
“لا وقود ولا غاز”.. كيف يدفع السودان ثمن التوتر الأميركي الإيراني؟
الخرطوم، الغد السوداني – تتسع تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لتطال أسواقاً بعيدة عن ساحات القتال، بينها السودان الذي يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية عميقة جراء الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ومع تصاعد التوتر في الخليج، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يترجم أي اضطراب في الملاحة إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والسلع الأساسية في السودان.
محطات متوقفة في الجزيرة
في ولاية الجزيرة وسط البلاد، بدأت مؤشرات الأزمة بالظهور سريعاً. وقال صاحب محطة وقود إن عدة محطات توقفت عن العمل بسبب انعدام الإمدادات، مشيراً إلى أن “محطة واحدة فقط تعمل حالياً، فيما لم تتسلم بقية المحطات أي شحنات منذ يومين أو ثلاثة”.
وأضاف أن غياب العقود طويلة الأجل وارتباط الإمدادات بالسوق الفوري يجعلان السوق المحلية أكثر عرضة للتقلبات العالمية، محذراً من عودة الطوابير وانتعاش السوق الموازي إذا طال أمد التأخير.
وكان سعر أسطوانة غاز الطهي قد ارتفع قبيل رمضان من 62 ألف جنيه إلى 76 ألفاً بسبب شح المعروض، فيما تجاوز السعر في بعض مناطق أم درمان 80 ألف جنيه.
أم درمان تعود إلى الحطب
في أم درمان، دفعت زيادة أسعار الغاز بعض الأسر للعودة إلى استخدام الحطب والفحم، وسط تراجع القدرة الشرائية وندرة البدائل. ويقول سكان إن الضغوط المعيشية تفاقمت مع استمرار انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار السلع المستوردة.
توقف مصفاة الخرطوم يفاقم الضغط
تفاقمت الأزمة مع توقف مصفاة الخرطوم التي كانت تغطي نحو 32% من احتياجات البلاد النفطية، ما اضطر الحكومة إلى الاعتماد الكامل على الاستيراد.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن السودان يحتاج إلى نحو 200 مليون دولار شهرياً لتمويل واردات المشتقات النفطية، في وقت يعاني فيه من شح النقد الأجنبي وتراجع قيمة الجنيه. كما تتجاوز كلفة إصلاح المنشآت النفطية المتضررة جراء الحرب مليار دولار.
مخاوف تضخمية متزايدة
يحذر اقتصاديون من أن أي اضطراب مستمر في الملاحة عبر باب المندب أو مضيق هرمز قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة عالمياً.
ويرى محللون أن الاقتصاد السوداني، المعتمد بشكل كبير على الواردات، يظل شديد الحساسية للصدمات الخارجية، خصوصاً في ظل ضعف الإيرادات العامة وتراجع الصادرات.
الحكومة: طمأنة وتحذير
وعقدت الحكومة اجتماعاً للجنة الاقتصادية العليا، أكد خلاله رئيس الوزراء استمرار استيراد المواد البترولية والعمل على ضمان استقرار الإمدادات. كما أقر وزير المالية بأن التطورات في الخليج قد تفرض واقعاً اقتصادياً جديداً، محذراً من انعكاسات محتملة على أسعار الوقود والسلع الأساسية.
ورغم مساعي احتواء الأزمة، يبقى التحدي كبيراً أمام اقتصاد يواجه تضخماً مرتفعاً ونقصاً في العملة الأجنبية، ما يجعل أي صدمة خارجية مرشحة للتحول سريعاً إلى أزمة معيشية داخلية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الخرطوم واحدة من المدن البعيدة جغرافياً عن ساحة الصراع، لكنها قريبة اقتصادياً من ارتداداته، حيث يكفي اضطراب في شحنات النفط العالمية لإشعال أزمة وقود جديدة في بلد يقف اقتصاده على حافة الإنهاك.
