
حزمة “المركزي” لتحديث القطاع المصرفي: تحديات الهيكلة ومخاطر الاندماج
الخرطوم/الغد السوداني- أمين محمد – أمهل بنك السودان المركزي المصارف العاملة في البلاد مهلة زمنية تمتد حتى نهاية العام الجاري لتوفيق أوضاعها المالية، عبر زيادة رؤوس الأموال أو الاندماج، ملوحاً بالتصفية الإدارية للمؤسسات غير القادرة على استيفاء المتطلبات الجديدة. وتأتي هذه الخطة الشاملة لإعادة هيكلة القطاع في وقت يواجه فيه الجهاز المصرفي—الذي يضم 38 مصرفاً تغلب عليها الفئات الصغيرة والمتوسطة—ضغوطاً حادة وتآكلاً في قواعده الرأسمالية جراء التضخم الجامح وتراجع قيمة الأصول، إلى جانب عمليات النهب والتدمير الممنهج التي طالت المقار والممتلكات المصرفية خلال الحرب. وتستهدف السلطات النقدية من خلال هذا القرار تعزيز متانة المراكز المالية للبنوك، وحماية أموال المودعين، واستعادة قدرة القطاع على تقديم الائتمان وتمويل الاقتصاد الوطني، للحد من المخاطر النظامية التي قد تهدد استقرار الجهاز المصرفي ككل.
ضغط وجودي
أكّد الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم أن التأثير المباشر للجدول الزمني الضيق الذي فرضته السلطات النقدية يحول قرار بنك السودان المركزي من خيار تنظيمي اعتيادي إلى ضغط وجودي حاد على البنوك، مبيناً أنه سيعيد تشكيل خريطة القطاع المصرفي في غضون أشهر معدودة بدلاً من سنوات. وأوضح عبد المنعم أن هذا المدى الزمني الحرج يفرز واقعاً جديداً يغدو فيه زيادة رأس المال خياراً حصرياً للنخبة المصرفية، والاندماج مساراً اضطرارياً للكيانات المتوسطة، بينما تحيى التصفية الإدارية كاحتمال متوقع للمؤسسات العاجزة عن توفيق أوضاعها.
تحديات الرسملة
وفي هذا الصدد، أشار د. لؤي إلى أن تضييق هامش المناورة يجعل زيادة رأس المال أمراً شبه مستحيل بالنسبة للبنوك المتضررة شديداً من النزاع، محصوراً فقط في خانة المؤسسات ذات المراكز المالية المليئة. وفصّل الخبير المصرفي ذلك بالإشارة إلى أن استقطاب مستثمرين لضخ دماء رأسمالية جديدة في بيئة عالية المخاطر يُعد التزاماً عسير التنفيذ خلال أشهر قليلة، ناهيك عن غياب الميزانيات المدققة الحديثة للبنوك التي فقدت مقرّاتها أو أصولها. وأضاف أن التضخم الجامح وتداعي القوة الشرائية للعملة يلتهمان أي زيادة مرتقبة بسرعة، فضلاً عن التعقيدات الإجرائية التي تكبّل البنوك الحكومية والمختلطة، مما يغلق باب الرسملة أمام أغلب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
اندماج قسري
وارتباطاً بذلك، نبه عبد المنعم إلى أن ضيق المهلة يدفع البنوك الصغيرة والمتوسطة نحو الاندماج الإجباري؛ فبعد أن كان خياراً استراتيجياً متأنياً يتطلب مفاوضات ممتدة وفحصاً نافياً للجهالة وتقييماً دقيقاً للأصول، تحول تحت مقصلة الوقت إلى ملاذ اضطراري لتفادي التصفية. وحذّر من أن الكيانات الأقوى قد تستغل عامل الزمن لفرض شروط غير متكافئة، مما ينجم عنه اندماجات شاذة أو غير مدروسة تنتج مؤسسات أكبر حجماً لكنها تفتقر للانسجام والتماسك المالي، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذه المحاذير لا تُنقص من الأهمية الهيكلية للقرار.
احتمالات التصفية
ومن جهة أخرى، استعرض د. لؤي عبد المنعم تداعيات رفع احتمالات التصفية الإدارية للبنوك العاجزة عن التحرك السريع، لاسيما تلك التي فقدت أنظمتها التشغيلية وسجلاتها أثناء الحرب أو التي تعاني من تعثر مزمن وخسائر متراكمة. وبيّن الخبير الاقتصادي أن التصفية، رغم إضعافها الأولي للثقة بسبب كشفها عن هشاشة بعض الكيانات وسحب بعض المودعين لأموالهم خوفاً من العدوى النقدية، إلا أنها تُشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة إذا أُدرجت ضمن برنامج إصلاحي يتسم بالحوكمة والشفافية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتطهير السوق من المؤسسات الهشة.
