من الخرطوم.. الاتحاد الأفريقي يرفض تقسيم السودان ويدفع نحو حوار ينهي الحرب

الخرطوم/ الغد السوداني – جدد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، خلال جلسة موسعة في الخرطوم، دعمه لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مؤكداً رفض أي محاولات لإنشاء كيانات أو حكومات موازية من شأنها تعميق الانقسام وإطالة أمد الحرب.

وجاءت مواقف المجلس خلال زيارة وجلسة موسعة عقدها في الخرطوم بمشاركة أعضاء مجلس السلم والأمن والوزراء والقوى السياسية، في وقت تسعى فيه الحكومة السودانية إلى إنهاء تعليق عضوية البلاد في الاتحاد الأفريقي واستعادة حضورها في المؤسسات القارية والدولية.

وقال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إن بلاده تتمسك بما وصفهما بـ«خطين أحمرين» في التعامل مع الأزمة، أولهما عدم المساواة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مشيراً إلى أن الجيش يمتد تاريخه لأكثر من قرن، وثانيهما عدم اتخاذ أي قرارات تتعلق بمصير الشعب السوداني من دون مشاركة ممثليه.

ووصف إدريس الأنشطة والعمليات السياسية التي تُجرى خارج السودان من دون مشاركة الحكومة السودانية بأنها «أعمال استعمارية»، داعياً إلى أن يكون السودانيون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية تتعلق بمستقبل بلادهم.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن ملايين السودانيين بدأوا العودة إلى الخرطوم، محذراً في الوقت ذاته من أن استمرار الأزمة السودانية قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود البلاد، وتمتد إلى القرن الأفريقي والقارة بأكملها.

ودعا إدريس الدول الأفريقية إلى تعزيز التعاون مع السودان في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين، قائلاً إن القارة تحتاج إلى السودان، الذي وصفه بأنه «مهد الحضارات القديمة»، بقدر حاجة السودان إلى محيطه الأفريقي.

الاتحاد الأفريقي يرفض الحكومات الموازية

وفي المقابل، أكد السفير محمد خالد، سفير الجزائر لدى الاتحاد الأفريقي ورئيس مجلس السلم والأمن خلال أغسطس/آب، أن زيارة المجلس إلى الخرطوم تعكس حرص الاتحاد الأفريقي على دعم السودان في استعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدته الوطنية وسيادته وسلامة أراضيه.

وشدد خالد على تمسك مجلس السلم والأمن بالمبادئ الأساسية للاتحاد الأفريقي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وأكد رفض المجلس «كل التدخلات الخارجية» التي تؤجج النزاع، كما أعلن رفض أي محاولات لإنشاء كيانات أو حكومات موازية يمكن أن تمس وحدة الدولة السودانية.

وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023، وما ترتب عليها من انقسام سياسي وعسكري واسع وتشكيل تحالفات ومبادرات متنافسة بشأن مستقبل الحكم في البلاد.

وقال رئيس مجلس السلم والأمن إن إنهاء الأزمة يتطلب تهيئة الظروف المناسبة لإطلاق حوار سوداني جامع يقوم على التوافق والشمول، مع دعم المبادرات الرامية إلى وقف الأعمال العدائية وتخفيف المعاناة الإنسانية وحماية المدنيين.

12 مليون نازح وخسائر اقتصادية واسعة

وفي الجلسة، عرض وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم حجم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب، مشيراً إلى أن أكثر من 12 مليون شخص نزحوا من مناطقهم، فيما عبر أكثر من مليوني سوداني الحدود إلى دول أخرى كلاجئين.

وقال إبراهيم إن الناتج المحلي الإجمالي للسودان تراجع بنحو 40%، بينما فقدت العملة الوطنية نحو 19 ضعفاً من قيمتها منذ اندلاع الحرب في عام 2023، في وقت تجاوز فيه التضخم 80%.

وربط الوزير بين استمرار الأزمة الاقتصادية وتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي ومؤسسات بريتون وودز، معتبراً أن هذه الإجراءات انعكست بصورة مباشرة على قطاعات واسعة من السكان.

وأشار إلى أن تعليق عضوية السودان أدى، بحسب عرضه، إلى استبعاده من مشروع «إم 300» الهادف إلى إيصال الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي، رغم أن نحو 60% من السودانيين لا يحصلون على الكهرباء.

