هل المشتركة هي البديل الجنجويدي؟.
من مقاومة المليشيا إلى خطر إعادة إنتاج منطقها:
السؤال الذي يتجاوز المقارنة المباشرة؛ هل المشتركة هي البديل الجنجويدي؟؛ يبدو للوهلة الأولى سؤالا صادما، وربما يثير اعتراضا أخلاقيا وسياسيا قبل أن يفتح بابا للتحليل؛ فكيف يمكن وضع قوى مسلحة قاتلت الدعم السريع في خانة المقارنة معه؟ وكيف يمكن مساواة حركات مسلحة ذات تاريخ طويل من الصراع مع الدولة، وبعضها وقّع اتفاقات سلام، بقوة مثل الدعم السريع التي تحولت إلى أحد طرفي الحرب السودانية؟.
لكن المشكلة في هذا النوع من الأسئلة أن الاستجابة العاطفية له قد تمنعنا من رؤية السؤال الأعمق هل نحن بصدد تفكيك منطق المليشيا، أم إعادة توزيعه بين أطراف جديدة؟.
من سؤال الهوية إلى سؤال البنية:
القضية إذن ليست أن نقول إن (المشتركة هي الجنجويد) بالمعنى الحرفي، فهذا تبسيط لا يخدم التحليل. القضية أن نسأل ماذا يحدث عندما تدخل حركات مسلحة كانت تاريخيا خارج بنية الدولة في تحالف عسكري مع الجيش، ثم تتحول من قوى احتجاج مسلح على الدولة إلى قوى مسلحة تؤدي دورا في حماية الدولة أو القتال باسمها، من دون أن تُحسم بصورة نهائية مسألة القيادة والولاية القانونية والسلاح والتمويل والدمج والمساءلة؟.
هنا ننتقل من سؤال الهوية إلى سؤال البنية، ومن سؤال من مع من؟، إلى سؤال أكثر قسوة: أي دولة نعيد إنتاجها؟.
المشتركة وسؤال ما بعد الحرب:
القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح في دارفور لم تظهر أصلا باعتبارها جيشا وطنيا موحدا بالمعنى المؤسسي، بل تشكلت من حركات مسلحة ذات تاريخ مختلف في علاقتها بالدولة والحرب والسلام. وبعد اندلاع حرب 2023، ثم تحالفت مع القوات المسلحة في مواجهة الدعم السريع، وأصبحت لاعبا عسكريا مهما في دارفور؛ وهذا التحول، مهما كانت دوافعه ومبرراته، يضعها أمام سؤال تاريخي يتجاوز المعركة الراهنة ما الذي سيحدث للسلاح بعد الحرب؟.
وهنا بالضبط تبدأ المسألة التي ينبغي أن تقلقنا سياسيا؛ فالتحالف العسكري في لحظة الحرب قد يكون مفهوما من الناحية التكتيكية، لكن ما هو تكتيكي في زمن الحرب قد يتحول إلى بنية دائمة بعد الحرب؛ وهذه هي النقطة التي يغفلها كثيرون حين يتعاملون مع المشتركة باعتبارها فقط قوة تقاتل الدعم السريع.
المشكلة ليست في كونها تقاتل الدعم السريع؛ المشكلة في السؤال الذي يأتي بعد ذلك هل ستظل القوة المسلحة مجرد أداة مؤقتة في ظرف استثنائي، أم تتحول إلى جزء دائم من معادلة السلطة؟؛ وهذه ليست مسألة تقنية، إنها مسألة دولة.
الدولة واحتكار القوة:
الدولة الحديثة، في أحد أبسط تعريفاتها، لا تقوم فقط على وجود حكومة أو علم أو دستور، وإنما على وجود مركز شرعي ومنظم لاستخدام القوة؛ ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة خارجة أصلا من تاريخ طويل من الحروب الأهلية والانقلابات والمليشيات ليس فقط أن تنتصر مليشيا على أخرى، بل أن تنتقل من مرحلة تعدد القوى المسلحة إلى مرحلة جديدة يصبح فيها تعدد السلاح جزءا طبيعيا من الحياة السياسية.
وهنا يجب أن نكون دقيقين جدا القول إن الدعم السريع والمشتركة ليسا الشيء نفسه لا يعني أن وجود قوى مسلحة متعددة داخل الدولة لا يمثل مشكلة بنيوية مشتركة؛ وهذا هو الفرق بين المقارنة التحليلية والمساواة الأخلاقية.
