
“السيارة فدتني بنفسها”.. روايات من قلب اشتباكات مسلحة هزّت أحياء عطبرة
عطبرة، الغد السوداني – لم تكن أصوات الرصاص هذه المرة بعيدة أو على تخوم المدينة، بل جاءت من أمام البيوت مباشرة. هكذا وُضِع سكان أحد أحياء مدينة عطبرة، اليوم، في مواجهة الخوف العاري، حين اندلعت اشتباكات مسلحة مفاجئة استخدمت فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة داخل حي سكني مكتظ، لتتحول لحظات يوم عادية إلى مشهد فوضى وذعر.
بحسب روايات سكان محليين، بدأت الاشتباكات دون سابق إنذار، بين مسلحين يتبعون للقوات المشتركة يقيمون في منزل مجاور لأحد المواطنين، «حيطة بحيطة»، كما وصفها أحد الشهود. دقائق قليلة كانت كافية لتشل الحركة في الحي، وتدفع الأهالي للاحتماء داخل منازلهم، بينما كانت الطلقات تخترق الجدران والسيارات المركونة في الشوارع الضيقة.
يقول أحمد، أحد سكان الحي، إنه كان يستعد لمغادرة منزله بسيارته متجهاً إلى مناسبة اجتماعية، حين باغته دوي إطلاق النار أمام الباب مباشرة. “في ثوانٍ، تحولت الشارع إلى ساحة اشتباك”، يروي أحمد، مضيفاً أن كثافة النيران أجبرته على التراجع فوراً إلى داخل المنزل.
لم تمرّ السيارة بسلام. وابل من الرصاص اخترقها من الأمام إلى الخلف، فأصاب مقاعد القيادة والدركسون ولوحة العدادات، بينما اخترقت ذخيرة أكبر عياراً قائم الوسط وزجاج باب السائق الأمامي. “السيارة فدتني بنفسها”، يقول أحمد، مشيراً إلى أنها حالت دون إصابته المباشرة.
داخل المنزل، عاش الأطفال لحظات هلع حقيقية. اختبأوا مع ذويهم، محبوسين بين الجدران، ينتظرون توقف إطلاق النار. “لم نعرف ماذا نفعل سوى الدعاء”، يضيف أحمد، الذي بقي مع أسرته حتى هدأت الأوضاع نسبياً.
عقب توقف الاشتباكات، شوهد عدد من الجرحى وهم يُسعفون من أمام المنازل، مرتدين الزي العسكري، بينما بدت آثار الرصاص واضحة على السيارات والمباني المحيطة. مشهد ترك خلفه خسائر مادية، وأسئلة ثقيلة حول كيفية السماح بوجود السلاح وسط الأحياء السكنية.
ورغم تأكيد السكان عودة الهدوء لاحقاً، إلا أن الخوف لم يغادر المكان. كثيرون عبّروا عن قلقهم من تكرار مثل هذه الحوادث، مطالبين الجهات المختصة باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة تمنع وقوع اشتباكات مسلحة داخل الأحياء الآمنة، وتحاسب المتسببين، وتضمن حماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم.
في مدينة أنهكتها أخبار الحرب البعيدة والقريبة، جاء الرصاص هذه المرة ليطرق الأبواب مباشرة، مذكّراً بأن الخطر لم يعد على خطوط المواجهة فقط، بل بات يسكن قلب الأحياء.
