قراءة نفسية في الحرب السودانية(5)

آدم زكريا بكر يكتب ..
• عضو جمعية مستشاري الصحة النفسية في ولاية واشنطن
في المقالات السابقة شرحتُ الجوانب النفسية التي أدت للتعاطف مع القوات المسلحة السودانية، وفي هذه المقالة سأُطبّق الإطار نفسه على مؤيدي قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس، لا سيما موقف أولئك الذين عانت مجتمعاتهم من غارات جوية وقصف مدفعي وتهجير قسري أو انتهاكات أخرى وخاصة استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية.
يمكن للنظريات الخمس ذاتها التي تناولتها سابقا أن تؤدي إلى استنتاج معاكس. لننظر في حال مدنيين اثنين:أحدهما (أ) يقول لقد دمرت قوات الدعم السريع مجتمعي. والجيش هو القوة الوحيدة القادرة على إيقافهم؛ “لذا يجب أن ينتصر الجيش”. بينما الثاني (ب) يقول لقد قصفت القوات المسلحة بلدتي وقتلت أقاربي، ولن يحمي الجيش أبداً أناساً مثلنا، وقوات الدعم السريع هي القوة الوحيدة القادرة على هزيمة الجيش؛ “لذا يجب أن تنتصر قوات الدعم السريع”. فمن الناحية النفسية، قد يكون هذان الشخصان أكثر تشابهاً مما يبدو عليه الحال. وصحيح أن تجاربهما مع التعرض للأذى مختلفة، إلا أن البنية النفسية الكامنة ذاتها قد تعمل لديهم وفق تسلسل صدمة ← إدراك التهديد ← الانتماء للمجموعة ← الاستقطاب الأخلاقي ← تجريد العدو من إنسانيته ← تبرير موقف الطرف الذي ينتمي إليه المرء ← الالتزام بتحقيق النصر.
إذ يمكن للصدمة الجماعية أن تولّد ولاءات سياسية متناقضة. لنفترض أن مجتمعاً ما قد تعرض مراراً لهجمات قامت بها القوات المسلحة. هنا، لا تقتصر الذاكرة النفسية على مجرد فكرة لقد قتل الجيش مدنيين بل تتحول إلى قناعة مفادها “إن الجيش يقتل حواضننا ومجتمعاتنا”. وهذه العبارة الأخيرة ذات عواقب هائلة؛ إذ تتحول الصدمة إلى جزء من الهوية الجماعية. ويبدأ الفرد في النظر إلى نفسه ليس فقط كمواطن سوداني عادي، بل كمواطن في مجموعة تتعرض للهجوم والقصف الممنهج. وعندها، تتغير حسابات البقاء. فقبل الحرب، كان الموقف لا أهتم كثيراً بقوات الدعم السريع؛ وأما بعد تكرار الهجمات، يصبح الموقف إذا “هُزمت قوات الدعم السريع، فمن سيحمينا؟” وبالتالي، يمكن أن تمر قوات الدعم السريع بتحول نفسي استثنائي؛ إذ تتغير النظرة إليها باعتبارها كانت مجرد قوات عسكرية إلى قوات حاميةً من انتهاكات الجيش ← درعاً ← وممثلةً ← ورمزاً للبقاء. وهذا بصرف النظر عن توقف انتهاكات بعض منسوبيها أم لم تتوقف. حيث أن الضحايا ينظرون نفسياً إليها كتنظيم مسلح وقوة حامية، حتى وإن كان ذلك التنظيم نفسه لم يسلم تماما من الانتهاكات. وهنا يتجلى عمل نظرية الهوية الاجتماعية من خلال تجربة التعرض للأذى؛ وهنا تكمن الخطورة البالغة للبعدين العرقي والمناطقي عندما يكون استهداف الجيش من منظور عرقي مناطقي وليس من منظور خلاف سياسي.
فالصراع في السودان ليس مجرد صراع بين جيشين ومن السذاجة بمكان أن نظن أنه صراع بين جنرالين وأن مجرد لقاءهما وحده يعتبر حل للصراع؛ إذ تعتمد كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بدرجات متفاوتة على قوات حليفة وقوات محلية، مما اكتسب الصراع أبعاداً مناطقية وعرقية قوية. وتشير تقديرات الحكومة البريطانية صراحةً إلى أن أياً من القوتين لا تتمتع بتماسك كامل مما أدى إلى انشقاقات.
عندما تكرر عبارات مثل القبيلة الفلانية تدعم قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس، أو هذه القبيلة هي العدو ومؤيدة لقوات الدعم السريع فإن هذه المرحلة هي التي يصبح فيها النزاع المسلح من حيث بنيته النفسية مرشحاً لأن يكون إبادة جماعية، حتى قبل أن نصل إلى توصيف قانوني للإبادة الجماعية، لأن الفرد المنتمي إلى تلك القبيلة لم يعد يُحكَم عليه بناءً على سلوكه وموقفه السياسي بل أصبح يُحكَم عليه بناءً على انتمائه. وهذا يفسر أمراً مقلقاً للغاية مثل اقتلوا القبائل التي تدعم قوات الدعم السريع، مثلما صرح به قيادي اسلامي وصحفيات يدعمن الجيش. إن عبارات ومواقف كهذه هي أخطر بكثير، من الناحية النفسية، من الكراهية العسكرية المعتادة. فهي تمثل انتقالاً من مقاتلٍ عدو إلى سكانٍ أعداء. وبذلك يصبح التسلسل النفسي هو لقد انضم بعض أفراد القبيلة الفلانية إلى قوات الدعم السريع، ثم إلى القبيلة صارت تدعم قوات الدعم السريع، ثم إلى القبيلة تتحمل المسؤولية، إلى “القبيلة بحد ذاتها هي العدو”. وهكذا تحل المسؤولية الجماعية محل المسؤولية الفردية. وحين يحدث ذلك، يمكن إعادة تأطير قتل المدنيين نفسياً ليصبح يجب “القضاء على العدو”، حيث لا فرق بين القوات المقاتلة وبين المدنيين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية ومواقفهم من هذه الحرب. وتُعد هذه واحدة من أخطر التحولات النفسية في الحروب الأهلية التي تؤدي إلى فقدان الثقة وتلحق الضرر باللحمة الوطنية وتجدد ازدياد خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية والفرز الجغرافي العرقي وتدمير النسيج الاجتماعي الذي بات هشاً.

ونواصل………