التنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان.. منصة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني؟
محمود اللعوتة يكتب ...
يأتي بحث تأسيس مجلس للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد السوداني، لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة نادرة لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بين البلدين على أسس تتجاوز الدعم والمساعدات إلى الاستثمار والشراكة طويلة الأجل.
ويواجه السودان اقتصاداً أنهكته الحرب، وتضررت خلال أكثر من ثلاثة أعوام من الصراع بنيته التحتية وقطاعات الإنتاج والخدمات، فيما تراجعت الإيرادات العامة وارتفعت معدلات الفقر. وفي المقابل، تمتلك السعودية قاعدة مالية واستثمارية واسعة، ومؤسسات تمويل وتنمية، وشركات قادرة على تنفيذ مشروعات كبرى في قطاعات البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية.
لكن المعادلة لا تقوم فقط على احتياجات السودان، إذ يمتلك البلد موارد وفرصاً يمكن أن تشكل قاعدة استثمارية مهمة للسعودية، من أراضٍ زراعية وثروة حيوانية وموارد معدنية، إلى ساحل طويل على البحر الأحمر وموقع جغرافي استراتيجي، فضلاً عن احتياجات ضخمة في مجال إعادة الإعمار.
ومن هنا، يمكن أن يتحول مجلس التنسيق المقترح إلى منصة لتحويل الموارد السودانية المعطلة إلى فرص استثمارية، وربط رأس المال والخبرة والأسواق السعودية بعملية التعافي الاقتصادي في السودان.
اقتصاد منهك يحتاج إلى شراكة استثنائية
تكشف بيانات البنك الدولي حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوداني. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4 في المائة خلال 2023، ثم سجل انكماشاً إضافياً بنحو 14 في المائة في 2024، بينما تشير تقديرات البنك إلى نمو بنحو 3.1 في المائة خلال 2025، وهو تحسن يأتي من قاعدة منخفضة للغاية بعد عامين من الانكماش الحاد.
وتراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10 في المائة من الناتج المحلي عام 2022 إلى أقل من 5 في المائة خلال 2024 و2025، في حين ارتفعت نسبة الفقر المدقع، وفق تقديرات البنك الدولي، من 48 في المائة عام 2023 إلى 59 في المائة في 2025.
ومع ذلك، تشير توقعات البنك الدولي المنشورة في يونيو 2026 إلى إمكانية نمو الاقتصاد السوداني بنحو 5.5 في المائة خلال 2026 و4.4 في المائة في 2027، إذا استمرت ظروف التعافي.
وتعني هذه الأرقام أن الاقتصاد قد يدخل مرحلة إعادة بناء تدريجية، لكنها ستبدأ من قاعدة شديدة الانخفاض، وهو ما يجعل توفير رأس المال والاستثمار وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية عوامل حاسمة في مسار التعافي.
التجارة.. قاعدة يمكن البناء عليها
العلاقات التجارية بين السعودية والسودان لا تبدأ من الصفر. فبحسب بيانات منصة «DataSaudi»، بلغت صادرات السعودية إلى السودان خلال 2025 نحو 3.9 مليار ريال، فيما بلغت واردات السعودية من السودان نحو ملياري ريال، ليصل إجمالي التجارة الثنائية إلى قرابة 5.9 مليار ريال.
وتكشف هذه الأرقام عن مساحة واسعة لتوسيع التعاون، إذ يستطيع السودان زيادة صادراته من المنتجات الزراعية والحيوانية والموارد الطبيعية، بينما يمكن للسعودية توفير الآلات والمدخلات والتكنولوجيا والتمويل والخدمات.
ومن هنا يمكن أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لمجلس التنسيق الجديد رفع الاستثمارات السعودية المباشرة في القطاعات الإنتاجية السودانية خلال الفترة من 2026 إلى 2030، بحيث لا تظل العلاقات الاقتصادية محصورة في التجارة أو المساعدات الإنسانية.
إعادة الإعمار.. المدخل الأول للشراكة
تبدو إعادة إعمار السودان مرشحة لأن تكون أحد أبرز الملفات على أجندة التعاون بين البلدين.
ففي يونيو 2026، بحث السودان والسعودية دعم معالجة الديون وتمويل مشروعات التعافي وإعادة الإعمار، كما طلب الجانب السوداني دعماً سعودياً داخل المؤسسات المالية الدولية والإقليمية لتسهيل حصوله على التمويل.
وناقش الجانبان كذلك التمويل المباشر للمشروعات التنموية والخدمية ذات الأولوية وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويمكن لمجلس التنسيق الاستراتيجي أن يترجم هذه التوجهات إلى منصة سعودية–سودانية لإعادة الإعمار، تتولى تحديد مشروعات قابلة للتمويل في قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والجسور والموانئ والمطارات والاتصالات والمستشفيات والمدارس والمناطق الصناعية.
