رجال تلهيهم تجارتهم عن حبيباتهم ..رجال لايعول عليهم
مكارم جميل تكتب ..
في البداية .. لا يدخل الرجل حياته متأبطًا نية الإهمال، بل يحمل جدولًا مزدحمًا، ووعودًا مؤجلة، وحلمًا كبيرًا يظن في سذاجته الجميلة أنه يبنيه من أجل إمرأه.ثم، شيئًا فشيئًا، يتسع الفاصل.
لا بين يومٍ وآخر، بل بين كلمةٍ وأخرى، بين “سأتصل لاحقًا” التي لا تأتي، و”أنا مشغول” التي تصير لغةً كاملةً للحب.
هؤلاء الرجال، لا يخونون بالمعنى الفجّ الذي نعرفه،لكنهم يرتكبون خيانةً من نوعٍ آخر.. خيانة الحضور. يظنون أن الحبّ يمكن أن يُعلّق على رفّ الانتظار،
لكن ما لا يدركونه،أن الحبّ ليس مشروعًا مؤجلًا، ولا حسابًا بنكيًا تُضاف إليه الأرباح كلما نجحوا أكثر.
الحبّ، في جوهره، فعلُ حضور.تجلس هي، لا تنتظر المستحيل،
فقط بعض الوقت الذي لا يُسرق منها،بعض الكلام الذي لا يأتي متعبًا،بعض الاهتمام الذي لا يُمنح على عجل، كمن يؤدي واجبًا.
تدرك في لحظةٍ صافية،أنها لا تنافس عمله، ولا طموحه، ولا صفقاته.. بل تنافس “اللامبالاة” التي تغلّف كل ذلك.
وهنا، يبدأ التآكل.لا بالصراخ، ولا بالدراما، بل بصمتٍ دافئ في ظاهره،باردٍ في أعماقه.تصير أقلّ سؤالًا،أقلّ عتابًا،أقلّ رغبةً في أن تُرى.
وتلك هي اللحظة الأخطر:حين تتعلّم المرأة أن لا تحتاجك.
رجالٌ تلهيهم تجارتهم عن حبيباتهن،لا يفهمون أن النجاح الذي لا يُشارك،يتحوّل إلى عزلةٍ مُقنّعة.
يعودون يومًا، متعبين من كل شيء،ليجدوا امرأةً لم تعد تنتظرهم عند الباب،ولا في القلب.امرأةً تعلّمت أن تمضي،لا لأن غيره جاء،بل لأن نفسها لم تعد تحتمل البقاء في مرتبةٍ مؤجلة.
في المجتمعات التي تمجّد الرجل المنتج،يُغفر له كل شيء: غيابه، قسوته، انشغاله ،بينما تُطلب من المرأة مرونةٌ لا تنتهي،
وصبرٌ يُشبه الإنكار.لكن الحقيقة البسيطةوالقاسية.أن الحبّ لا يعيش على الفضلات الزمنية.وأن من لا يملك وقتًا لمن يحب،لا يملك في الحقيقة حبًا كافيًا.
ليس المطلوب أن يتخلّى الرجل عن طموحه،ولا أن ينكفئ عن العالم،بل أن يفهم أن هناك من لا تريد منه العالم .تريده هو.
أن يدرك أن دقيقةً صادقة،أغلى من ساعاتٍ مؤجلة،وأن كلمةً حاضرة،أصدق من وعودٍ طويلة.
رجالٌ لا يُعوَّل عليهم ، ليس لأنهم غياب ،بل لأنهم أخطأوا ترتيب الأولويات.جعلوا الحياة سباقًا،ونسوا أن هناك من كانت تريد فقط أن تمشي معهم، لا خلفهم.
ليس الغياب دائمًا رحلةً تُرى، ولا هو سفرٌ تُحزم له الحقائب، هو أدقّ من ذلك بكثير؛ هو فكرةً تستبدّ المرء ، أو طموحًا يتضخّم حتى يبتلع ما حوله، أو قلقًا داخليًا لا يهدأ إلا وهو يركض خلف مزيدٍ من الإنجاز، كأنما يهرب من شيءٍ لا اسم له. هكذا، دون إعلانٍ صريح، يبدأ التحوّل: من رجلٍ كان حاضرًا بكلّه، إلى رجلٍ يمرّ كظلٍّ خفيف في حياة من يحب.
هو لا يقصد، أو هكذا يظن، يبرّر لنفسه أن ما يفعله إنما هو من أجلها، من أجل المستقبل، من أجل بيتٍ أكثر استقرارًا، من أجل حياةٍ أقل قلقًا، لكنه لا ينتبه أن هذا “المستقبل” الذي يلهث نحوه، يسرق منه الحاضر، وأن القلب الذي وعده بالطمأنينة، لا يعيش في الغد، بل يتنفس الآن، في هذه اللحظة التي يؤجلها مرةً بعد مرة.
