استقلال التخطيط في السودان: إصلاح مؤسسي أم مغامرة اقتصادية

د. وائل فهمي يكتب ..
كغيره من القرارات التاريخية السابقة في قرار استقلال او تبعية التخطيط لوزارة المالية، فان قرار مارس ٢٠٢٦ يحمل في طياته نفس الأبعاد الإدارية والسياسية والاقتصادية السابقة في آنٍ واحد، ويمكن قراءته من زاويتين: إصلاح مؤسسي محتمل أو مخاطرة بإضعاف التنسيق التنفيذي.

مرّت مؤسسة التخطيط في السودان بتحولات هيكلية عميقة تعكس تغير الفلسفة الاقتصادية للدولة من الاستقلال وحتى القرارات الأخيرة في عام 2026. ويمكن تقسيم هذا التطور إلى محطات رئيسية توضح كيف انتقل التخطيط من “إدارة داخل وزارة المالية” إلى “سلطة سيادية مستقلة”:
١. مرحلة التأسيس (ما بعد الاستقلال مباشرة) بدأ التخطيط في السودان عبر لجان فنية تتبع لوزارة المالية، وكان التركيز منصباً على البرامج الإنمائية قصيرة الأجل (مثل “خطة السنوات العشر” في الستينيات). في هذه المرحلة، كان التخطيط مالياً أكثر منه إستراتيجياً، حيث ارتبطت المشروعات مباشرة بتوفر الميزانيات السنوية.
2. ​ظهور “وزارة التخطيط القومي” (السبعينيات والثمانينيات) حيث ​أدركت الدولة ضرورة فصل التخطيط عن الأعباء المالية اليومية، فتم إنشاء وزارة التخطيط القومي بهدف صياغة خطط متوسطة وطويلة المدى (مثل خطة السنوات الست (1977-1983). فكانت هذه المرحلة تمثل ذروة التخطيط المركزي، حيث أشرفت الوزارة على المشاريع الكبرى (الرهد، كنانة، وغيرها).
٣. مرحلة المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي (2001 – 2025) ​مع مطلع الألفية، انتقل السودان نحو مفهوم “التخطيط الإستراتيجي القومي”، حيث أُنشئ المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي ليكون الجهة العليا التي تضع الرؤى العشرية والربع قرنية (مثل الإستراتيجية الربع قرنية 2007-2031) وفق هيكل يضم خبراء وأكاديميين وممثلين للولايات، بعيداً عن السلطة التنفيذية المباشرة لوزارة المالية ​حيث بدأ التركيز على مفاهيم مثل “النمو الشامل” و”التنمية المستدامة”.
4. اعاة هيكلة التخطيط في مارس 2026 لاستقلالية الرؤية عن التنفيذ ​بإلغاء “وكالة التخطيط” بوزارة المالية وضم مهامها لـ الأمانة العامة للمجلس القومي للتخطيط ليمثل المرحلة الرابعة من الناحية المؤسسية ب​استعادة السلطة التخطيطية لتحويل المجلس من مجرد “واضع رؤى” إلى “محرك فني” يمتلك الكوادر التنفيذية (التي كانت تتبع للمالية) وذلك بهدف الدمج ومنع تضارب الصلاحيات وسد الفجوة بين صياغة الإستراتيجيات (المجلس) وتوزيع الموارد (المالية).

ونظريا، يمثل القرار الاخير تحولاً جوهرياً في هيكلية إدارة الاقتصاد القومي في السودان، وينطوي على دلالات مؤسسية واقتصادية عميقة يمكن تحليلها من عدة زوايا فنية:
١. فك الاشتباك بين “التنفيذي” و”التخطيطي”. ف​تاريخياً، كان وجود وكالة التخطيط تحت مظلة وزارة المالية يجعل عملية التخطيط “رهينة” في تنفيذها لتقديرات الموازنة الجارية والاحتياجات المالية العاجلة.
٢. ​توحيد الرؤية الاقتصادية بنقل المهام إلى المجلس القومي للتخطيط ليعني نظرياً فصل إعداد الخطط الإستراتيجية طويلة المدى عن ضغوط تقلبات توفير التمويل اليومي التي تضطلع بها وزارة المالية مما يتيح للمجلس وضع رؤى اقتصادية (مثل “رؤية السودان 2026”) بمعزل عن البيروقراطية المالية التقليدية.
3. مركزية التخطيط الإستراتيجي وما يحمله من مضمون ​ضم المهام للأمانة العامة للمجلس القومي يعزز من دور المجلس كجهة سيادية عليا تشرف على كافة القطاعات (الزراعة، الصناعة، التعدين) بدلاً من كون التخطيط مجرد إدارة داخل وزارة واحدة.
4. ​كما يسهل الدمج عملية توطين بناء وتطوير النماذج الاقتصادية الكلية الموحدة بتدفق ثابت التوقيت للبيانات من كافة الوزارات ومختلف الوحدات ذات الصلة إلى مركز تخطيط واحد، مما يقلل من تضارب البيانات ويحسن من دقة التنبؤات الاقتصادية.
5. الكفاءة الإدارية وتقليل الترهل ب​إلغاء الوكالة ودمجها بما يصب في اتجاه “الرشاقة المؤسسية” عبر منع تكرار ازدواجية الوظائف بما يساهم في خفض الإنفاق الحكومي الجاري بتحويل الكوادر الفنية إلى جسم واحد متخصص لرفع جودة المخرجات الفنية والدراسات الجدوى للمشاريع القومية.

