سرديات

Even now, now, very now, an old black ra, is tupping your white ewe..

*في هذه اللحظة؛ الآن، الآن، كبشٌ أسودٌ عجوزٌ، يسفِدُ نعجتَك البيضاء..*(فما أنت فاعلٌ يا سيدي؟!)- تحريضٌ مبطنٌ على الثأر، لا يخفى على القاريء..

هكذا قال شكسبير، على لسان إياغو، في مستهل مسرحيته الخالدة- *عطيل* -وأقام بذلك الدليل، على *الأخرنة،* كيف تكون في أوضح صورها..

*الأخْرَنة..* ومعناها بلغة الفرنجة *othering* أي التمايز أو الاستبعاد أو بمعنى أدق، نظرة شخص لآخر او مجموعة بشرية لمجموعة أخرى، بقصد إزدرائها أو تهميشها أو الحط من قدرها أو وصفها بالتخلف..

 

Othering is the act of treating a person or group of people as a separate, different or less than the dominant group creating an “us” versus “them” mindset..

 

وتكتسب مفردة الأخرنة أبعادها اللغوية-أكثر ما تكتسب- في سياق الاستشراق والاستشراق المعكوس:

*Orientalism and Orientalism in Reverse..*

 

كان لقاءً تنويرياً واسع العطاء، ذاك الذي جمعني بأحد كبار المفكرين العرب..

 

الدكتور صادق جواد سليمان، مفكر وفيلسوف وديبلوماسي عماني، مرموق المكانة في منطفة الخليج والعالمين العربي والغربي، بسبب عطائه الفكري الثر.. وله عدة مؤلفات مرجعية في مجال الفلسفة، إلى جانب مسيرته الزاخرة بالعطاء في الديبلوماسبة إذ عمل سفيرا لبلاده في واشنطن وايران وفي دول أخرى، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري، في مركز الحوار العربي-الأمريكي في واشنطن، وكان لعدة دورات رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء..

هاتفني ذات مساء، صديقي الروائي العماني المعروف، محمد عيد العريمي ودعاني، لحضور جلسة مؤانسة في منزله، بمنطقة رأس الحمراء في مسقط-وهي ضمن منطقة امتياز شركة النفط الأولى في البلاد، والتي تضمنا معا..

لم أتردد لحظة في قبول الدعوة، ذلك أن الجلوس مع هذا الرجل، يزيدك علما، قل أن تجدَه في مكان آخر..

وجدتُ معه الدكتور صادق و آخرين، منهم أدباء وشعراء وصحافيون واعلاميون عمانيون..

اخذت مقعدي، ولساني يلهج بالثناء لصديقي الروائي، على دعوتي، لأكون ضمن هذه الكوكبة من أهل الفكر..

مستهل الحديث، كان عن *الأَخْرَنَة* أو othering أو صناعة الآخر: بمعنى أن تأخذ شخصاً أو جماعة من دائرة “نحن” وتضعهم في خانة “الآخر” الغريب، والمختلف، والأدنى من الجماعة المهيمنة، لتُكرّس بالتالي ذهنية “*نحن في مقابل هم”..*

Othering is the act of treating a person or group as separste, different or less than the dominant group creating an “us” versus “them” mindset..

 

وبحكم شغله منصب رئيس المجلس التأسيسي في مركز الحوار العربي-الأمريكي، طٌلب من الدكتور صادق، أن يلقيَ ضوءاً، على هذا الموضوع، من وجهة نظر العربي للأمريكي، ونظرة الأمريكي للعربي..

 

قال الدكتور صادق: خلال ترؤسي للمجلس الاستشاري لمركز الحوار العربي الأمريكي، لأكثر من دورة، عقدتٌ حوارات بين مفكرين عرب ومفكرين امريكيين، أو غربيين من أصول عربية، حول هذا الموضوع..

حضر إحدى هذه الجلسات المفكر الأمريكي من أصول فلسطينية الدكتور ادوارد سعيد والروائي السوداني المعروف الطيب صالح..

 

كانت تلك الجلسة، الأكثر ثراءً، لوجود هذين الرجلين، مع آخرين من ذوي الاهتمام المشترك..

 

لم يكن غريبا، أن تتمحور الجلسة، حول الاستشراق كمفهوم، طالما كان بين الحضور من هندّس الفكرةَ، فلازمته ملازمة الظل لصاحبه..ادوارد سعيد هو من جاء بفكرة الاستشراق أي

Orientalism

والتي تقول بأن الغرب ينظر للشرق من أقصاه إلى أقصاه، مكانا يسكنه أناس روحانيون، غير عقلانيين، عنيفون، لا يتغيرون..في نظر إدوارد سعيد، الغرب اخترع شرقا واحدا متجانسا، طابعه الكسل والروحانية وعدم الرغبة في التغيير..الغرب في نظره استخدم هذا السلاح ليحكمَ قبضتَه على الشرق، بالتسلط، لسرقة موارده..