اختلاف التاريخ لا يلغي السؤال البنيوي:
الدعم السريع نشأ وتطور داخل منظومة الدولة نفسها، ثم صار قوة عسكرية شبه مستقلة، بينما جاءت الحركات المسلحة في دارفور من سياق تمردات وحروب أهلية واتفاقات سلام؛ لذلك فإن التاريخ مختلف، والبنية مختلفة، والدوافع مختلفة؛ لكن إذا انتهت الحرب إلى تثبيت واقع تكون فيه الدولة قائمة على الجيش من جهة، وعلى قوى مسلحة ذات استقلال تنظيمي وقيادي من جهة أخرى، فنحن لم نحل مشكلة المليشيا؛ نحن فقط غيّرنا أسماء المليشيات ومواقعها في معادلة السلطة؛ وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة هل نريد أن يكون خلاص السودان من الجنجويد هو إنتاج جنجويد آخر ولكن بسردية مختلفة؟؛ بالطبع لا أقصد أن المشتركة هي الجنجويد، ولا أن كل مقاتليها أو حركاتها ينطلقون من العقلية ذاتها؛ هذا سيكون ظلما تحليليا قبل أن يكون ظلما سياسيا؛ لكنني أقصد أن الخطر يكمن في تحويل تجربة القوة المسلحة إلى قاعدة لإدارة الدولة.
لأن المشكلة التاريخية في السودان لم تكن فقط في سوء الأشخاص الذين حملوا السلاح، وإنما في البنية السياسية التي جعلت السلاح طريقا مشروعا إلى السلطة.
فيبر (الدولة والقوة الشرعية):
وهنا يمكن أن نستفيد من “ماكس فيبر” في قوله بأن الدولة التي لا تستطيع أن تجعل استخدام القوة خاضعا لسلطة قانونية مركزية تظل دولة ناقصة السيادة؛ ومن هذه الزاوية، لا يكفي أن يكون السلاح في يد الطرف الصحيح سياسيا لكي يصبح سلاحا مؤسسيا؛ السلاح يصبح جزءا من الدولة عندما يخضع لقانون الدولة، وقيادة الدولة، وميزانية الدولة، وسلسلة قيادة واضحة، ومساءلة قانونية، وليس عندما يكون حامله متحالفًا مع الحكومة أو يرفع شعارا وطنيا.
درس الدعم السريع:
وهذا تحديدا ما يجعل تجربة الدعم السريع درسا سودانيا قاسيا ينبغي ألا ننساه.
فالدعم السريع لم يهبط على السودان من خارج التاريخ؛ لقد نشأ وتطور في سياقات رسمية وشبه رسمية، واستُخدم في صراعات الدولة، ثم تضخم حتى أصبح قوة مستقلة قادرة على تحدي الدولة نفسها.
وهذه المفارقة يجب أن تكون حاضرة في أي تفكير سياسي جاد الدولة التي تستخدم القوة غير النظامية لحل مشكلة مؤقتة قد تصنع بهذه القوة مشكلة دائمة.
لذلك فإن السؤال عن المشتركة ليس اتهاما لها، بل تحذير من التاريخ.
من هزيمة الجنجويد إلى إعادة إنتاج شروطهم:
فإذا كانت الدولة السودانية قد دفعت ثمنا باهظا بسبب ازدواجية القوة العسكرية، فمن الجنون السياسي أن نعيد إنتاج هذه الازدواجية تحت عنوان جديد؛ وإذا كان أحد الدروس الكبرى من تجربة الدعم السريع هو أن القوة المسلحة المستقلة يمكن أن تتحول من أداة في يد الدولة إلى منافس للدولة، فإن الدرس لا ينبغي أن يكون لا نسمح للدعم السريع فقط، وإنما لا نسمح بإعادة إنتاج الشروط التي أنتجت الدعم السريع.
التحالف التكتيكي والتفويض الاستراتيجي:
وهنا تظهر مفارقة الحرب الحالية؛ قد يجد البعض نفسه مضطرا إلى دعم المشتركة لأنها تقاتل الدعم السريع وتحمي مناطق ومدنيين من خطر حقيقي. وهذا مفهوم من الناحية السياسية والإنسانية؛ لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول الدعم التكتيكي في الحرب إلى تفويض استراتيجي مفتوح بعد الحرب؛ بمعنى آخر يمكن أن تكون معركة مشتركة ضد الدعم السريع ضرورية، دون أن يعني ذلك أن نموذج القوة المشتركة هو النموذج الذي ينبغي أن تُبنى عليه الدولة السودانية.
