
محمد كردفاني يعود إلى تاريخ السودان بفيلم «عن الحب وقوانين سبتمبر
الخرطوم/ الغد السوداني – في الخرطوم، عام 1983، تتقاطع الصداقة والحب والصحافة مع قرارات سياسية تعيد رسم حياة الناس، وتضع المبادئ الشخصية في مواجهة سلطة لا تترك لأصحابها مساحة واسعة للاختيار. من هذه اللحظة المفصلية في تاريخ السودان، ينطلق المخرج السوداني محمد كردفاني في مشروعه السينمائي الجديد «عن الحب وقوانين سبتمبر» (About Love & September Laws)، مواصلاً رحلته في استكشاف التاريخ السوداني عبر حكايات إنسانية تتجاوز حدود السياسة إلى أسئلة الانتماء والضمير والخسارة.
بعد النجاح الذي حققه فيلمه «وداعاً جوليا»، يخطط كردفاني لتقديم عمل روائي جديد يشكل الجزء الثاني من ثلاثية سينمائية عن تاريخ السودان الحديث. ويشارك المشروع في سوق الإنتاج المشترك ضمن ملتقى «ميا» (MIA) في روما، المقام بين 19 و23 أكتوبر (تشرين الأول)، بحثاً عن شركاء إنتاج يتيحون للفيلم الوصول إلى جمهور أوسع، ولا سيما في الولايات المتحدة.
تبدأ الحكاية بوصول كارتر، الصحافي الأميركي الأسود، إلى الخرطوم في محاولة لإنقاذ صحيفة متعثرة. وهناك يلتقي صديقه القديم نوري، الذي غابت عنه سنوات طويلة، ليجد أمامه رجلاً اختار الطب والتمسك بمبادئه، في مقابل صحافي أنهكته التجارب وفقد ثقته بالقضايا الكبرى والحركات التي كان يؤمن بها.
لكن اللقاء الذي يستعيد به الصديقان ملامح ماضٍ مشترك لا يبقى طويلاً في حدود الذكريات. فحين يقع كارتر في حب فاتن، المترجمة التي وظفها حديثاً، يكتشف أن المرأة التي بدأ يتعلق بها هي الزوجة السابقة لصديقه. وهكذا تصبح العلاقات الثلاثية مساحة تتداخل فيها مشاعر الحب والوفاء والخيبة، فيما يقترب التاريخ من الشخصيات بثقله السياسي والأخلاقي.
في خلفية هذه العلاقات، يفرض إعلان تطبيق الشريعة في السودان نفسه على مجريات الحكاية. ويجد نوري، الطبيب الذي يتمسك بموقفه الأخلاقي، نفسه مهدداً بالإعدام بعد رفضه أمراً قضائياً بقطع يد سارق. أما كارتر، فيعثر على قصة صحافية يمكن أن تكشف تناقضات السلطة وتسهم في إنقاذ صديقه، لكنه يصطدم باختيار صعب بين مستقبله المهني، والصداقة التي أعادت إليه شعوراً بالانتماء، والحب الذي يخشى فقدانه.
لا يتعامل كردفاني مع هذه الخلفية التاريخية باعتبارها مجرد إطار للأحداث، بل يجعل السياسة تتسلل تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى تتحول القرارات العامة إلى اختبارات شخصية يدفع الأفراد ثمنها. فالقصة، كما يقدمها المشروع، ليست عن السياسة وحدها، وإنما عن ثلاثة أشخاص يحاول كل منهم حماية ما تبقى له من قناعات وعلاقات في زمن تتقلص فيه مساحة الاختيار.
ويأتي العمل امتداداً لتجربة «وداعاً جوليا»، الذي تناول العلاقة بين امرأتين من شمال السودان وجنوبه خلال السنوات الست التي سبقت انفصال الجنوب عام 2011. وفي الفيلم الجديد، ينتقل المخرج إلى مرحلة أخرى من التاريخ السوداني، مستعيداً لحظة شهدت تحولات عميقة في علاقة الدولة بالمجتمع، من خلال شخصيات تتقاطع مصائرها مع تلك التحولات.
ويعكس المشروع أيضاً رغبة كردفاني في الجمع بين الحكاية القادرة على جذب المشاهد والقيمة الفنية والمعرفية للسينما. فالتاريخ، في هذا التصور، ليس مادة لاستعادة الماضي فحسب، بل مدخل لفهم الحاضر، وإتاحة الفرصة أمام جمهور خارج المنطقة لاكتشاف جوانب من التجربة السودانية قد لا يعرفها.
وبينما يبحث الفيلم عن شركاء إنتاج في روما، يظل التحدي الذي يحمله أبعد من استكمال التمويل أو توسيع دائرة التوزيع. إنه اختبار لقدرة الحكاية المحلية على الوصول إلى مشاهدين من ثقافات مختلفة، من دون أن تفقد خصوصيتها أو تتحول إلى شرح مباشر للتاريخ.
في «عن الحب وقوانين سبتمبر»، تبدو الخرطوم أكثر من مجرد مكان تدور فيه الأحداث؛ إنها مدينة تختبر فيها الشخصيات معنى الصداقة والحب والالتزام، بينما تتغير القواعد المحيطة بها. ومن خلال هذا التشابك بين الخاص والعام، يواصل كردفاني بناء مشروعه السينمائي عن السودان، حيث تبدأ الحكايات من مصائر أفراد، لكنها تفتح نافذة على تاريخ بلد بأكمله.