في علم النفس، يُقال إن بعض الرجال يربطون قيمتهم الذاتية بالإنجاز، وأن الشعور بالكفاءة لديهم لا يتشكل إلا عبر العمل، عبر الأرقام، عبر الاعتراف الخارجي، ولهذا حين يزداد ضغط الحياة، لا يعودون إلى الحبّ للاحتماء، بل يبتعدون عنه، لأنهم بلا وعي يرونه مساحةً تتطلب منهم عاطفةً لا يملكون فائضها في لحظات الإنهاك. فينسحبون، لا لأنهم لا يحبون، بل لأنهم لا يعرفون كيف يكونون ضعفاء أمام من يحبون، ولا كيف يشاركون تعبهم دون أن يشعروا بأنهم يفقدون صورتهم الصلبة.
وهنا تبدأ المرأة في قراءة الغياب بطريقةٍ أخرى، لا تراه تعبًا، بل تراه فتورًا، لا تراه ضغطًا، بل تراه إهمالًا، فتقع بين تأويلين: إما أن تُقنع نفسها بأنه مشغول وسيعود، أو أن تعترف بالحقيقة المؤلمة: أنه لم يعد يراها أولوية. وبين هذين الحدّين، تتآكل ببطء.
هي لا تحتاج الكثير، لا تطلب المستحيل، فقط حضورًا لا يأتي مشروطًا، اهتمامًا لا يُنتزع، كلمةً لا تُقال على عجل، لكنها مع الوقت تبدأ في إعادة تشكيل نفسها نفسيًا؛ تقلّل سقف توقعاتها، تخفّض نبرة احتياجها، تُدرّب قلبها على الصمت، وهذا التكيّف على قسوته ،آلية دفاع معروفة، تحمي بها ذاتها من خيباتٍ متكررة، لكنها في ذات الوقت تُطفئ شيئًا حيًا فيها.
الرجل، في الجهة الأخرى، لا يرى هذا التحول، بل قد يراه راحة؛ يظن أنها “تفهمت”، أنها “نضجت”، أنها لم تعد تُثقل عليه بالطلبات، ولا يدرك أن هذا الهدوء ليس رضا، بل انسحاب داخلي، وأن المرأة حين تتوقف عن العتاب، لا تكون قد سامحت، بل تكون قد بدأت في الرحيل النفسي.
إنه سوء فهمٍ عميق بين عالمين: هو يرى الحبّ كأمرٍ ثابت لا يتأثر بغيابه المؤقت، وهي تراه ككائنٍ حي يحتاج إلى رعاية مستمرة، هو يظن أن النجاح سيعوّض كل تأخير، وهي تدرك أن بعض الأشياء لا تُعوّض إذا فُقدت في وقتها.
ومع تراكم الأيام، يتحوّل الغياب إلى نمط، والنمط إلى حقيقة، والحقيقة إلى قناعة صامتة: أن هذا الرجل، رغم كل ما فيه، لا يُعوَّل عليه عاطفيًا، ليس لأنه سيئ، بل لأنه لا يحضر حين يكون الحضور ضرورة، ولا يرى اللحظة إلا حين تصبح ذكرى.
وفي عمق هذه الحكاية، يكمن سؤال نفسي مؤلم: لماذا يهرب بعض الرجال إلى العمل كلما اقترب منهم الحبّ؟ أهو الخوف من الفشل في العلاقة؟ أم الخشية من انكشاف الضعف؟ أم أنهم تعلّموا، منذ وقتٍ مبكر، أن القيمة تُقاس بما يحققونه لا بما يشعرون به؟ ربما كل ذلك معًا، وربما أكثر، لكن النتيجة واحدة: رجلٌ ينجح في الخارج، ويخسر شيئًا في الداخل، وامرأةٌ كانت تنتظر، حتى تعبت من الانتظار.
ليس المطلوب أن يتخلّى الرجل عن طموحه، ولا أن يختار بين النجاح والحبّ، بل أن يفهم أن أحدهما لا يجب أن يكون على حساب الآخر، وأن الحضور ليس وقتًا فائضًا، بل قرار، وأن من يحب، لا يحتاج إلى ساعاتٍ طويلة، بقدر ما يحتاج إلى صدقٍ كامل في اللحظات القليلة.
في النهاية .. لا تنهار العلاقات بسبب الخيانات الكبيرة فقط، بل بسبب الغيابات الصغيرة التي لا يُلتفت إليها، بسبب “لاحقًا” التي تتكرر حتى تفقد معناها، بسبب قلبٍ انتظر طويلًا، ثم قرر بهدوءٍ شديد أن يكفّ عن الانتظار.
