مراهم الإشراق.. لمداواة وحوش الحرب؟!
الجميل الفاضل يكتب:
عندما تتهاوى السواتر، وتختلط المدافع بأنين الأبرياء، لا تعود الحرب حرباً على الأرض وحدها؛ إذ ثمة حربٌ أخرى تجري داخل رجال وحوش، على ما تبقى من الإنسان في الإنسان.
ولعل أفظع ما فعلته الحرب بالسودان أنها لم تهدم البيوت والقرى فحسب، لكنها أطلقت من داخل بعض النفوس وحوشاً كامنةً فيها.
فحين يبقر إنسانٌ بطن إنسان، أو يحرق سوقاً أو قريةً بمن فيها، أو عندما يتحول الجسد البشري عنده إلى مادة للانتقام بالاغتصاب، أو حتى باستخدام أسلحة إبادة ما أنزلت قوانيين العالم بها من سلطان، فإن السؤال لا ينبغي أن يقف عند حدود الجريمة وحدها؛ ليصبح السؤال من ثَمّ: كيف استطاع إنسانٌ – مهما كان – أن يفعل كل ذلك بإنسان آخر من بلده، دون أن يطرف له جفن؟
على أية حال، فالعدالة لها سيفها، والقانون له بابه، وللقصاص آلياته؛ لكن ثمة باباً آخر لا تفتحه المحاكم: هو باب القلب.
وهنا تلوح مفارقة الإمام مالك في الرواية المشهورة عنه، حين سُئل عن دم البعوضة: أيفسد طهارة المصلي؟ فأعاد السائل إلى سؤال أكبر: كيف يستثقل المرء دم بعوضة، ثم لا يستثقل دم الحسين؟
ليست العبرة هنا في البعوضة وحدها، ولا في الحسين وحده؛ إنما في قلبٍ اختلت موازينه: يتورع حين المساس بدم صغير، ثم لا يجد ضيرا في استباحة دم أكبر، أقدس، وأطهر. إن هذه ليست، في جوهرها، أزمة فقه، إنما هي أزمة بصيرة.
ولعل شاعرنا التجاني يوسف بشير كان يرى هذه البصيرة بعين أخرى، حين قال:
«هذه الذرة كم تحمل في العالم سراً، قف لديها وامتزج في ذاتها عمقاً وغوراً»
فالذرة في قصيدته «الصوفي المعذب» ليست ذرةً؛ إنما هي سر، والوردة ليست وردةً؛ إنما هي رسالة، والنملة ليست حشرةً عابرة؛ إنها – في رؤيته – «رجعٌ لصدى خالقها».
كان التجاني يرى الكون كتاباً حياً، ويصغي إلى ما لا تسمعه الآذان: «ترَ كلَّ الكون لا يفتر تسبيحاً وذكراً».
وحين يرى هذا الإنسان السوداني المرهف العالم هكذا، كيف يمد يده إلى شيء فيه ليفسده عبثاً؟ وبالتالي، ربما تبدأ الوحشية هنا عندما يصمت هذا التسبيح في الدواخل، عندما لا نعود نرى في الشجرة إلا خشباً، وفي الماء إلا مورداً، وفي الحيوان إلا منفعة، وفي الإنسان إلا خصماً.
هناك تنكسر المرآة؛ فالمجرم لا يبدأ بقتل الإنسان؛ ربما يبدأ أولاً بقتل قيمة الإنسان في عقله.
فحين يموت هذا المعنى، يصبح الدم رقماً، والجسد غنيمة، والقرية هدفاً، والطفل تفصيلاً صغيراً في نشرة حرب.
وهنا لا تكفي السياسة وحدها، فقد نحتاج حينها إلى ما أسميتها: مراهم الإشراق الكبرى.
مرهم الذرة:
أن نتعلم أن للصغير حرمةً وسراً؛ فالقلب الذي يتورع عن إيذاء نملة يستعيد شيئاً من حاسة الرحمة الأولي.
مرهم الوردة:
أن نستعيد القدرة على رؤية الجمال بلا منفعة؛ فنزرع حيث أحرقنا، وننبت حيث تركنا الرماد، ونصلح ما لا يستطيع أن ينتقم منا.
مرهم الماء:
أن نعيد إلى ما أفسدته الحرب مجراه؛ ننظف ما لوثناه، ونسقي ما أعطشناه؛ فلعل ترميم الظاهر يوقظ ترميم الباطن.
مرهم الإنسان:
أن نسترد للدم البشري حرمته، وللإنسان كرامته.
فالسلاح قد يُنتزع من اليد، لكن أثره لا يغادر القلب، إلا حين تتعلم مثل هذه النفوس أن الآخر إنسانٌ مثلها.
ولذلك فإن السودان، بعد أن تنتهي هذه الحرب – متى انتهت – لن يحتاج إلى إعادة بناء المدن فقط، لكنه سيحتاج إلى مداواة وحوش الحرب التي خرجت من كهوف ومن آبار هذه النفوس العميقة.
فالسياسة توقف المدفع، والعدالة تقتص من الجاني، والمعاهدات تفتح الطريق؛ لكن شيئاً أعمق يظل محتاجاً إلى الشفاء: هو الضمير.
قد نحتاج إلى مدرسة جديدة، يتعلم فيها الإنسان أن للوجود كله حرمة: للذرة، وللنملة، وللزهرة، وللماء، وللشجرة، ثم – قبل كل ذلك – للإنسان نفسه.
فربما كان الطريق إلى استعادة الإنسان يمر، على نحو عجيب، بتمارين روحية توقّر أصغر الكائنات، كي تكون مدخلاً لتعلم الرحمة على كائنات دنيا لا مصالح لنا فيها، وإلى أن نستطيع وفق تدرج معقول بلوغ ذروة أن نرحم من اختلف معنا ذاته في مرحلة تالية.
لقد بدأ التجاني من الإشراق، وانتهى إلى العتمة، قائلاً: «غاب عن نفسي إشراقك والفجر الجميل».
فبين هاتين الجملتين تكمن مأساة الإنسان، الذي عندما يحضر الإشراق فيه، يرى في الذرة سراً، وفي النملة آية، وفي الوردة نشيداً، وفي الإنسان حرمة.
وحين يغيب ذلك الإشراق، يستحجر بين يديه الماء، ويصمت التسبيح، ويصبح الدم مجرد وزن زائد.
لذلك قد يكون السودان في حاجة عميقة، لا إلى إطفاء هذا الحريق، إنما إلى إعادة الإشراق إلى تلك النفوس التي انطفأت.
فالأوطان لا تُرمَّم بالحجارة وحدها، ولا تُداوى بالمعاهدات وحدها؛ إنها تُشفى عندما تستعيد كل نفس مرآتها؛ وحين يستيقظ في الإنسان المندثر صوته القديم، صوت الكون كله: سبحان من جعل في الذرة سراً، وفي النملة آية، وللإنسان حرمة.
وحينها فقط، قد تعود وحوش الحرب إلى كهوفها، ويعود الإنسان إلى الإنسان فيه.
