
توقفت عجلاته ولم تتوقف حكايته.. جعفر خضر، صوت القضارف الذي لم يساوم على “الثورة” والعدالة
فيتشر/ الغد السوداني – في القضارف، لم يكن خبر رحيل جعفر خضر مجرد نعي لرجلٍ غاب، بل إغلاقاً لصفحة من سيرة مدينة عرفت في الرجل صوتاً لا يساوم، ووجهاً لم تمنعه الإعاقة من الوقوف في الصفوف الأولى بحثاً عن وطن أكثر عدلاً.
من ديم النور، الحي الذي احتضن منتدى «شروق» وفتح حوشه للطلاب والفقراء وعابري الطريق، خرج جعفر إلى المجال العام. كان جسده يتراجع باطراد، لكن إرادته كانت تسير في الاتجاه المعاكس.
وُلد جعفر عام 1970 في البركل شمالي السودان، واستقرت أسرته لاحقاً في القضارف. في الثانية عشرة اضطر إلى ترك كرة القدم بعد إصابته بضمور في العضلات، وفي التاسعة عشرة فقد القدرة على ركوب الدراجة، ثم توقف عن المشي في الثلاثين.
لم يتعامل مع الكرسي المتحرك باعتباره نهاية الطريق. صار وسيلته إلى الناس.
درس العلوم في جامعة الخرطوم، ثم المحاسبة قبل أن ينتقل إلى العلوم السياسية. كان مقتل أحد زملائه برصاصة نقطة تحول في حياته؛ أسئلة السياسة بالنسبة إليه لم تعد أكاديمية: لماذا يتحول الاختلاف إلى عنف؟ ولماذا تغيب العدالة؟ وكيف يصبح الرصاص لغةً لحسم الخلاف في بلد متعدد مثل السودان؟
من تلك الأسئلة تشكل جعفر خضر الذي عرفته القضارف: ناشطاً ومثقفاً، ومشاركاً في منتدى «شروق» ومبادرة القضارف للخلاص، وحاضراً في العمل الطوعي والاجتماعي والإنساني.
عرف مخافر الأمن كما عرف المنتديات. دخلها بسبب مواقفه، لكنه لم يخرج منها متنازلاً عن قناعاته. ظل يردد: «كلما رأيت الظلم تتجدد رغبتي في المقاومة».
وفي حوش ديم النور، لم يكتفِ بفتح بابه للناس؛ حوّله إلى مساحة للتعليم والعمل العام. كان يعلّم الأطفال القراءة، لكنه كان، في معنى أوسع، يحاول تعليمهم كيف يقرؤون وطنهم.
كانت العجلات تحمل جعفر من شوارع جامعة الخرطوم إلى أسواق القضارف، ومن المنتديات إلى ساحات العمل الطوعي. وبينما كان كرسيه يتحرك ببطء، كان صوته يقطع مسافات أبعد.
اليوم توقفت العجلات.
لكن غياب جعفر لن يكون نهاية حكايته. ستفتقده القضارف، وسيفتقده الأطفال الذين عرفوا حوشه، والأسر التي امتدت إليها يداه، ورفاق العمل العام، وحتى المختلفون معه.
فبعض الناس يغادرون حين يتوقف القلب، وبعضهم يبدأ حضوره الحقيقي بعد الرحيل.
رحل جعفر خضر، لكن الرجل الذي قاوم العجز طوال حياته ترك وراءه ما هو أبقى من الجسد: سيرة رجل اختار المقاومة، وفتح بيته للناس، ومضى في طريقه حتى النهاية.
