بروفايل | من غواتيمالا إلى فنزويلا: كيف شكلت التدخلات الأميركية تاريخ أميركا اللاتينية؟

بورتسودان / وكالات، الغد السوداني ـ منذ أكثر من سبعة عقود، لم تكن أميركا اللاتينية مجرد ساحة نفوذ للولايات المتحدة، بل مختبراً مفتوحاً لتدخلات عسكرية واستخباراتية غيرت مسارات دول، وأسقطت حكومات، ورسخت أنظمة حكم بالقوة.

واليوم، مع إعلان واشنطن تنفيذ «ضربة واسعة النطاق» في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، يعود تاريخ التدخل الأميركي في القارة اللاتينية إلى الواجهة، بوصفه سلسلة ممتدة من العمليات التي بدأت باسم «مكافحة الشيوعية» خلال الحرب الباردة، واستمرت تحت عناوين أكثر حداثة، لكنها لم تغادر منطق القوة.

يأتي الإعلان الأميركي الأخير بشأن فنزويلا في سياق تاريخي لا ينفصل عن سجل واشنطن في أميركا اللاتينية، حيث لعبت القوة العسكرية والعمل الاستخباراتي دوراً حاسماً في إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة منذ خمسينات القرن الماضي.

لطالما اتهم الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، وخليفته نيكولاس مادورو، الولايات المتحدة بدعم محاولات انقلابية، أبرزها انقلاب عام 2002 الذي أطاح بتشافيز ليومين فقط، قبل أن يعيده الشارع والجيش إلى السلطة. غير أن فنزويلا ليست استثناءً في هذا التاريخ.

1954: غواتيمالا… الانقلاب من أجل الموز

في 27 يونيو (حزيران) 1954، أطاحت مجموعة مرتزقة دربتها ومولتها واشنطن بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز، بعد شروعه في إصلاح زراعي هدد مصالح شركة «يونايتد فروت» الأميركية.

لاحقاً، اعترفت الولايات المتحدة رسمياً بدور وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في الانقلاب، مبررة ذلك بمواجهة «الخطر الشيوعي».

1961: كوبا… فشل خليج الخنازير

بين 15 و19 أبريل (نيسان) 1961، حاول نحو 1400 مقاتل منفي، بدعم أميركي، إسقاط نظام فيديل كاسترو عبر إنزال عسكري في خليج الخنازير.

فشلت العملية، وقُتل قرابة 100 شخص من الجانبين، لتصبح إحدى أبرز إخفاقات السياسة الخارجية الأميركية.

1965: جمهورية الدومينيكان… التدخل المباشر

أرسلت واشنطن قوات من مشاة البحرية والمظليين إلى سانتو دومينغو لقمع انتفاضة مؤيدة للرئيس اليساري خوان بوش، تحت ذريعة منع «تسلل الشيوعية» إلى الكاريبي.

السبعينات: دعم الديكتاتوريات

خلال السبعينات، دعمت الولايات المتحدة أنظمة عسكرية في أميركا الجنوبية، أبرزها انقلاب أوغستو بينوشيه في تشيلي عام 1973، والإطاحة بسلفادور أليندي.

كما كشفت وثائق أميركية لاحقاً دعم وزير الخارجية هنري كيسنغر للمجلس العسكري الأرجنتيني عام 1976، في فترة شهدت اختفاء ما لا يقل عن 10 آلاف معارض.

وشكلت «عملية كوندور» ذروة هذا التنسيق، حيث تعاونت ست ديكتاتوريات بدعم أميركي ضمني لتصفية المعارضين اليساريين عبر القارة.

الثمانينات: حروب بالوكالة في أميركا الوسطى

في نيكاراغوا، مولت إدارة رونالد ريغان قوات «الكونترا» لمحاربة حكومة الساندينيين اليسارية، في حرب خلفت نحو 50 ألف قتيل.

وفي السلفادور، دعمت واشنطن الحكومة في حرب أهلية دموية أودت بحياة أكثر من 72 ألف شخص.

1983: غرينادا… تدخل قصير ودموي

تدخلت القوات الأميركية في جزيرة غرينادا بعد اغتيال رئيس وزرائها اليساري موريس بيشوب، بذريعة حماية مواطنين أميركيين.

انتهت العملية خلال أيام، لكنها خلفت أكثر من 100 قتيل، وأُدينت دولياً على نطاق واسع.

1989: بنما… إسقاط الحليف السابق

في عملية «القضية العادلة»، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً للإطاحة بالجنرال مانويل نورييغا، الحليف السابق للاستخبارات الأميركية.

شارك في العملية نحو 27 ألف جندي، وأسفرت عن مئات القتلى، قبل أن يُنقل نورييغا إلى الولايات المتحدة لمحاكمته.

سياق اليوم: فنزويلا ليست استثناء

إعادة فتح هذا الملف مع فنزويلا تؤكد، وفق محللين، أن التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية ليس حدثاً عابراً، بل نمطاً متكرراً يتبدل في الشكل، لكنه يحتفظ بالجوهر: استخدام القوة حين تتعارض السياسات المحلية مع المصالح الأميركية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.