 

دار نقاش ثر حول هذا الطرح، إلى أن تبلور في وجود ما يمكن تعريفه بالاستشراق المعكوس أي

Orientalism in Reverse

وهو ما قُصد به أن الشرق، في تمسكه بروحانيته، وعدم رغبته في التخلي عن ثوابته، يصف الغرب بالانحلال والفساد والمادية، وأنه لا يريد ان يحيد عن قيمه لأنها الاصل..

ومعنى ذلك، أن العرب ايضا، يمارسون استشراقا معكوسا، باختراعهم غربا متجانسا، يمتد من آيسلندا إلى أقصى نقطة في جنوب القارة العجوز، ويصفونه -اي هذا الغرب الذي جعلناه مجتمعا واحدا متجانسا- بالانحلال والمادية والشر..

خلص الحديث إلى أن الاستشراق، يعني أن الغربَ، يختزل الشرقَ، ويعامله ككتلة متجانسة، يجمع بينها الشر والكسل وعدم الرغبة في التغيير والعنف، وأن الاستشراق المعكوس يعني ان الشرق- من جانبه- يختزل الغربَ، كوحدة متجانسة، ويصفها بالانحلال والفساد والمادية..اي انه يختزل مليار إنسان من أقصى الشمال في الغرب إلى أقصى الجنوب في جوهر أبدي واحد، وهو الانحلال والفساد..بمعنى ان صفات الانحلال والفساد والمادية لا تنطبق على مجموعة اثنية غربية بعينها، وإنما هي صفات تجرى مجرى الدم في شريان الغرب..وهذا ما يراه البعض أنه كسل فكري يريح العاطفة ويكسب اصواتا لكنه يقتل التحليل..

هذا التفسير جعل الدكتور صادق يقول: الاستشراق والاستشراق المعكوس، كلاهما، يعامل البشر كعينات؛ كثقافة لا كبشر يصنعون التاريخ…ويرى الدكتور صادق ان الحل ليس ان نقول”شرقنا العظيم ضد غربكم الشرير” وإنما الحل ان نقول ” لا يوجد شيء اسمه شرق واحد وغرب واحد؛ كلنا بشر نخطيء ونصيب”..

ثم ناقش الحضور فكرة الاستشراق في السياق السياسي والسياق الأدبي..

على صعيد السياسة، كان التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، لأجهزة الاعلام، ايام الحرب على افغانستان، هو المثال الأبرز..

قال بوش حينئذ: *إنك إما معنا أو معهم*..لا توجد منطقة وسطى..

You are either with us or with the terrorists..

إما أن تكون معنا (نحن أهل الغرب المتحضرون) او معهم (اهل الشرق الهمجيون، المتخلفون)..

أما الأخرنة othering، والتي تأتي تحت مظلة الاستشراق، على صعيد الأدب، فكان الحديث عنها ذا شجون، واتخذ تفريعات عدة، رأيت حصرَها في ثلاثة أعمال أدبية هي:

مسرحية *عطيل* لشكسبير، ومسرحية *زائير* لفولتير ورواية *قلب الظلام* لجوزيف كونراد..

تظهر *الأخرنة* في مسرحية عطيل، في الاقتباس الذي اوردته في صدر السردية، والذي يقول:

 

Even now, now, very now, an old black ra, is tupping your white ewe..

 

أي: *في هذه اللحظة، الآن، الآن، كبش أسود يُسْفِدُ نعجتَك البيضاء*..

 

هذا القول جاء على لسان إياغو، وهو شخصية هامشية في المسرحية..سمع إياغو بأن بطل المسرحية *عطيل*-وهو رجل أسود البشرة، قد تزوج سرا من حسناء بيضاء، ابنة رجل من علية القوم..إياغو يوقظ الرجل الثري، بعد منتصف الليل، ليقول له ما قال..ولكن وصفَ عطيل العربي الأسود البشرة، ب *كبش اسود عجوز* يعكس الأخرنة..بمعنى أنه أي (عطيل) ليس مننا..هو من (الآخر) اي ذلك المجتمع الأسود غير الأخلاقي (وبغير الأخلاقي يقصد زواجه من ديسديمونة بالسر)..