المخاطر النظامية
وعلى صعيد الآثار الهيكلية، لفت عبد المنعم إلى أن القضاء على الكيانات المصرفية الأضعف يحدّ من فرص انتقال العدوى الماليّة عبر القطاع، ولاسيما في سوق يعاني أصل تفاقم الديون المتعثرة وتآكل الأصول بفعل النهب والتضخم. وأكد أن هذه الخطوة تُعيد صياغة التوقعات النفسية والسلوكية للجمهور، وتحول الثقة المصرفية من مجرد مفهوم انطباعي إلى رأس مال غير مادي يضمن استقرار التعاملات، وتنشيط أوعية الإيداع، وكبح جماح التفضيل النقدي خارج النظام الرسمي.
حماية المودعين
وتأسيساً على ما تقدم، جزم د. لؤي بأن الخطة تستهدف بالأساس تقوية الحماية الهيكلية لأموال المودعين عبر تعزيز الملاءة المالية وقدرة البنوك على امتصاص الصدمات الخارجيّة دون المساس بحقوق المتعاملين. وشرح الخبير المصرفي أن الخطة تدرأ خطورة “عدوى السحب الجماعي” والهلع المصرفي من خلال استبعاد المؤسسات المتهالكة مسبقاً وبصورة منظمة، بدلاً من تركها للانهيار الفوضوي المفاجئ الذي ينسحب على مجمل الجهاز المصرفي.
محاذير التنفيذ
وفي السياق ذاته، أوضح عبد المنعم أن الجدول الزمني المشدود يتضمن سلاحاً ذو حدين؛ ففي حين يجبر المؤسسات على التحرك الفوري ويقطع الطريق أمام المماطلة، فإنه يحمل مخاطر تنشيط اندماجات متسرعة وصعوبات في جذب رؤوس الأموال، مما يجعل نجاح التجربة مراهناً على إدارة البنك المركزي للرسائل الإعلامية والإجراءات الفنية بحرفية عالية. واستطرد بالقول إن تفعيل ضمانات صريحة لسداد ودائع البنوك الخاضعة للتصفية مع الإفصاح الدوري يوفر حائلاً دون حدوث صدمات سحب مفاجئة.
أدوات استثنائية
واختتم د. لؤي عبد المنعم إفادته بالتأكيد على حاجة البنك المركزي الملحة لاستخدام حزمة من الأدوات الاستثنائية لإسناد المصارف، وفي مقدمتها فتح “نافذة سيولة طارئة” بضمانات مرنة، وتوفير ضمان حكومي مؤقت لودائع الشريحة الصغرى والمتوسطة. كما حثّ الخبير المصرفي على اعتماد “برنامج دعم رسملة البنوك” لضخ أموال مؤقتة في الكيانات الحرجة، وتجميد الأنشطة عالية المخاطر، فضلاً عن فرض رقابة لحظية على التدفقات اليومية، وتوسيع تسهيلات المقاصة لضمان الانسيابية المالية وتجنب أي مظاهر للذعر.
اتجاه صحيح
وفي اتجاه يكمل ويؤطر هذا الطرح الفني، أكّد الخبير الاقتصادي محمد نور كرم الله أن قرار بنك السودان المركزي الصادر بالمنشور رقم (4/2026) بشأن رفع الحد الأدنى لرؤوس أموال المصارف يُمثّل اتجاهاً صحيحاً ومطلوباً لإعادة بناء القطاع، مستدركاً بأن مكامن الخطر تتجسد في سرعة التنفيذ والتوقيت الحرج وسط ظروف الحرب وتآكل الأصول وضعف السيولة. وأوضح كرم الله أن الهدف الأساسي للهيكلة لا ينبغي أن يقتصر على تقليص عدد البنوك الـ 38 المسجلة، بل يتعداه إلى رفع قدرة الجهاز المصرفي على حماية المدخرات وتمويل الاقتصاد؛ وهو ما يستدعي موازنة دقيقة من المركزي بين فرض الانضباط المالي بعدم إنقاذ الكيانات الفاشلة، وبين الحفاظ على الاستقرار ومنع الانهيار المتسلسل للنظام المصرفي عبر إتاحة خيارات متدرجة للرسملة والاندماج قبل اللجوء للتصفية.
