
سرديات
هذا لا يكونُ حتى يردَ الضبُّ الماءَ..
هذا مثل تضربه العربُ في استحالة حدوث امر ما، لأن الضبَّ لا يشربُ الماءَ..
كنت إلى وقت قريب، أظن واهماً، أن كلمةَ ضب العربية، تقابلها في الانجليزية كلمة lizard، إلى أن جاء مترجم هندي، وصحّح خطلَ قولي..
اسحاق، مترجم هندي حاذق، يضمني معه وآخرين من العرب والمستشرقين، قروب واتساب يُعنى فقط بالترجمة: ترجمة الشعر الانجليزي إلى العربية وترجمة الشعر العربي إلى الإنجليزية الى جانب مقتطفات من القول المأثور في الأدب عموما ..
اسحاق نال درجة الدكتوراه في الترجمة من جامعة حيدر أباد الهندية..مترجم كثيراً ما يتقيد بالنص حرفيا، وهذا ما يجعلني أحيانا، اختلف معه، عند ترجمة الشعر بالتعويل على خيال الشعر..ولكنه أفحمني حين جاء الحديث عن *الضب (خصيم الرب)*!..
عبارة “*الضب خصيم الرب*” من الخرافات والأساطير الشعبية المتداولة في بعض الموروثات الثقافية، ولا تمت للدين الإسلامي بصلة صحيحة.
تُزعَم أسطورة قديمة أنّه عندما أُلقي نبي الله إبراهيم عليه السلام في النار، التي أعدّها له قومه، جاءت الضفدعة وأخذت تطفئ النار أو تبصق عليها، بينما جاء “الضب” وأخذ ينفخ في النار ليزيدها اشتعالاً عداءً لإبراهيم عليه السلام، ومن هنا لُقّب زوراً بـ “خصيم الرب” (أو عُدَّ في صف أعداء الأنبياء). وهذه القصة لا أصل لها في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، وهي من قبيل القصص والخرافات الشعبية المكذوبة.
شاهدت قبل بضعة أيام في فضائية Netflix فيلما وثائقيا عن الضب..
ما شاهدته لم يكن ذلك الحيوان الذي نجده على الجدران بل كان حيوانا يشبه الورل حجما وشكلا..
وكان المعلق على الفيلم، باللغة الانجليزية، يشير إليه بكلمة uromastyx وأحيانا يستخدم كلمة dabb وهي نقحرة (نقل حرفي) لكلمة ضب العربية..
فسألتُ نفسي لِمَ لم يستخدم كلمة lizard التي اعرفها كمقابل لكلمة ضب منذ أيام الطلب..
نقلت تساؤلي إلى القروب الذي يضم مترجمين كبار ومنهم زميلي اسحاق..
كان مدخلي للتساؤل مثل عربي معروف يقول:
*هذا لا يكون حتى يردَ الضبُّ الماءَ..*
*This will not happen until the (dabb) comes to drink*..
وهو مثل تضربه العرب في استحالة حدوث الشيء، لأن الضبَّ لا يشرب الماءَ بل يكتفي بالسائل الموجود في النباتات الصحراوية التي يفضلها..
انبرى للرد على تساؤلي زميلي الدكتور اسحاق..فقال يا *أخا العرب* لعلك تقصد الوزغ gecko..أما lizard فهي السحلية.
سكتُّ حتى لا أجرحَ كبريائي..فذلك الحيوان الذي يمشي على الجدران، لا اسم له عندنا غير الضب..وهو خطأ رسخ في ذهني منذ زمن بعيد..
مضى زميلي اسحاق يشرح لنا (مجموعتنا تضم مسلمين وغير مسلمين) مستدلا بحديث:
كان الرسول ﷺ في بيت زوجته ميمونة بنت الحارث، وهي خالة خالد بن الوليد.
فجاءت ميمونة بطبق فيه *ضب مشوي*.
مدّ النبي ﷺ يدَه ليأكلَ، فقال له أحد الحاضرين: يا رسول الله، إنه ضبّ!
فرفع النبي ﷺ يدَه ولم يأكلْ.
فسأله خالد بن الوليد: يا رسول الله، أحرامٌ هو؟
فقال النبي ﷺ: *”لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه”
اسحاق يشرح لنا: هذا يعني ان اكل الضب ليس حراماً، لكنه لم يكن موجوداً في مكة، فنبينا الكريم لا يشتهيه.
فأكل خالد بن الوليد الضبَّ كلَّه أمام النبي ﷺ، والنبي ينظر إليه ولم ينهه.
وخلص زميلي في شرحه إلى أن اكل الضب حلال:
فلو كان حراماً، لنهى النبي ﷺ خالداً عنه، لكنه سكت، والسكوت هنا يعني الإباحة.