ثم يأتي السؤال:

لماذا جعل شكسبير عطيل بطلاً لمسرحيته رغم أنه رجل أسود البشرة، غيور..؟

 

شكسبير تعمد أن يقول إن *الغيرة المذمومة* التي يكون العنفُ طابعها، (عطيل سمع وشاية تقول إن زوجته؛ ديسديمونة؛ الحسناء ذات المكانة الاجتماعية المرموقة، والتي تركت اهلَها وتزوجته بالسر؛ خانته مع رجل آخر من أصدقائه.. عطيل لم يفكر ليحلل الوشاية بعقله بل استل سيفه وقتل زوجته، وحين تبين له أن ذلك كلَّه كان كذبا ومكيدة من إياغو وأصحابه، قتل نفسه)..شكسبير باختياره لهذا (الآخر) وهو عطيل العربي الأسود البشرة، اراد ان يقولَ إن الغيرةَ المذمومةَ التي تجانب العقل، هي سلوك عربي وليس سلوكا غربيا..الغرب المتحضر، لا يأتيه هذا المسلك الوحشي، لا من قريب ولا من بعيد…

 

فولتير هو الآخر، في مسرحية *زائير،* يفعل نفس الشيء..أي ان الغَيرَة المذمومة فعل شرقي لا يعرفه الغرب المتحضر..هذا فعل وحشي يقوم به أناس عنيفون وغير عقلانيين..فولتير جعل ابطال مسرحيته من الشرق: زائير المسيحية يقع في حبها السلطان العثماني، وحين يكتشف هذا (خطأ) أنها تحب غيرَه، قتلها وقتل نفسَه، تماما كما فعل عطيل..المهم ان نلاحظ في المسرحيتين ان من يقوم بالقتل بسبب الغيرة المذمومة ليسوا رجالا من *الغرب الابيض* وانما هم من *الشرق* الذي يلازمه العنف، ويلجأ للسيف-لا العقل- لحل مشاكله..

 

اما رواية *قلب الظلام*

Heart of Darkness

فياتي تصويرٌ الروائي للافارقة، بأن لا فرق بينهم وبين الحيوانات التي تحيط بهم في الغابة، كمثال صارخ *للأخرنة*..حيث يرى الرجل الابيض الإنسان الأفريقي، كحيوان، وهو الامر الذي انتقده شيخ الرواية الأفريقية، النيجيري، *شينوا أشيبي* واصفا الروائي البربطاني من أصول بولندية؛ جوزيف كونراد؛ بالعنصري الذي يصوّر الأفريقي في روايته بالحيوان:

Animalistic imagery..

 

 

وهكذا تفرّع الحديث في تلك الأمسية، إلى وجهات عدة، الأمر الذي قد يحفز القاريءَ، على متابعة الاشارات الموجودة، من اجل توسعة مداركه، متى رغب..

 

وكخلاصة لما سبق يمكن القول إن *الاستشراق* يقول: (أنا الغرب أكتبك أنت الشرق كـ ” (روحاني، ساحر، كريم، بسيط لكنك متخلف، كسول، غير عقلاني، عنيف وتحتاج إلى وصاية) بمعنى انه يعطيه وردة مسمومة بمدحه بروحانياته ليبرر احتقاره السياسي له..

*الاستشراق المعكوس* يقول: أنا الشرق أقبل تعريفك لي وأقلبه فخراً. أقول نعم أنا روحاني (من حيث الارتقاء بالجانب الروحي والنفسي وتزكية النفس والتقرب الى الله والتحرر من المادة والأنانية) وأنت قوي ومنظم ومتقدم تكنولوجيا لكنك اباحي مادي بلا روح واسرك مفككة..ايضا الشرق يعطي الغرب وردة مسمومة معترفا بقوته ليبرر كرهه له..وهكذا..

*الأخرنة Othering* هي الآلية التي تفعّل المفهومين: الاستشراق والاستشراق المعكوس. أن أجعلك “آخر” لا يشبهني، فلا أطبق عليك نفس الحقوق التي تخصني في السياسة: أخرنته otherized فجاز قتله بلا محاكمة، كما حدث مع رشدي وبوش معاً – بوش أخرن otherized المسلم أينما كان، ارهابيا، والإسلامي أخرن otherized سلمان رشدي وأهدر دمه (سلمان رشدي بنى رواية آيات شيطانية على قصة الغرانيق المعروفة في تراثنا…)..

وفي الأدب الأخرنة هي أن لا أكتب عنك كإنسان بل أكتب عنك ك”شيء” يثبت أنني الأصل المتحضر وأنت الآخر المتخلف..

الفرق الوحيد: الاستشراق يصنع الآخر في الخارج، والاستشراق المعكوس يصنع الآخر في الداخل – يكفر ابن جلدته إذا فكر كالغرب.

(بعض العبارات تجيء، بنصها الانجليزي، لأن السردية تُرسل إلى مجموعة مترجمين إلى جانب قروبات أخرى..فمعذرة إن جاء ذلك مربكا لسلاسة السرد..)