٢٨ رمضان ..حين كُتب التاريخ بالدم
بلال بلال. يكتب ..
في مثل هذا اليوم، ٢٨ من رمضان،
لا يستحضر السودانيون مجرد ذكرى عابرة، بل يستحضرون فاجعةً غائرة في ضمير الوطن؛ يوم أُعدم فيه عدد من خيرة ضباط القوات المسلحة السودانية، عقب محاولة انقلابية فاشلة ضد نظام الرئيس عمر حسن أحمد البشير.
لم يكن المشهد عاديًا، ولا يمكن قراءته كإجراء عسكري تقليدي. فبحسب ما تداوله شهود وروايات متقاطعة، نُفذت الإعدامات على نحوٍ عاجل، وسط اتهامات بغياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي أجواء مشحونة بالخوف والترقب.
لكن ما جعل هذه الواقعة أكثر قسوة في وجدان السودانيين لم يكن فقط فقدان أولئك الضباط، بل ما تلا ذلك من صمتٍ ثقيل، وغموضٍ طويل،،
فقد ظلت أسرهم لسنوات تبحث عن إجابات:
أين دُفنوا؟ ماذا حدث في ساعاتهم الأخيرة؟
ولماذا حُجبت الحقيقة كل هذا الزمن؟
تُروى شهادات مؤلمة لم يُحسم كثير منها توثيقيًا عن ظروف دفن غامضة، وعن تعاملٍ قاسٍ لا يليق بكرامة الموتى ولا بمكانة من خدموا في صفوف الجيش،،
وبين الرواية والنفي،
بقيت الحقيقة الكاملة حبيسة الغياب!!
ومع اندلاع الثورة السودانية،
انفتح هذا الملف من جديد.
ارتفعت أصوات الأمهات والآباء، لا تطلب أكثر من حقٍ بسيط:
أن يعرفوا أين يرقد أبناؤهم، وأن يُروى ما حدث بلا خوف ولا إنكار.
كانت الثورة، في أحد وجوهها، صرخةً ضد النسيان وضد تغييب العدالة،،
إن ذكرى ٢٨ رمضان ليست مجرد حادثة في سجل الماضي، بل مرآة تعكس اختلالات عميقة في علاقة السلطة بالقانون، وفي ميزان العدالة زمن الأزمات وهي تطرح على الدولة السودانيةماضيًا وحاضراً أسئلة لا مفر منها:
كيف يُحاسَب من يملك القوة؟
وأين تقف حدود السلطة حين يتعلق الأمر بحياة الإنسان؟
وهل يمكن أن تُبنى دولة عادلة دون كشف الحقيقة كاملة، ومساءلة منتهكيها، وإنصاف الضحايا؟
اليوم،
بعد كل هذه السنوات، لا يزال ذلك التاريخ حيًا ،،،
ليس فقط في ذاكرة أسر الضباط،
بل في وجدان شعبٍ كامل، يدرك أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها،
بل بالعدل، والشفافية، والاعتراف.
٢٨ رمضان
ليس يومًا مضى،
بل جرحٌ مفتوح، ونداءٌ مستمر:
لا عدالة بلا حقيقة،
ولا مستقبل بلا ذاكرة،
