
منتدى صالحة الثقافي… شباب يواجهون تداعيات الحرب بالإبداع
الخرطوم/الغدالسوداني -حوار معتز محمد بشير
لا تبدو الثقافة في صالحة الواقعة جنوب مدينة ام درمان في السودان، مجرد نشاط جانبي أو مساحة للترفيه؛ فبالنسبة إلى مجموعة من الشباب، تحولت إلى وسيلة للقاء، واكتشاف المواهب، وصناعة المبادرات، ومحاولة استعادة شيء من الحياة الطبيعية في ظل ظروف الحرب وتداعياتها.
منتدى صالحة الثقافي، الذي تأسس عام 2020، هو إحدى هذه المساحات التي يقودها الشباب، وتتعدد أنشطته بين القراءة والكتابة والغناء والموسيقى، والندوات والمعارض والمبادرات المجتمعية والورش، مع توجه واضح نحو إشراك المجتمع واكتشاف طاقاته ومواهبه.
في هذا الحوار، يروي عدد من أعضاء المنتدى تجربتهم من الداخل، ويتحدثون عن بداياتهم، وما وجدوه فيه، ودور الشباب والمرأة، وتأثير الحرب، وعلاقته بالمجتمع، والتحديات التي تواجهه، والأحلام التي يسعون إلى تحقيقها.
المشاركون:
مراحب حسن – نائب مكتب التطوير وبناء القدرات.
رزان عبد الحليم – مسؤولة نادي الغناء والموسيقى.
نفحات آدم – مديرة المالية.
مدثر حامد – مدير إدارة الموارد البشرية.
طه هشام – نائب مسؤول القراءة والكتابة.
مظفر البدوي – الأمين العام.
البداية والانتماء… كيف وجدتم طريقكم إلى المنتدى؟
مظفر:
بحكم اهتمامي بالقراءة والكتابة، كان من الطبيعي أن أجد نفسي قريباً من أي مساحة تهتم بالثقافة. وكانت بدايتي مع منتدى صالحة الثقافي عام 2021، عندما حضرت إحدى فعالياته التي استضافت الكاتبة إستيلا قايتانو. لم أكن عضواً في المنتدى وقتها، لكن تلك الفعالية كانت أول تعارف حقيقي بيني وبينه، ومنها بدأت علاقتي به حتى انضممت إليه لاحقاً.
جذبني التوجه الثقافي للمنتدى، وكنت في البداية أتوقع أن تكون أنشطته محدودة في جوانب معينة، لكنني وجدته أكثر تنوعاً مما توقعت؛ من الغناء ومعارض الكتب إلى القراءات الشعرية والندوات. هذا التنوع لفتني ودفعني إلى الانضمام. ومنتدى صالحة الثقافي أول كيان ثقافي أنضم إليه، ومنذ ذلك الوقت شعرت بأنني وجدت مساحة تشبهني، وأشعر فيها بانتماء حقيقي إلى جهة تعبّر عن اهتماماتي وتطلعاتي.
مدثر:
كنت أتابع المنتدى منذ فترة، لكن انضمامي الفعلي إليه كان عام 2026، وكان أول نشاط شاركت فيه «إفطار عابر سبيل». وقتها شعرت أن لدى الشباب الكثير ليقدموه، وأنني وجدت المكان المناسب.
وكان أكثر ما لفتني شعار المنتدى «أحلامنا أكبر من الخوف»؛ شعار منحني دافعاً وشعوراً بأن لا شيء مستحيل. ومن هنا بدأت علاقتي بالمنتدى، وشعرت أنني أصبحت جزءاً من هذا المكان.
مساحة للشباب… أكثر من مجرد حضور فعالية
كيف تنظرون إلى المنتدى من الداخل؟ وما الذي يجعله مختلفاً عن النشاط الثقافي التقليدي؟ وهل يقتصر دور الشباب على حضور الفعاليات، أم يتحولون إلى شركاء في التنظيم والمبادرات وصناعة الأفكار؟
طه:
منتدى صالحة يدفع الشباب نحو الوعي، ويسعى إلى توجيه طاقاتهم الفكرية والثقافية نحو ما هو إيجابي. كما أنه يمثل بالنسبة لي مساحة أجد فيها نفسي.
وما يميز المنتدى هو فلسفة المبادرات وإشراك الجمهور؛ فهو منبر تفاعلي وتشاركي، وليس مجرد مساحة لتقديم الفعاليات.