ضوابط المنشور
وفي هذا الإطار، أشار كرم الله إلى أن المنشور حدّد أطر أرقام رأس المال المدفوع بقيمة 140 مليار جنيه للمصارف التجارية والرقمية، و230 ملياراً للمصارف التنموية الزراعية والصناعية، مع إعطاء مهلة لتوفيق الأوضاع. وبحسب تقييمه، فإن ضيق المدى الزمني المتاح حتى نهاية العام الجاري يجعل الخيارات المطروحة غير متكافئة؛ إذ يظل خيار زيادة رأس المال عبر ضخ أموال حقيقية أمراً شديد الصعوبة على البنوك الصغيرة والمتوسطة في ظل انخفاض قيمة الأصول. وفي مقابل ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن الاندماج هو الخيار الأكثر واقعية، بشرط ألا يكون اندماجاً عشوائياً يجمع مؤسسات ضعيفة لينتج كياناً أكثر هشاشة، داعياً المركزي لترتيب مهلة تمهيدية تتراوح بين 60 إلى 90 يوماً لإعداد خطط اندماج متماسكة قائمة على حوكمة جودة الأصول.
ثلاثية الأمان
ومن جهة أخرى، شدّد محمد نور كرم الله على أن الأداة الجوهرية الغائبة التي يجب أن تسبق أي تصفيات واسعة تتمثل في إيجاد شبكة أمان مصرفية شاملة. وأوضح أن هذه الثلاثية—المكونة من نظام صريح لضمان الودائع، ونافذة سيولة طارئة، وصندوق استقرار مصرفي—هي الكفيلة بتحويل عملية إعادة الهيكلة من مصدر هلع للمودعين إلى ركيزة أساسية لاستعادة الثقة في القطاع. كما بيّن أن التصفية الإدارية ينبغي أن تُعامل كآخر الملاذات المتاحة وليس أولها، ولا تُطبق إلا على المؤسسات غير القابلة للإصلاح عقب خضوعها لتقييمات مستقلة لأصولها والتزاماتها لضمان حماية المودعين ومنع صدمات السحب المفاجئ.
حزمة إنقاذ
وبناءً على المعطيات الميدانية، اقترح كرم الله أن يقدم بنك السودان المركزي حزمة إنقاذ مصرفية مؤقتة متكاملة بدلاً من الاقتصار على الموجهات الرأسمالية الصارمة. وتتضمن هذه الحزمة تأسيس صندوق الاستقرار المصرفي، وتفعيل برنامج إعادة الرسملة المشروطة للمصارف الحيوية القابلة للحياة عبر مشاركة حكومية مؤقتة تحفظ حق الاسترداد، بجانب فتح نافذة لإعادة التمويل قصير الأجل للمؤسسات التي تعاني من أزمات سيولة عابرة لا أزمات ملاءة، فضلاً عن تقديم تسهيلات تنظيمية وانتقالية تحفز عمليات الاندماج دون الإخلال بالرقابة الصارمة.
تدقيق الأصول
وارتباطاً بالمسار التنظيمي، حثّ الخبير الاقتصادي على تصنيف المصارف الـ 38 إلى ثلاث فئات (A, B, C) بناءً على الحجم والقدرة التشغيلية ومدى تطبيق الحوكمة. وحذّر كرم الله من مخابئ الاندماج القسري العشوائي الذي قد يترتب عليه نقل القروض المتعثرة والخسائر الخفية من بنك لآخر، محبّذاً إجراء مراجعة مستقلة وشاملة لجودة الأصول (Asset Quality Review) قبل إقرار أي اندماج رئيسي؛ لضمان الاستفادة من وفورات الحجم، وتخفيض التكاليف، وتحسين البنية التكنولوجية لخدمة القطاعات الإنتاجية.
مراحل زمنية
واختتم محمد نور كرم الله إفادته بتقديم مقترح لخطة زمنية مرحلية تتجاوز الموعد النهائي المحدد بنهاية ديسمبر 2026، لتكون هذه المهلة نهاية للمرحلة الأولى الخاصة بالتقييم والتصنيف الميداني فقط. ووفقاً لرؤيته، تُخصص الفترة من يناير إلى يونيو 2027 لتنفيذ الاندماجات وإعادة رسملة المصارف القابلة للحياة، لتتبعها مرحلة ممتدة بين عامي 2027 و2028 لمعالجة الأصول المتعثرة وتأسيس نظام ضمان الودائع، وصولاً لما بعد عام 2028 بنشوء قطاع مصرفي سوداني أقل عدداً، وأعلى رأسمالاً، وأكثر مرونة وقدرة على تمويل مشروعات إعادة الإعمار.