النبي ﷺ لم يأكلْه لأنه يعافه:
ليس كل حلال يجب أن تأكله. فمن الممكن أن تعاف أكلاً حلالاً، كالسمك مثلا…
النبي ﷺ لم يقل “هذا قرف” أو “هذا مقرف”. قال فقط “أعافه”، يعني نفسي لا تتقبله. وهذا أدب عظيم.
ثم أورد لنا الحديث بالنص الإنجليزي:
When a roasted dabb was presented to the Prophet ﷺ in the house of Maymuna, he refrained from eating it. Khalid ibn al-Walid asked: “Is it forbidden, O Messenger of Allah?” He replied: “No, but it was not in my people’s land, so I find myself disliking it.” So Khalid ate it in front of him, and he did not forbid him.
لم يكن الضبُّ عند العرب، حيواناً فقط، بل كان سلاحاً للهجاء والتعيير. وقد اشتهر العرب بتعيير بني تميم بأكل الضب، لأنهم كانوا من أهل البادية، يعيشون على الضب واليربوع والحنظل.
ومن أشهر ما قيل في ذلك، قول *أبي نواس*، وقد نقله الجاحظ في كتاب الحيوان:
ذا ما تميميٌّ أتاكَ مُفاخِراً
فقلْ عُدَّ عن ذا، كيفَ أكلُكَ للضَّبِّ
*تُفاخِرُ أبناءَ المُلوكِ سَفاهةً*
*وبولُكَ يَجري فوقَ ساقِكَ والكَعْبِ..*
وتأتي ترجمة أبيات أبي نواس إلى الإنجليزية، شعرا، على النحو التالي:
*If a Tamimi comes to boast and brag,*
*Say: Stop your pride, put down your flag.*
*Tell me first, how do you eat the dabb?*
*You claim you’re royal, but you live like a crab.*
*You boast like kings, so noble and grand,*
*Yet piss runs down your leg, where you stand*
ومعنى البيت أن أبا نواس يسخر من التميمي الذي يدّعي الفخر والملك، ويقول له: اترك عنك هذا الفخر الكاذب، وقل لي أولاً كيف تأكل الضب؟ فكيف تدّعي أنك من أبناء الملوك وأنت تأكل أكل الفقراء؟ وكيف تدَّعي النظافةَ وبولك على ساقك يسيل!
وهذا يبين أن أكل الضب كان عند أهل الحضر في بغداد علامة على الفقر والبداوة، فاستخدمه أبو نواس ليُسقط دعوى الفخر، ويحوّل الضب من حيوان في الصحراء إلى أداة لكشف حقيقة الإنسان.
غير أن الضب صار في الأمثال العربية رمزا لصفات إنسانية كثيرة:
فقالت العرب: *هذا لا يكونُ حتى يردّٰ الضبُّ الماءَ*، ومعناه أن هذا الأمر مستحيل أبدا، لأن الضب لا يشرب الماء في حياته، بل يأخذ الماء من النباتات التي يأكلها، فهو مثل قول الإنجليز When pigs fly أي عندما تطير الخنازير. كمثل لحدوث المستحيل..
وقالوا أيضا: *أبخل من ضب*، لأن كف الضب صغيرة ومغلقة دائما، كأنها يد البخيل التي لا تفتح لتعطي شيئا.
وقالوا: *أحزم من ضب*، لأن الضب يحفر جحره في الصحراء وله أكثر من مخرج، فإذا هاجمه عدو، هرب من المخرج الآخر، فصار رمزا للحذر والذكاء.
وقالوا: *أصبر من ضب على العطش*، لأنه يعيش في الصحراء الحارة، بلا ماء ويتحمل الجوع والعطش والحر. وهكذا جمع الضب في الثقافة العربية بين الاستحالة والبخل والحزم والصبر في وقت واحد، وهذا ما لا نجد له مثيلا في أي ثقافة أخرى.
