دلالات التمديد التقني لعقوبات السودان ومصائر التحالفات العسكرية والأيديولوجية في الخرطوم

إيهاب الأمين يكتب..

يعكس القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن السودان حالة من الجمود الدبلوماسي المقصود الذي يخفي تحته صراعاً جيوسياسياً معقداً على منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي فالتمديد التقني لولاية فريق الخبراء لشهرين فقط ليس سوى مناورة لكسب الوقت تعكس عجز المجتمع الدولي عن فرض إجماع حقيقي لوقف نزيف الدم السوداني بينما تكشف المقاومة الروسية لتوسيع حظر الأسلحة إلى كامل التراب السوداني عن وجود شبكة مصالح إقليمية ودولية تتقاطع مع بقاء آلة الحرب في الخرطوم تعمل بكامل طاقتها، هذا القرار الذي يحمل الرقم 2282 والصادر عام 2026 لا يمثل سوى ورقة توت دبلوماسية تخفي وراءها استمرار تدفق الذخيرة والدعم اللوجستي لأطراف النزاع مما ينسف أي آمال قريبة بتسوية سياسية شاملة.
أي قراءة أعمق لمواقف الدول الكبرى داخل المجلس توضح أن موسكو تنظر إلى الخرطوم كحليف استراتيجي في أفريقيا وأي تقييد شامل لتسليح الجيش السوداني يخدم في المقام الأول مصالح حلفائها الإقليميين الذين يسعون للحفاظ على نفوذهم في شرق أفريقيا والساحل الأفريقي وبالتالي فإن رفض توسيع الحظر يعني ضمنياً إبقاء قنوات الإمداد مفتوحة أمام القوات المسلحة السودانية وحلفائها وهو ما يفسر التصويت الروسي لصالح القرار التقني قصير المدى كرسالة تطمين للخرطوم والقوى الداعمة لها بأن الغطاء الدولي الرافض لتغيير موازين القوى العسكرية لا يزال قائماً وهذا الواقع يؤشر إلى أن الحرب لن تتوقف قريباً بل ستشهد تصعيداً نوعياً في المعارك خاصة في محوري الخرطوم ودارفور حيث ستسعى الأطراف إلى حسم عسكري قبل أي استحقاقات دولية جديدة قد تفرضها عليهم بعد انتهاء مهلة الشهرين وفي قلب هذه المعادلة المعقدة تقف حكومة عبد الفتاح البرهان وحلفاؤها من تنظيمات الإسلام السياسي حيث يضع هذا القرار التطورات المستقبلية لهذه التحالفات تحت مجهر الخطر الوجودي فالبرهان الذي وجد نفسه مضطراً للتحالف مع بقايا النظام السابق ومليشياته لمواجهة خصومه أصبح رهينة لهذا التحالف الأيديولوجي والعسكري واستمرار تدفق الأسلحة دون رقابة دولية شاملة يعني أن الجناح الإسلامي سيعمل على تعزيز تمكينه داخل مفاصل الدولة والجيش مستغلاً حالة الحرب لفرض أمر واقع يجعل من المستحيل إقصاؤه مستقبلاً وهؤلاء الإسلامويون لا يقاتلون فقط من أجل البقاء السياسي بل يعيدون هندسة المؤسسة الأمنية والعسكرية بما يضمن ولاءها للعقيدة الأيديولوجية بدلاً من الولاء الوطني مما يخلق دولة عميقة داخل الدولة تتحكم في القرار السيادي والأمني لكن المستقبل القريب يحمل في طياته مفارقات قد تنقلب ضد هذا التحالف العسكري الأيديولوجي فالمجتمع الدولي وتحديداً واشنطن والدول الأوروبية بدأ يدرك أن دعم الجيش السوداني يعني بالضرورة تمكين الإسلامويين المتشددين وهو ما يتناقض مع أهداف مكافحة الإرهاب وبناء دولة مدنية لذلك قد نشهد في الأشهر القادمة ضغوطا غربية غير مسبوقة على البرهان لفصل نفسه عن هذه التنظيمات أو مواجهته بعقوبات شخصية ومالية تطال شبكة الاقتصاد الحربي التي يديرونها وفي حال استمرار التعنت قد تلجأ القوى المدنية والديمقراطية السودانية مدعومة إقليمياً ودولياً إلى خيارات بديلة تعيد رسم خريطة التحالفات مما يضع الإسلامويين في مرمى الاستهداف المباشر كشخصيات غير مرغوب فيها في أي مرحلة انتقالية قادمة.
إن الشهرين القادمين سيشهدان حرباً ضروساً تهدف إلى تحقيق انتصارات ميدانية تترجم إلى مكاسب على طاولة المفاوضات المستقبلية وسيكون الإسلامويون هم وقود هذه المعارك وأداتها الأيديولوجية ولكن هذا التمديد التقني لولاية فريق الخبراء يحمل في داخله بذور انهيار هذا التحالف فالتقارير التي سيرفعها الخبراء خلال هذه الفترة القصيرة ستكشف بالوثائق والأدلة حجم التلاعب بالموارد وتهريب الأسلحة وتورط شبكات إقليمية في إطالة أمد الحرب ومع تراكم هذه الأدلة سيصبح من الصعب على أي داعم إقليمي أو دولي للبرهان تبرئة نفسه مما سيجبر الحلفاء على إعادة حساباتهم وقد ينتهي الأمر بحكومة البرهان إلى عزلة دولية خانقة بينما سيواجه الإسلامويون مصيراً حتمياً يتمثل في التفكيك القسري أو الملاحقة القانونية الدولية لتطوى بذلك صفحة من أحلك فصول التاريخ السوداني المعاصر.