زيارة تورك للسودان: شهادات موجعة من معسكرات النزوح وجدل سياسي حول الحياد
الغد السوداني،متابعات-واصل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، جولته الميدانية في السودان، حيث زار، الخميس، مدينة دنقلا ومخيم العفاض بمحلية الدبة في الولاية الشمالية، الذي يضم نازحين فرّوا من مناطق دارفور والفاشر وكردفان هرباً من الحرب المستمرة.
وخلال الزيارة، استمع تورك إلى شهادات مباشرة من النازحين حول معاناتهم، ودوّن في تغريدة على منصة “إكس” انطباعاته قائلاً إنه سمع “روايات مفجعة عن حجم الخسائر التي خلّفتها الحرب، والنزوح المتكرر، وعدم تلبية الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى نقص الدعم المقدم للأشخاص ذوي الإعاقة والناجين من العنف الجنسي”.
وأكد المفوض السامي وجود “حاجة ملحّة إلى بذل جهود شاملة لتمكين المجتمع المدني السوداني من تقديم المساعدة حيثما تشتد الحاجة”، مشدداً على أهمية دعم الفئات الأكثر هشاشة في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي تمر بها البلاد.
وتأتي زيارة تورك إلى الولاية الشمالية عقب سلسلة اجتماعات عقدها في بورتسودان مع وزراء الخارجية والعدل والنائب العام، إلى جانب ممثلين لمنظمات المجتمع المدني. وقال في تغريدة أخرى عقب لقائه بهذه المنظمات إن المجتمع المدني السوداني “يواصل، رغم التحديات الهائلة وقلة الموارد، إيجاد سبل لخدمة المجتمعات والدفاع عن حقوق الإنسان”.
وفي السياق ذاته، أوضحت المستشارة انتصار أحمد عبد العال، النائب العام لجمهورية السودان، أن النيابة العامة شكّلت آليات فرعية للعمل من داخل مراكز الإيواء بمدينة الدبة عقب أحداث الفاشر، بهدف توثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني للمتضررين.
من جانبه، قال السفير محيي الدين سالم إن زيارة المفوض السامي لمعسكرات النزوح في الولاية الشمالية ستكشف له حجم المأساة التي يعانيها المواطنون جراء ما وصفه بـ“سلوك المليشيا وانتهاجها الوسائل الدموية”. حسب تعبيره ،بدوره، أكد وزير الخارجية أن توقيت الزيارة يعكس اهتمام الحكومة بملف حقوق الإنسان واستعدادها للتعاون مع المؤسسات الدولية.
وأعرب الوزير عن تقديره لتصريحات تورك في بيانه الصادر في 14 نوفمبر 2025، والذي وصف فيه الحرب في السودان بأنها “حرب بالوكالة من أجل الموارد الطبيعية”، معتبراً أن هذا التوصيف ساهم في كسر الرواية التي تختزل الصراع في كونه مجرد مواجهة بين جنرالين.
غير أن زيارة المفوض السامي فجّرت، في المقابل، جدلاً سياسياً واسعاً. إذ رأت حكومة “تأسيس” الموالية لـ“قوات الدعم السريع” أن الزيارة تنحاز لرواية واحدة عن الصراع، خاصة مع اقتصار جولاته الميدانية على المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
وقال المتحدث الرسمي باسم “تحالف تأسيس”، علاء الدين عوض نقد، في بيان صحافي، إن “التقارير المنقوصة التي تصدر نتيجة مثل هذه الزيارات لا تكشف عن الحقيقة، ولن تسهم في حماية المدنيين”، داعياً المفوض السامي والمنظمات الحقوقية الدولية إلى زيارة المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة “تأسيس” والاطلاع المباشر على أوضاع المدنيين فيها.
وفي مستهل زيارته، التي تستغرق أربعة أيام وتعد الأولى له منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، التقى تورك وزيري الخارجية محيي الدين سالم والعدل عبد الله درف، حيث أكد اهتمامه البالغ بملف حقوق الإنسان واستعداده للعمل مع الحكومة السودانية لتعزيز التعاون الفني وبناء القدرات عبر الآليات الوطنية المختصة.
وأوضح تورك أن زيارته تهدف إلى الوقوف على الجهود المبذولة لحماية حقوق الإنسان، في أعقاب الانتهاكات التي طالت المدنيين في مدينة الفاشر، ولاحقاً في إقليم كردفان، إلى جانب تفقد أوضاع النازحين في مخيم العفاض.
ميدانياً، تزامنت الزيارة مع تصعيد عسكري جديد، إذ أعلنت “قوات الدعم السريع”، الخميس، سيطرتها على منطقة “جرجيرة” الاستراتيجية في أقصى غرب ولاية شمال دارفور، بينما أفادت مصادر محلية بتجدد المعارك العنيفة بينها وبين الجيش السوداني في ولاية جنوب كردفان.
وقالت “الدعم السريع”، في بيان نشرته على منصة “تلغرام”، إنها بسطت سيطرتها الكاملة على المنطقة بعد “معارك خاطفة”، وأوقعت خسائر كبيرة في الأرواح، واستولت على مركبات قتالية وأسلحة وذخائر، مؤكدة نشر قواتها لتأمين المنطقة، في وقت لم يصدر فيه تعليق رسمي من الجيش السوداني.
وتحمل زيارة تورك دلالات مهمة في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية واتساع رقعة النزوح، وسط دعوات متزايدة لتعزيز آليات الحماية وتوسيع نطاق الاستجابة الدولية لحماية المدنيين ووضع حد للانتهاكات.