أما في الأدب الغربي فالصورة مختلفة تماما، فالضب هناك ليس رمزا أدبيا ولا يحمل معنى ثقافيا، بل هو مجرد حيوان علمي أو مشهد في كتب الرحلات. فاسمه العلمي نفسه يوناني الأصل.. فكلمة Uromastyx مكونة من كلمة oura ومعناها ذيل، وكلمة mastix ومعناها سوط، أي ذيل السوط، لأنهم اهتموا بشكله الغريب ولم يهتموا به كرمز. ثم ظهر الضب في كتب الرحلات الإنجليزية عن الجزيرة العربية.. وكان الرحالة الإنجليز يصفونه باستغراب على أنه طعام غريب يأكله البدو، ولم ينظروا إليه نظرة رمزية. وفي العصر الحديث صار الضب مشهورا في أوروبا وأمريكا كحيوان أليف يربى في البيوت، ويكتبون عنه في كتب تربية الحيوانات وليس في الشعر أو الروايات. والفرق الجوهري هنا هو أن الضب في الأدب العربي رمز ثقافي، وفي الأدب الغربي موضوع طبيعي، ففي العربية هو الصبر والبخل والاستحالة والهجاء والهوية البدوية، وفي الغربية هو حيوان غريب له ذيل شوكي أو حيوان أليف، وهذا الفرق وحده يبين كيف أن الحيوان الواحد يمكن أن يحمل في ثقافة معنى عميقا، وفي ثقافة أخرى لا يحمل اي معنى…
وهكذا تباينت الثقافات أيضا، حول طائر البوم.. فالبومة تعد من أكثر الطيور التي اختلفت فيها الثقافات، فهي عند العرب رمز للشؤم والموت، وعند الغرب تعد رمزا للحكمة والعلم، مع أن الطائر واحد في شكله وصوته وعيشه في الليل.
عند العرب القدامى، كانت البومة لا تعيش إلا في الخراب، فلا تجدها في بيت عامر ولا في قصر فيه حياة، بل تجدها في القبور والبيوت المهدمة والأطلال. ولهذا ربط العرب بينها وبين الخراب ربطاً كاملاً، حتى صارت كلمة بومة تعني عندهم الخراب نفسه. وكانوا يسمون صوتها النعيب، والنعيب هو صوت الإعلان عن الموت، فإذا سمع العربي نعيب البومة على سطح بيته في الليل، قال إنها تنعى أحداً من أهل البيت، وأنه سيموت قريباً. وزاد هذا الاعتقاد في الجاهلية أنهم كانوا يظنون أن روح القتيل تخرج على شكل بومة، وتقف على قبره وتصرخ طلباً للثأر، وسموا هذه الروح الهامة. ولهذا قالوا في أمثالهم: *أشأم من بومة*، و *بومة الخراب*، و *بومة ناعبة*، وكلها أمثال لا خير فيها. وجاء الإسلام فأبطل هذا الاعتقاد وقال: *لا طيرة ولا هامة*، لكن بقيت صورة البومة المشؤومة في الثقافة الشعبية العربية إلى اليوم.
أما في الثقافة الغربية، فقد مرت البومة بثلاث مراحل مختلفة. في اليونان القديمة، كانت البومة طائر الإلهة أثينا، وهي إلهة الحكمة والعلم، فصارت البومة رمزاً للحكمة. ثم في زمن الرومان وفي أوروبا في العصور الوسطى، انقلبت الصورة وصارت البومة مثلها عند العرب تماماً، رمزاً للشؤم والسحر والموت، وكانوا يقولون إنها رفيقة الساحرات، وإن صوتها في الليل نذير موت، حتى أن شكسبير جعل صرخة البومة في مسرحية ماكبث علامة على وقوع جريمة قتل. ثم في العصر الحديث، عاد الغربيون إلى الرمز اليوناني القديم، فصارت البومة اليوم رمزاً للمعلم والحكيم، وتوضع صورتها على شعارات الجامعات وأغلفة كتب الأطفال، ويقولون في الإنجليزية: as wise as an owl، أي حكيم مثل البومة، وفي أفلام هاري بوتر صارت البومة هي الصديقة الوفية التي تحمل الرسائل.
والفرق بين الثقافتين هنا واضح وكبير. فالعربي إذا سمع بومة على بيته، تشاءم وقال: الله يستر، بينما الأمريكي إذا سمعها، فرح وقال: جميل، هل صورتَها يا بني؟ وهذا يبين أن الحيوان نفسُه لا يحمل معنىً ثابتاً، بل الثقافة هي التي تعطيه المعنى. فالبومة لم تتغير، لكن الإنسان هو الذي تغير في نظرته إليها. والعربي ربطها بالخراب لأنه رآها في الخراب، والغربي ربطها بالحكمة لأنه رآها في صورة إلهة الحكمة. ولهذا يمكن أن نقول إن البومة ليست شؤماً ولا حكمة في ذاتها، بل هي مرآة تعكس خوف كل ثقافة وأملها.
وهذه المقارنة تشبه تماماً ما رأيناه في الضب، فالضب عند العرب رمز للصبر والبداوة والهجاء، وعند الغرب مجرد حيوان أليف غريب، والبومة عند العرب رمز للشؤم والموت، وعند الغرب رمز للحكمة والعلم. وفي الحالتين، الحيوان واحد، والمعنى مختلف، لأن الثقافة هي التي تصنع الرمز…
*Empower yoyrsrlf with people who are better than you..*
*زاحم بركبتيك من هو أعلم منك ليصوِّبوك إن أخطأت*!