كما أشار إلى استبعاد السودان من مؤتمر «تيكاد» في طوكيو، وتعطل مسار انضمامه إلى مبادرة الدول المثقلة بالديون، داعياً مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى إعادة النظر في قرار تعليق عضوية السودان.

وقال إبراهيم إن آثار العقوبات والإجراءات السياسية لا تقتصر على الحكومة، وإنما تطال المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفاً في ظل ظروف الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

الحرب تضرب الجامعات السودانية

وفي ملف التعليم، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي أحمد مضوي موسى محمد إن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التعليمية والبحثية في السودان.

واتهم الوزير قوات الدعم السريع باستهداف مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، مشيراً إلى وقائع شملت النهب والإحراق والاحتلال وتفكيك أصول المؤسسات التعليمية.

وقال إن 124 مؤسسة تعليم عالٍ تضررت جراء الحرب، بينها 10 جامعات حكومية في ولاية الخرطوم، و21 كلية مجتمعية، وأكثر من 65 كلية جامعية، إلى جانب 11 جامعة حكومية في ولايات أخرى.

ولفت إلى أن الخسائر لم تقتصر على المباني، وإنما شملت الأرشيفات والمعدات والمختبرات والمشروعات البحثية المتراكمة، معتبراً أن تدمير الجامعات يمثل خسارة للسودان وللمنظومة العلمية في أفريقيا.

اتهامات بدعم خارجي للحرب

من جهته، اتهم وزير التعدين السوداني أبو بكر عباس قوى خارجية بتقديم السلاح والمال لقوات الدعم السريع، مطالباً مجلس السلم والأمن الأفريقي بالضغط على الدول التي اتهمها بدعم القوات لوقف هذا الدعم.

وحذر عباس من أن استمرار التدخلات الخارجية في الصراع السوداني قد يؤدي إلى انتقال تداعيات الحرب إلى دول أخرى في المنطقة.

وفي الوقت ذاته، أكد أن الحكومة السودانية تتمسك بخيار السلام الشامل، لكنه شدد على أن السلام، من وجهة نظر الحكومة، لا ينبغي أن يؤدي إلى مكافأة مرتكبي الانتهاكات، داعياً إلى محاسبة المسؤولين عن الفظائع.

كما دعا إلى حوار وطني يضم مختلف السودانيين، قائلاً إن الحكومة كانت قد دعت إلى الحوار قبل اندلاع الحرب، بينما رفضته أطراف أصبحت لاحقاً منقسمة ومشاركة في القتال.

مبادرة حوار وضمانات للمشاركين

وتزامنت جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي مع إعلان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، السبت، استعداد الدولة لتوفير حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين في حوار وطني تتولى إدارته آلية وطنية مستقلة.

وقال البرهان، خلال كلمة بمناسبة الذكرى الـ72 للقوات المسلحة السودانية، إن السلطات ستعلق الإجراءات الجنائية بحق من صدرت بحقهم اتهامات، في إطار تهيئة المناخ للحوار.

وأضاف أن مجموعة وطنية من السودانيين بادرت بطرح مبادرة للحوار، وأنه التقى أعضاءها واستمع إلى رؤيتهم وتعامل مع المطالب التي قدموها بشأن تهيئة البيئة السياسية للحوار.

الخرطوم تطالب بإنهاء تعليق العضوية

وكان السودان قد طلب رسمياً من مجلس السلم والأمن الأفريقي إنهاء قرار تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، المفروض منذ أكتوبر/تشرين الأول 2021، عقب قرارات اتخذها البرهان بحل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ.

ويضع السودان أمام مجلس السلم والأمن ملفاً مزدوجاً: استعادة العلاقة المؤسسية مع الاتحاد الأفريقي من جهة، ودعم مسار سياسي ينهي الحرب ويحافظ على وحدة الدولة من جهة أخرى.

وتعكس مواقف المجلس في الخرطوم محاولة لتأكيد مبدأ أفريقي أساسي يقوم على الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها، بالتوازي مع الدفع نحو حوار سوداني شامل ووقف القتال، في وقت لا تزال فيه الحرب تلقي بظلالها على الاقتصاد والتعليم والنزوح والاستقرار الإقليمي.