والأهم أن تتحول هذه المشروعات تدريجياً من نموذج المنح إلى التمويل التنموي والاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيثما تسمح الظروف الاقتصادية والأمنية بذلك.
الديون.. دور يتجاوز التمويل المباشر
لا يحتاج السودان إلى تمويل مباشر فقط، بل إلى استعادة قدرته على الوصول إلى المؤسسات المالية الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن للسعودية أن تلعب دوراً مهماً في دعم السودان داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الإسلامي للتنمية والمؤسسات المالية العربية والأفريقية.
وتملك الرياض خبرة واسعة في أدوات التمويل التنموي والصكوك وتمويل مشروعات البنية التحتية، كما سبق أن دعمت جهود تأهيل السودان للاستفادة من مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.
وفي ديسمبر 2025، وقع السودان اتفاقية لإعادة جدولة مديونيته لصندوق النقد العربي على مدى 25 عاماً، بما يعكس أهمية إعادة هيكلة الالتزامات المالية السودانية في تهيئة الظروف للتعافي.
الزراعة.. فرصة تتجاوز الأمن الغذائي
ربما تكون الزراعة القطاع الأكثر قدرة على تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
ويمتلك السودان إمكانات كبيرة في إنتاج القمح والذرة والسمسم والحبوب والزيوت والسكر والأعلاف والفواكه والخضروات والقطن، إلى جانب ثروة حيوانية ضخمة.
وفي المقابل، تسعى السعودية إلى تنويع مصادر الغذاء وتعزيز أمنها الغذائي وتنويع سلاسل الإمداد.
ومن هنا يمكن بناء نموذج متكامل يقوم على توظيف رأس المال السعودي في مشروعات زراعية سودانية، مع إدخال التكنولوجيا الحديثة والتمويل والتأمين والتخزين والنقل والتصنيع الغذائي، وصولاً إلى السوق السعودية.
وتعزز التطورات الدولية هذا التوجه، إذ وقع السودان في مايو 2026 اتفاقية بقيمة 83 مليون دولار مع البنك الأفريقي للتنمية لتعزيز صمود الأنظمة الزراعية والغذائية وزيادة إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل في الأنشطة الزراعية.
ويمكن للاستثمار السعودي أن يضيف إلى هذا المسار رأس المال والخبرة والسوق والتكنولوجيا.
الثروة الحيوانية.. من تصدير المواشي إلى صناعة متكاملة
تمثل الثروة الحيوانية مجالاً آخر يمكن أن يشهد تحولاً كبيراً في التعاون الاقتصادي.
وتشير بيانات التجارة إلى أهمية الحيوانات الحية ضمن واردات السعودية من السودان، ما يعكس وجود سوق قائمة بالفعل.
لكن النموذج الأكثر فائدة للاقتصاد السوداني لن يتوقف عند تصدير المواشي، بل يمكن أن يمتد إلى سلسلة إنتاج متكاملة تشمل التربية والأعلاف والرعاية البيطرية والمسالخ الحديثة والتبريد والتصنيع والنقل والتصدير.
وبذلك ينتقل السودان من تصدير سلعة أولية إلى تحقيق قيمة مضافة أكبر وخلق فرص عمل واستثمارات صناعية مرتبطة بالقطاع.
الذهب والتعدين.. فرصة بشروط
يشكل التعدين والذهب أحد أبرز القطاعات التي يمكن أن تجذب رأس المال السعودي، لكن التحدي يتمثل في تحويل الموارد المعدنية إلى صناعة تعدين حديثة بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام.
وتملك السعودية خبرة متنامية في تطوير قطاع التعدين، إذ بلغ عدد الرخص التعدينية السارية لديها بنهاية 2025 نحو 2,925 رخصة، بينها 1,018 رخصة كشف و275 رخصة استغلال تعدين ومنجم صغير.
ويمكن الاستفادة من الخبرات السعودية في التنظيم والاستثمار والتقنيات التعدينية لتطوير قطاع التعدين السوداني، بشرط توفير بيئة قانونية وشفافة تضمن حقوق المستثمر والدولة والمجتمعات المحلية.
البحر الأحمر.. ممر اقتصادي استراتيجي
يمثل موقع السودان على البحر الأحمر أحد أهم عناصر القوة في العلاقة مع السعودية.
فالساحل السوداني يمكن أن يتحول إلى قاعدة لمشروعات الموانئ والخدمات البحرية والمناطق اللوجستية والمستودعات والمناطق الاقتصادية الخاصة والصناعات المرتبطة بالموانئ.
كما يمكن تطوير سلاسل إمداد تربط المنتجات الزراعية والمعدنية السودانية بالأسواق الإقليمية والعالمية عبر البحر الأحمر.
ومن شأن ذلك أن يضع الأساس لممر اقتصادي سعودي–سوداني يجمع بين الموانئ والتجارة والغذاء والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية.
الطاقة.. شرط أساسي لإعادة البناء
لا يمكن أن تبدأ عملية إعادة بناء الاقتصاد السوداني من دون معالجة أزمة الطاقة والكهرباء.
