اقتصاد الاختفاء في السودان
حسين سعد يكتب ..
مع دخول الحرب عامها الرابع، لم تعد مأساة المفقودين مجرد قضية إنسانية مرتبطة بالنزاع المسلح، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية ونفسية واقتصادية متشعبة. فآلاف الأسر تعيش بين الأمل والخوف، تترقب مكالمة هاتفية أو خبراً عابراً أو شهادة من أحد الناجين قد تكشف مصير أحبائها.
في هذا الواقع المأزوم، لا يصبح المفقود مجرد ضحية للحرب، بل محوراً لشبكة كاملة من الوسطاء والشائعات والوعود الكاذبة. وتتحول معاناة الأسر إلى فرصة للاستغلال المالي والنفسي، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب المجتمع ومؤسسات الدولة معاً، وبينما تنشغل الأسر بالبحث عن النجاة من القصف والنزوح والجوع، تجد نفسها فجأة أمام معركة أخرى أكثر قسوة: البحث عن شخص غاب ولم يعد. قد يكون ابناً خرج من المنزل أثناء الاشتباكات، أو أباً انقطعت أخباره عند نقطة تفتيش، أو أماً افترقت عن أطفالها خلال رحلة نزوح طويلة. ومنذ تلك اللحظة يبدأ انتظار ثقيل لا تحده الأيام ولا تنهيه الشهور
هذا التقرير يتتبع ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الاختفاء”، ويحاول فهم الكيفية التي تتحول بها قضية المفقودين من مأساة إنسانية إلى سوق غير مرئي يتغذى على الألم وعدم اليقين.
اختفاء يتحول إلى سوق :
تبدأ القصة دائماً بالسؤال ذاته: أين ابني؟ أين زوجي؟ أين أخي؟ في الأيام الأولى للاختفاء يكون الأمل كبيراً، وتعتقد الأسر أن الغائب سيعود قريباً أو أن الاتصال به انقطع بصورة مؤقتة. لكن مع مرور الوقت، وغياب المعلومات المؤكدة، تبدأ رحلة البحث المضنية، وهنا يظهر أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب معلومات أو علاقات خاصة ، في الخرطوم ومدني ودارفور، وكردفان روت أسر عديدة أنها تلقت اتصالات من أشخاص زعموا أنهم يعرفون مكان المفقود أو يملكون معلومات عنه، أو يستطيعون إدراجه ضمن قوائم الإفراج أو تسهيل الوصول إليه، في البداية تبدو هذه الاتصالات نافذة أمل، لكنها غالباً ما تتحول إلى مطالب مالية أو وعود غامضة يصعب التحقق منها.
وسطاء الظل:
لا يعمل هذا الاقتصاد عبر مؤسسات واضحة أو شبكات معلنة، بل عبر أفراد يتحركون في مساحات الغموض التي خلقتها الحرب.
من بينهم أشخاص يدّعون وجود صلات بمراكز الاحتجاز، أو تجار وسائقون يتنقلون بين مناطق النزاع، أو أفراد يستفيدون من الروابط الاجتماعية والقبلية، أو وسطاء مجهولو الهوية لا يظهرون إلا عبر الهاتف.
ورغم اختلاف أشكالهم، فإنهم يشتركون في قاعدة واحدة: استثمار حاجة الأسر إلى أي معلومة مهما كانت ضئيلة.
شهادات :
في مكالمات عديدة عبر الواتساب أو الماسنجر وغيرها إستمعت الي روايات وشهادات عديدة من أسر قالت إنمها سددت مبالغ باهظة لوسطاء لاطلاق سراح أولادها المفقودين ، كل وسيط قدم رواية مختلفة، وطلب مبلغاً جديداً، ووعد بنتيجة قريبة، لكن النهاية كانت واحدة: لا معلومات مؤكدة ولا أثر للمفقود، وتقول الأسرة، كنا نشتري الأمل، ثم نكتشف أنه لا يُباع أصلاً
تمزيق الأسر مرتين:
لا تتوقف آثار الاستغلال عند الخسائر المالية، فكثير من الأسر تراكمت عليها الديون بسبب الأموال التي دفعتها للوسطاء، فيما نشأت خلافات داخلية حول الجهات التي يمكن الوثوق بها أو المعلومات التي ينبغي تصديقها، ومع مرور الوقت تتآكل الثقة وتزداد الضغوط النفسية، ليصبح أفراد الأسرة أسرى لحالة مستمرة من الأمل والخذلان، وقد وصفت بعض الأسر هذه التجربة بأنها “موت مضاعف”: موت الغياب وموت الاستغلال.
تصديق الوعود:
لا يمثل “اقتصاد الاختفاء” ظاهرة هامشية في السودان، بل يعد أحد أكثر النتائج قسوة لانهيار البنية المؤسسية خلال الحرب، إنه اقتصاد لا يقوم على الإنتاج أو التنمية، بل على الغياب. لا يستند إلى الحقائق بقدر ما يتغذى على الشكوك والاحتمالات. ولا يراكم الثروة من العمل، بل من معاناة الأسر التي تبحث عن إجابة، وفي قلب هذا المشهد يبقى المفقود هو محور كل شيء؛ الغائب الذي يدور حوله الأمل والخوف والانتظار والاستغلال معاً، وتظل آلاف الأسر عالقة بين خيارين مريرين: أن تصدق الوعود وتدفع ثمنها، أو أن تواجه الصمت الثقيل الذي تفرضه الحرب عندما تعجز عن تقديم إجابة واحدة على السؤال الأكثر إيلاماً هو (أين هم) ( يتبع)