ويمكن تلخيص نظرية القرار في إن انتقال النشاط التخطيطي من أروقة وزارة المالية (التي تهتم بالتدفقات النقدية) إلى المجلس القومي للتخطيط (الذي يهتم بالنمو الهيكلي) يضمن، على أن يكون العائد الاجتماعي والاقتصادي طويل الأمد مجديا، وليس مجرد العائد المالي السريع.

​الا ان ذلك، لا يعني اطلاقا عدم الحذر من التغيير المستقبلي مع التقلبات في الايديولوجيات الاقتصادية والسياسية والوقوع في الازمات الاقتصادية. فاداريا، سيواجه المجلس ​تحدي التنسيق في صيغة صعوبة في إلزام وزارة المالية بتوفير التمويل للخطط التي يضعها بعد أن فقدت الأخيرة سلطة “التخطيط” المباشرة في ظل الحرب المستمرة وتفاقم الحصار المالي الدولي الناتج عن العقوبات الامريكية الاخيرة.

​فنيا، ضرورة توفر الأرشيف الفني والكوادر المؤهلة ذات الصلة من الوكالة الملغاة إلى المجلس دون فقدان “الذاكرة المؤسسية” اثناء عمليات التدمير الممنهجة التي تمت اثناء سيطرة ميليشيا الدعم السريع على ولاية الخرطوم.

الا ان المخاطر والتحديات المستقبلية عديدة لنظام سياسي غير ثابت في اطار غياب دستور سيادي حتى تاريخه.

فمن ناحية، فان المجلس قد يتعرض الى مخاطر ة الانفصال بين التخطيط والتمويل إذا لم يكن هناك تنسيق قوي، في اطار تطبيع للعلاقات السياسية والمالية الدولية. فوضع خطط طموحة بلا تمويل
أو موازنات بلا رؤية تنموية سيكون عبئا ماليا على الخزينة ومن الخارج بلا عائد على ارض الواقع للشعب الذي سبقته الشعوب الاخرى لرحاب اعلى من الرخاء ولرفاهية. وهذه مشكلة كلاسيكية في كثير من الدول بتحويل المجلس، دون اعلان، الى مجرد جهة استشارية بلا تأثير بما يعني ان المجلس قد يتحول، كما في العهد البائد، إلى كيان شكلي
إذا لم يُمنح، في اطار فصل السلطات، صلاحيات حقيقية وأدوات تنفيذية فعالة تكون مرتبطة مباشرة بالقرار السياسي الكفؤ.

فتكرار تجربة مؤسسات غير فعالة بالسودان تاريخياً تعتبر معاناة من حيث إنشاء مجالس وهيئات دون تمكين حقيقي، مما يؤدي إلى تضخم مؤسسي دون نتائج.

لذلك، فان العامل الحاسم لنجاح القرار لهذا التحول لا يعتمد على القرار نفسه، بل على 3 عناصر محورية تتمثل في قوة المجلس القومي للتخطيط (صلاحيات + كفاءات) وآلية الربط مع وزارة المالية (تنسيق إلزامي وليس اختياري) ووجود مرجعية عليا (مثل مجلس اقتصادي أعلى لضبط العلاقة بين التخطيط والمالية لضمان فعالية علاقة التخطيط والمالية العامة باستدامة الاستقرار الاقتصادي).

الخلاصة
القرار في جوهره يمكن أن يكون خطوة إصلاحية مهمة، لكنه يحمل مخاطرة كبيرة. فإما أن يؤدي إلى “تحرير التخطيط” وبناء رؤية اقتصادية حقيقية أو إلى “تفكيك التنسيق الاقتصادي” وزيادة الفجوة بين الخطة والميزانية وهدم الاستقرار الاقتصادي الذي يصب في اتجاه رخاء ورفاهية المواطنيين.

رأي تحليلي مختصر:
إذا لم يُستكمل هذا القرار بإنشاء مركز اعلى قوي لاتخاذ القرار الاقتصادي (مثل مجلس اقتصادي أعلى فعّال)، فسيكون الأثر المرجح هو إعادة توزيع الضعف المؤسسي، لا معالجته كما في العهود السابقة.