قساوسة أمبتارا.. بركة جاهزة للحرب من جوة المكتب البيضاوي

نبض قلم

عادل تاج الدين جار النبي  يكتب ..

المشهد الذي ظهر فيه عدد من القساوسة وهم يحيطون بالرئيس داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، رافعين أيديهم بالدعاء ومباركين قراراته في لحظة توتر أو مواجهة محتملة مع إيران، لم يكن مجرد لحظة دينية عابرة كما قد يبدو للوهلة الأولى. ففي السياسة، للصور دلالاتها، وللرموز رسائلها، وما يجري في مثل هذه اللحظات يتجاوز حدود الطقس الديني ليصبح جزءاً من المسرح السياسي الذي تُبنى عبره الشرعية وتُخاطَب به الجماهير.
في الوعي الشعبي السوداني، هناك تعبير ساخر وناقد يصف مثل هذه الحالات بـ “قساوسة أمبتارا”؛ وهو وصف يُطلق على رجال دين يُنظر إليهم باعتبارهم أقرب إلى دوائر المال و الجاه و السلطة من قربهم إلى دورهم الأخلاقي المستقل “مشتقة من فكى أمبتارى”. فبدلاً من أن يكون الدين ضميراً ناقداً للسلطة، يتحول أحياناً إلى مظلة رمزية تُستخدم لتزكية قراراتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات كبرى مثل الحرب أو الصراع الدولي.
ليست المشكلة هنا في الإيمان ذاته، ولا في الدعاء، فالدين ظل عبر التاريخ مصدر إلهام روحي وأخلاقي لكثير من المجتمعات. لكن الإشكال يبدأ عندما يُستدعى الدين ليقف في الصف الأول من المشهد السياسي، ليبارك قراراً لم يُتخذ بعد في ميادين السياسة وحدها، بل في غرف الاستراتيجية والحسابات العسكرية. عندها تتحول الصلاة من فعل تعبدي إلى رسالة سياسية تقول إن القرار محاط بغطاء أخلاقي أو حتى سماوي.
في الولايات المتحدة، يشكل التيار الإنجيلي المحافظ قاعدة سياسية مؤثرة، ويعرف السياسيون جيداً أن حضور رجال الدين في مثل هذه المشاهد يمنح قراراتهم صدىً أكبر لدى جمهور واسع من الناخبين. لكن في المقابل، يظل السؤال مطروحاً داخل المجتمع الأمريكي نفسه: إلى أي مدى يمكن أن يظل الدين قريباً من السلطة دون أن يتحول إلى أداة في يدها؟
التاريخ يخبرنا أن الدين حين يقترب كثيراً من السلطة يفقد شيئاً من قدرته على مساءلتها. فالدور الأعمق للخطاب الديني ليس أن يمنح السياسيين البركة، بل أن يذكّرهم بحدود القوة وبقيم العدالة والرحمة. وعندما يغيب هذا التوازن، يصبح الدين، ولو عن غير قصد، جزءاً من مشهد السلطة بدلاً من أن يكون ميزانها الأخلاقي.
ولهذا يبدو مشهد القساوسة في المكتب البيضاوي أكثر من مجرد صلاة؛ إنه صورة مكثفة لعلاقة قديمة ومتجددة بين الدين والسياسة، علاقة تختلط فيها القيم بالمصالح، والروحانيات بالحسابات الاستراتيجية. وفي تلك المسافة الرمادية بينهما، يظهر دائماً أولئك الذين اسميهم , بسخرية لاذعة, “قساوسة أمبتارى، مشتقة من مصطلح فكى أمبتارى عندنا فى الوعي الشعبي السودانى”، لعلهم يعقلون

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.