه التشكيلات ما يُعرف بـ لواء البراء بن مالك، الذي يُشار إليه في تقارير متعددة كقوة تقاتل إلى جانب الجيش، وتُتهم بتلقي دعم وتدريب خارجي، بما في ذلك ارتباطات محتملة مع الحرس الثوري الإيراني.

في السياق ذاته، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 تصنيف جماعة الإخوان في السودان كتنظيم إرهابي، متهمة إياها بتقويض فرص السلام، والانخراط في أعمال عنف ضد المدنيين.

هذه الاتهامات – سواء ثبتت بالكامل أو ظلت محل جدل – تعكس حقيقة سياسية أعمق هي أن الحرب لم تعد فقط صراعًا بين جيشين، بل ساحة لإعادة تموضع قوى قديمة تسعى لاستعادة نفوذها.

إذا صح أن هذه القوى ترى في الحرب فرصة للعودة، فإن ذلك يكشف عن تحول خطير بتحويل الصراع من معركة حول مستقبل الدولة إلى معركة لإعادة إنتاج النظام القديم بأدوات جديدة.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل ما يجري هو حرب لإنهاء نفوذ قوات الدعم السريع، أم حرب لإعادة تشكيل السلطة داخل الدولة العميقة؟

وللإجابة لا يمكننا ترتيب المشهد بقراءة هذا التشابك دون النظر إلى الأبعاد الإقليمية.

السودان ظل ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، ومع كل ضعف داخلي، تتوسع فرص التدخل الخارجي.

الحديث عن علاقات براغماتية بين أطراف سودانية وقوى إقليمية – بما فيها إيران – يعكس نمطًا متكررًا في تاريخ الصراع “الداخل المنقسم يستدعي الخارج، والخارج يعمق الانقسام”.

وهذا يقودنا إلى تسائل هو الأهم، لماذا تفشل النخب؟

في تقديري النخبة السودانية، المدنية والعسكرية، وقعت في أخطاء متراكمة أولها تأجيل سؤال الهوية، وإدارة الصراع بدل حله.

ومع عودة قوى النظام السابق إلى المشهد، يصبح الانتقال الديمقراطي مهددًا ليس فقط بالعسكر، بل أيضًا بإعادة تدوير الاستبداد.

إذا كانت الحرب الحالية تكشف شيئًا، فهو أن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى إعادة تأسيس كاملة لفكرة الدولة.

تبداء بالاعتراف الجذري بالتعدد. ليس كشعار، بل كأساس دستوري ملزم.

وبناء جبهة مدنية واسعة. تتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي، وتضع هدفًا واحدًا وهو إنهاء الحرب.

وتفكيك تحالفات الحرب. سواء كانت عسكرية أو أيديولوجية أو خارجية.

ثم استعادة السياسة من السلاح. فلا ديمقراطية ممكنة في ظل تعدد الجيوش أو اختراقها من قوى سياسية أول بقائها في مضمار السياسة. تحقيقًا لشعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”

فاليوم حل المليشيات أصبح مطلبًا أكثر إلحاحًا مما مضى.

ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل صراع على شكل الدولة نفسها.

ومع دخول فاعلين “جدد، قدامى” إلى ساحة المعركة، تزداد المخاطر بأن تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج الماضي.

السؤال الحاسم لم يعد: من سينتصر؟

بل: أي سودان سيخرج من رحم هذه الحرب؟