ويمكن أن يشكل هذا القطاع مجالاً واسعاً للتعاون السعودي–السوداني، من خلال مشروعات الطاقة الشمسية ومحطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتخزين وتوفير الطاقة للمشروعات الزراعية والمناطق الصناعية.
كما يمكن ربط مشروعات الطاقة بقطاعات المياه والتحلية والمعالجة، بما يساعد على توفير بنية أساسية تخدم الاقتصاد والإنتاج.
الصناعة.. إنهاء الاعتماد على تصدير الخام
من أهم أهداف الشراكة الاقتصادية ألا يعود السودان إلى نموذج تصدير المواد الخام.
فالسمسم يمكن أن يتحول إلى زيوت ومنتجات غذائية، والقطن إلى غزل ونسيج، والحبوب إلى مطاحن وصناعات غذائية، والثروة الحيوانية إلى لحوم مصنعة، والمعادن إلى منتجات معالجة ذات قيمة مضافة.
هذا النموذج لا يزيد قيمة الصادرات فحسب، بل يخلق وظائف ويعزز الإيرادات ويؤسس لقاعدة صناعية يمكن أن تدعم الاقتصاد السوداني على المدى الطويل.
الاقتصاد الرقمي.. قطاع قابل للنمو السريع
يمكن أن تكون التكنولوجيا من أسرع القطاعات القابلة لإعادة البناء في السودان، خصوصاً مع التوسع في التحول الرقمي.
وتشمل الفرص شبكات الاتصالات والدفع الإلكتروني والبنوك الرقمية والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية ومراكز البيانات والتكنولوجيا الزراعية والخدمات اللوجستية الرقمية.
ويمكن للخبرات التي راكمتها السعودية ضمن مسار التحول الرقمي ورؤية 2030 أن تسهم في تطوير هذا القطاع بالسودان، بما يدعم الشمول المالي ويقلل تكلفة المعاملات ويحسن كفاءة الخدمات.
ماذا يمكن أن تقدم السعودية؟
يمكن تلخيص عناصر الشراكة السعودية المطلوبة في سبعة محاور رئيسية:
1. رأس المال والاستثمار المباشر.
2. التمويل والضمانات وتقليل مخاطر الاستثمار.
3. التكنولوجيا والخبرات الفنية.
4. الخبرة في إدارة المشروعات والبنية التحتية.
5. فتح السوق السعودية أمام المنتجات السودانية.
6. دعم السودان في الوصول إلى المؤسسات المالية الدولية.
7. تشجيع القطاع الخاص السعودي على الدخول في مشروعات إنتاجية سودانية.
وماذا يحتاج المستثمر السعودي؟
في المقابل، لن يكون جذب الاستثمارات السعودية ممكناً من دون إصلاح بيئة الاستثمار في السودان.
ويحتاج المستثمر إلى ضمانات قانونية واضحة، وحماية للملكية والاستثمار، ووضوح في الضرائب والرسوم، وإمكانية تحويل الأرباح، وحماية العقود، وشفافية في منح الأراضي والتراخيص، وآليات واضحة للتحكيم وتسوية النزاعات، فضلاً عن التأمين ضد المخاطر السياسية.
كما أن إنشاء نافذة استثمارية موحدة يمكن أن يساعد في تقليل الإجراءات والبيروقراطية وتسريع تأسيس المشروعات.
فرأس المال لا يبحث عن الموارد وحدها، وإنما عن البيئة القانونية والمؤسسية التي تسمح بتحويل هذه الموارد إلى مشروعات وعوائد مستدامة.
شراكة تتجاوز المساعدات
في النهاية، لا يحتاج السودان من السعودية إلى الأموال وحدها، وإنما إلى منظومة متكاملة من رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والأسواق والضمانات والمؤسسات والشراكات.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تنظر السعودية إلى السودان باعتباره ساحة للمساعدات فقط، وإنما باعتباره سوقاً طويلة الأجل في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والتعدين والطاقة واللوجستيات والصناعة.
وتقوم المعادلة الأكثر واقعية على تكامل عناصر القوة لدى البلدين: رأس المال والخبرة والسوق السعودية من جهة، والموارد والمساحات الزراعية والثروة الحيوانية والموقع الاستراتيجي والفرص الاستثمارية غير المستغلة في السودان من جهة أخرى.
وبالتالي، فإن نجاح مجلس التنسيق الاستراتيجي لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات، وإنما بقدرته على تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات حقيقية وتمويلات واستثمارات وفرص عمل.
وإذا نجح المجلس في ذلك، فقد تتحول السعودية من داعم رئيسي لجهود التعافي السوداني إلى شريك استراتيجي في إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة قطاعات الإنتاج، وتحويل الموارد السودانية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
المعادلة ببساطة: رأس المال السعودي × الموارد السودانية × السوق السعودية = شراكة استراتيجية قابلة للنمو.
نقلاً عن «الاقتصادية»
