الحرمان من التعليم في السودان
الشفيع خضر يكتب ..
لا تقتصر خسائر حرب السودان على إنهيار المدن وإزهاق الأرواح، بل تمتد لتطال المستقبل. فبينما يحتفي العالم بضحكات الطلاب ونجاحاتهم، يحرم في السودان ما بين 250 إلى 300 ألف طالب وطالبة، غالبيتهم في دارفور وكردفان، من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية الموحد والمقرر في 13 أبريل/نيسان المقبل، الشهادة التي تظل بوابتهم الوحيدة نحو الجامعات والمعاهد العليا، ونحو حلم يتبدد مع أول رصاصة .الحرب جعلت التعليم في السودان رهينة جغرافية السيطرة العسكرية، ووضعت طلاب دارفور وكردفان أمام طريق مسدود، إذ لا يمكنهم الجلوس للامتحانات الموحدة داخل مناطقهم، ولا يستطيعون الانتقال إلى مناطق سيطرة الجيش.
والحرمان من التعليم لم يعد مجرّد نتيجة عَرَضية للحرب، بل بات جزءًا من معادلة الصراع السياسي والعسكري، وسلاحا يستخدمه طرفا النزاع. فوزارة التربية والتعليم الاتحادية، في بورتسودان، لا تستطيع إقامة مراكز للامتحانات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، لأسباب بديهية، وأعلنت أنها لن تسمح بإرسال أوراق الامتحانات إلى تلك المناطق بسبب عدم القدرة على تأمينها. وترى أن الحل المتاح أمام الطلاب في مناطق سيطرة الدعم السريع هو انتقالهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش للجلوس للامتحانات. غير أن هذا الطرح، رغم بساطته الظاهرية، لا يعالج المشكلة عمليًا. فالطالب المتحمس لخوض هذه المغامرة، سيواجه طرقًا موبوءة بالمخاطر، وإجراءات أمنية مشددة، وتكاليف سفر وإقامة لا تستطيعها معظم الأسر بعد أن استنزفتها الحرب اقتصاديًا ونزوحًا، ناهيك عن الخطر المحدق بالطالبات بشكل خاص.
وفي المقابل، تمنع قوات الدعم السريع الطلاب من السفر إلى مراكز الامتحانات في مناطق سيطرة الجيش، وأعلنت عن تنظيم امتحان موازٍ في مناطق سيطرتها، في خطوة تبدو للوهلة الأولى حلاً إنسانيًا، لكنها تحمل في طياتها قنبلة موقوتة مهددة لوحدة السودان. كما أنها تواجه إشكالاً جوهريًا يتمثل في احتمال عدم الاعتراف بهذه الشهادة، ليس فقط داخل السودان، بل أيضًا على المستوى الدولي، كما بادر وأعلن الاتحاد الأوروبي. وهكذا، يجد الطالب السوداني في مناطق سيطرة الدعم السريع نفسه أمام خيارين مرّين: إما الامتحان في منطقته والحصول على شهادة بلا اعتراف محلي أو دولي، أو المخاطرة بحياته سعياً وراء
شهادة معترف بها قد لا يصل إليها أبداً
الطلاب، ومن جهة أخرى، قد يشكل مدخلاً لتقارب سياسي بين هذه القوى نفسها، في مواجهة حالة التشرذم التي تعاني منها اليوم، ويعيد ربطها بهموم الناس اليومية، بدلاً من انشغالها بالمصالح السياسية الضيقة. والانخراط في قضية تمس حياة الناس مباشرة يمكن أن يعيد ربط العمل السياسي بقواعده الاجتماعية، ويعيد تعريف السياسة بوصفها وسيلة لخدمة المجتمع لا مجرد صراع على السلطة. ففي نهاية المطاف، جوهر السياسة ليس التنافس على المناصب، بل الاستجابة لتطلعات الناس، وبناء الحاضر والمستقبل. واليوم، يقف مستقبل جيل كامل من السودانيين على المحك. وإذا لم تُبذل جهود عاجلة لإنقاذ امتحانات الشهادة السودانية من قبضة الحرب، فإن الخسارة لن تكون تعليمية فحسب، بل وطنية أيضًا. صحيح النفط والذهب ثروة ضرورية للتنمية، لكن العقول السودانية هي الثروة الحقيقية التي إن ضاعت، فسيضيع السودان.