مواهب كانت تنتظر فرصة
وسط هذا التنوع، ما المواهب والطاقات التي اكتشفتموها بين شباب وشابات صالحة؟ وهل منح المنتدى أصحابها فرصة حقيقية للظهور والتطور؟
رزان:
هناك مواهب كثيرة كانت غير ظاهرة في صالحة، والمنتدى ساعد على إظهارها وتنشيطها، مثل الإلقاء الإذاعي والرسم والكتابة والغناء. ومن خلال الفعاليات ظهرت هذه المواهب، وبدأ بعض أصحابها في تطويرها. كما منحهم المنتدى فرصة حقيقية للانضمام إلى كيان ثقافي منظم، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب.
وبصفتي مسؤولة عن نادي الغناء والموسيقى، اكتشفت شباباً يمتلكون مواهب حقيقية، لكن بعضهم كان يفتقد الثقة التي تدفعه إلى إظهارها، بل إن بعضهم لم يكن قد اكتشف موهبته بعد. ومع الوقت، ساعد المنتدى في منحهم هذه الثقة والمساحة، وأصبح بعضهم اليوم حاضراً في مجالات الغناء والكتابة والإذاعة وغيرها من الفنون.
المرأة… من الحضور إلى صناعة القرار
كيف وجدتن حضور المرأة داخل المنتدى؟ وهل أصبحت الشابات شريكات في التنظيم وصناعة الأفكار والقرار؟ وما الذي أضافه هذا الحضور إلى التجربة؟
نفحات:
عندما انضممت عام 2025، كان حضور النساء في المنتدى محدوداً؛ إذ كانت هناك شابتان فقط، ويرجع ذلك إلى ظروف الحرب.
ومع تحسن الظروف واستئناف النشاط بصورة أكبر، ازداد عدد النساء، وأصبح حضورهن بارزاً. ومن إيجابيات المنتدى أن مشاركة النساء أصبحت، في بعض جوانب العمل، أكبر من مشاركة الرجال، خصوصاً في صناعة القرار وتنظيم الفعاليات، بينما تقاربت مشاركة الطرفين في معظم المهام.
مراحب:
أعطى المنتدى الشابات التقدير والاحترام، وقدم رؤية تؤكد أن المرأة تستطيع المشاركة وكسر الحواجز التقليدية أمام حضورها في العمل العام. ومن خلال توليهن أدواراً مختلفة، أثبتن للمجتمع وللمنتدى أن مشاركتهن مهمة وفاعلة. فالمنتدى، في رأيي، أعاد الاعتبار إلى المرأة بوصفها شخصية فاعلة في العمل العام.
الحرب… هل أغلقت الطريق أمام الثقافة؟
كيف أثرت الحرب والنزوح والظروف الاقتصادية على الحياة الثقافية للشباب؟ وهل استطاع المنتدى، رغم ذلك، أن يحافظ على مساحة للقاء والتواصل واستشراف الحياة؟
مدثر:
كان تأثير الحرب سلبياً، وأصبح من الصعب أن يجد الناس الظروف التي تمكّنهم من إظهار مواهبهم والإبداع فيها. لكن قناعتي أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز الظروف، بما فيها الحرب، وأن يصنع الإبداع رغمها. وقد استطاع المنتدى أن يجمع سكان صالحة رغم ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما عمل على مساعدتهم في التفكير في الحياة واستشراف ما يمكن أن تكون عليه المنطقة بعد الحرب.
من المثقفين إلى المجتمع
هل ظل المنتدى مساحة للمثقفين فقط، أم استطاع الوصول إلى شرائح أوسع من مجتمع صالحة؟ وما القضايا التي ترون أن الشباب يحتاجون إلى مساحة أكبر لمناقشتها؟
طه:
على العكس، المنتدى يسعى إلى الوصول إلى الأشخاص البعيدين عن دوائر النشاط الثقافي، وهذا جانب مهم في فكرته. أما انضمام المثقفين واهتمامهم بالمنتدى، فهو بالتأكيد إضافة للتجربة.
وقد أوصل المنتدى رسائل إلى الشباب في مجالات مختلفة؛ من بينها أهمية التعليم، من خلال العروض المسرحية، إلى جانب تنظيم ورش لإدارة المشاريع والتوعية بالصحة النفسية، خاصة في ظل الآثار النفسية التي خلفتها الحرب على بعض الشباب. وأعتقد أن من القضايا التي تحتاج إلى مساحة أكبر تنظيم ورش مكثفة في مجالات العمل وفرصه ومهاراته.
