“صامولة صامولة”… هل تعود الثورة عبر لجنة التفكيك؟

لم تكن عودة لجنة تفكيك التمكين في السودان مجرد إجراء إداري أو قرار تنظيمي عابر، بل بدت أقرب إلى استدعاء لحظة ثورية مؤجلة، وإحياء لملف ظل مفتوحاً في وجدان الشارع منذ سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير عام 2019.

في العاشر من ديسمبر من ذلك العام، وُلدت اللجنة بقرار استند إلى قانون أقره مجلس الوزراء، لتكون أداة تفكيك لمنظومة “التمكين” التي أرساها نظام “الإنقاذ”، الذراع السياسية والتنظيمية للحركة الإسلامية في السودان. مُنحت اللجنة حينها صلاحيات واسعة، فباشرت مصادرة أصول واسترداد ممتلكات وحل شبكات اقتصادية وسياسية معقدة، شكلت لسنوات عمود السلطة الخفي.

لكن المسار انقطع في 25 أكتوبر 2021، عندما أطاح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالترتيبات الانتقالية، وحُلت اللجنة ضمن قرارات إعادة هندسة المشهد السياسي، في خطوة رأى فيها كثيرون انتكاسة لمسار العدالة الانتقالية.

اليوم، ومع إعلان استئناف أعمال اللجنة برئاسة محمد الفكي سليمان، يتجدد الجدل، لكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيداً، يتداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي. فعودة اللجنة جاءت متزامنة مع تصنيف “الإخوان المسلمين” في السودان منظمة إرهابية، وهو تطور يفتح الباب أمام تحركات قانونية ومالية عابرة للحدود، ويمنح اللجنة غطاءً سياسياً وقانونياً أوسع.

تؤكد اللجنة أنها تمتلك قاعدة بيانات متكاملة عن شبكات التنظيم، تشمل مئات المؤسسات والشركات، وآلاف الأسماء التي شغلت مواقع في الدولة دون معايير مهنية، ضمن سياسة “التمكين” التي هدفت إلى إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد والإدارة.

وتشير تقديرات إلى أن نحو 200 كيان سياسي وأكثر من 350 شركة تجارية كانت جزءاً من هذه المنظومة، فيما تُقدر الخسائر التي تكبدها الاقتصاد السوداني بمئات المليارات من الدولارات، نتيجة الفساد المنهجي وبيع الأصول العامة.

خلال فترة عملها الأولى، نجحت اللجنة في استرداد عقارات وأراضٍ وشركات كبرى، من بينها شركات تعمل في التطوير العقاري والزراعة والخدمات المالية، بعضها كان مرتبطاً بشبكات إقليمية عابرة للحدود.

تربط اللجنة بين استمرار نفوذ النظام السابق والحرب الدائرة منذ عام 2023، متهمة عناصر من “الإخوان” بالوقوف خلفها، في محاولة للعودة إلى السلطة. وفي هذا السياق، تبدو عودة اللجنة محاولة لإعادة تعريف الصراع، ليس فقط كحرب على السلطة، بل كمعركة على بنية الدولة نفسها.

وتؤكد اللجنة أن تحقيق الاستقرار “مرهون بتفكيك التمكين بالكامل”، وهي عبارة تعكس تحول الملف من مجرد مكافحة فساد إلى مشروع إعادة بناء الدولة.

مع ذلك، لا تخلو العودة من تحديات. فالتجربة السابقة واجهت العديد من التحديات والعقبات. لكن أنصارها يرون أنها كانت الأداة الأكثر فاعلية في مواجهة “دولة الظل”.

اليوم، ومع حديث عن تعاون دولي مرتقب، وإمكانية صدور مذكرات توقيف وعقوبات جديدة، تدخل اللجنة مرحلة مختلفة، قد تكون أكثر حساسية، لكنها أيضاً أكثر تأثيراً بوقوفها في وجهة آلة القمع.

ربما الأهم في هذه العودة ليس ما ستفعله اللجنة، بل ما تمثله. فهي، بالنسبة لكثير من السودانيين، ليست مجرد لجنة، بل رمز لفكرة أن الثورة لم تُهزم، وأن مشروع اقتلاع الفساد لا يزال ممكناً.

في 2019، خرج السودانيون إلى الشوارع واعتصموا في ميدان “المدينة الفاضلة” أمام القيادة لا ليقترحوا إصلاحاً، بل ليعلنوا نهاية نظام. واليوم، مع عودة لجنة التفكيك، يبدو أن تلك اللحظة لم تُطو بعد، بل تعود بصيغة جديدة، أكثر صعوبة… وأكثر إلحاحاً.