لحظة صنعت فارقاً
هل هناك فعالية أو موقف أو شخص داخل المنتدى ترك أثراً خاصاً فيكم، أو غيّر نظرتكم إلى الثقافة والعمل العام؟
مظفر:
بصفتي كاتباً هاوياً، كانت فعالية معرض الكتاب «اصنع فرقاً بكتاب»، التي قادتها الكاتبة إستيلا قايتانو، نقطة تحول بالنسبة لي، ومنها بدأت خطواتي بصورة أكبر نحو العمل الثقافي. وكان لتكريم صديقي مطيب خلال تلك الفعالية أثر خاص في نفسي، وشكّل ذلك دافعاً إضافياً وقوياً للاستمرار في العمل الثقافي.
الحلم يحتاج إلى مكان
ما أكبر تحدٍ يواجه المنتدى اليوم؟ وإذا توفرت الإمكانات والدعم لعام كامل، فما المشروع الذي تحلمون بتقديمه ولم تتمكنوا من تنفيذه حتى الآن؟
نفحات:
أكبر تحدٍ يتمثل في عدم وجود مقر نستطيع من خلاله تحقيق جزء كبير من أحلامنا؛ مكان نضع على واجهته لافتة تحمل اسم «منتدى صالحة الثقافي». إلى جانب ذلك، هناك التحدي المالي، وتوفير الأدوات والاحتياجات اللوجستية اللازمة لتغطية الفعاليات، مثل الكاميرا وغيرها.
ولو توفرت الإمكانات، سنقيم «مهرجان صالحة الأول»، وهو حلم كل عضو في المنتدى؛ مهرجان يضم مختلف أشكال الثقافة والإبداع، ويشارك فيه الأطفال والنساء والرجال. كما نطمح إلى إقامة ورش للمشروعات الصغيرة والمشغولات اليدوية، وتنظيم مسابقة للإبداع الأدبي على غرار المسابقات الكبرى، مثل «جائزة الطيب صالح» و«نيرفانا» وغيرها. ومع توفر المقر، نرغب أيضاً في إنشاء معرض ثابت لمنتجات مشروعات المرأة، أشبه بسوق صغيرة أو بازار، إلى جانب تأسيس مكتبة صالحة العامة للقراءة.
ماذا يعني لكم منتدى صالحة؟
حين نبتعد عن البرامج والفعاليات، ماذا يمثل المنتدى لكم على المستوى الشخصي؟
مراحب:
منتدى يهتم بحضور المرأة في المجتمع، ويسهم في تطويره وتنمية المواهب. بالنسبة لي، هو حالة خاصة ومميزة على المستوى العاطفي، ويمثل لي الحوش الكبير وبيتي الثاني.
أحلام تتسع للمجتمع كله
في ختام الحديث، ما الذي تتمنون أن يحققه المنتدى ولم نتطرق إليه؟
رزان:
أتمنى أن يستهدف المنتدى شريحة الأطفال، وأن يتيح لهم مساحة للتنفس والتعبير، وكذلك أن يفتح المجال أمام كبار السن، بما يحقق مشاركة مجتمعية أكثر شمولاً.
طه:
أتمنى أن ينظم المنتدى مهرجاناً أو كرنفالاً رياضياً وثقافياً بالتعاون مع رابطة منطقة صالحة.
نفحات:
أتمنى أن يأخذ كورال المنتدى مساحة أوسع، وأن يصل صوته إلى المستوى المحلي والعالمي.
مظفر:
أتمنى أن تتغير نظرة المجتمع إلى المنتديات، وألا يُنظر إليها باعتبارها أماكن للترفيه فقط، بل باعتبارها مساحات للوعي والاستنارة والعمل الثقافي.
مراحب:
أتمنى أن تصبح فكرة المنتدى شاملة، وألا تكون محصورة في المثقفين، بل أن تكون جزءاً من التكوين الاجتماعي وبنية المجتمع.
أما مدثر، فاختار أن يوجّه كلمته إلى الشباب الذين بدأوا التجربة قبل أن تصل إلى شكلها الحالي، شاكراً مؤسسي المنتدى، والقائمين عليه حالياً، وكل من أسهم في دعم تجربته.