من منطق الحرب إلى منطق الدولة:
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الحرب بطبيعتها تعيد ترتيب الأخلاق السياسية. في زمن الحرب، يصبح السؤال غالبا من معنا ومن ضدنا؟؛ أما بعد الحرب فيجب أن يعود السؤال إلى ما شكل الدولة التي نريدها؟؛ وهنا تحديدا ينبغي أن ننتقل من منطق الحرب إلى منطق الدولة؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي الحرب عسكريا، بينما تستمر بنية الحرب سياسيا.
قد يختفي الدعم السريع كقوة مهيمنة، لكن إذا بقيت عشرات المراكز المسلحة ذات الولاءات المختلفة، فإن الجنجويد يكونون قد هُزموا عسكريا، لكن منطق الجنجويد لم يُهزم سياسيا؛ وهذا هو جوهر المسألة.
الجنجويد كمنطق سياسي:
الجنجويد ليس فقط اسم قوة بعينها؛ الجنجويد، في القراءة السياسية الأوسع، هو منطق تحويل السلاح غير النظامي إلى أداة للحكم والتفاوض والابتزاز السياسي وإعادة توزيع السلطة؛ فإذا انتهينا من قوة مسلحة لكي نُبقي على منطقها، فنحن لم ننتهِ من المشكلة.
غرامشي (حين تصبح القوة أمرا طبيعيا):
وهنا يمكن استحضار “أنطونيو غرامشي” بطريقة مختلفة الا وهي حين صرح بأن الهيمنة لا تقوم فقط بالقوة، وإنما بقدرة القوة على تحويل نفسها إلى أمر طبيعي؛ أخطر لحظة ليست عندما تحمل المليشيا السلاح، وإنما عندما يصبح وجودها المسلح أمرا بديهيا لا يحتاج إلى تفسير.
وعندما يبدأ المجتمع في التعامل مع هذا سلاحنا وذاك سلاحهم باعتبارها قاعدة طبيعية للسياسة، تكون الدولة قد خسرت شيئا جوهريا من معناها.
بورديو (من رأس المال العسكري إلى رأس المال السياسي):
أما من منظور “بورديو”، فإن الخطر يقع في انتقال رأس المال العسكري إلى رأس مال سياسي من يملك السلاح يملك قدرة أكبر على التفاوض، ومن يملك القوة على الأرض يستطيع أن يحول وجوده العسكري إلى حصة في الدولة؛ عندها لا يعود السلاح مجرد وسيلة للحرب، بل يصبح وسيلة لإنتاج الشرعية.
عدالة القضية لا تمنح حصانة للسلاح:
وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا يكفي أن نقول إن المشتركة حركات لها قضية عادلة؛ قد تكون القضية عادلة فعلا؛ وقد تكون مظالم دارفور حقيقية وعميقة وتاريخية؛ وقد يكون القتال ضد الدعم السريع ضرورة في ظروف الحرب؛ لكن عدالة القضية لا تعني أن كل وسيلة تصبح عادلة، ولا أن صاحب المظلمة يصبح فوق النقد، ولا أن حمل السلاح يمنح صاحبه حقا دائما في تحديد شكل الدولة.
وهذه واحدة من أكثر العلل التي ابتلي بها الخطاب السياسي السوداني، تحويل المظلومية إلى حصانة أخلاقية.
حين تصبح المظلومية حصانة:
لقد حدث هذا مرارا، يُقال إن الجماعة تعرضت للظلم، إذن لا يجوز نقدها؛ ويقال إن الطرف الآخر ارتكب جرائم، إذن يصبح الطرف الأول بريئا؛ ويقال إن هذه القوة تقاتل عدونا، إذن لا يجوز السؤال عما ستفعله بعد أن تنتصر.
وهكذا يصبح ضد الجنجويد هو المعيار الوحيد للحقيقة؛ وهذه كارثة معرفية.
معيار الدولة لا معيار الاصطفاف:
لأن الدولة لا تُبنى بمنطق، طالما أنه ليس الجنجويد فهو جيد.
الدولة تُبنى بمنطق أكثر صعوبة، كل قوة، وكل مؤسسة، وكل حزب، وكل حركة، وكل جيش، وكل مليشيا، يجب أن تخضع للسؤال نفسه ما مشروعها؟ من يحاسبها؟ من يمولها؟ لمن تأتمر؟ من يملك قرار الحرب والسلام؟ وما موقعها من الدولة؟؛ وهذا السؤال يجب أن يُطرح على الجيش كما يُطرح على المشتركة، وعلى الدعم السريع كما يُطرح على الحركات المسلحة، وعلى القوى السياسية والمدنية كما يُطرح على الجميع.
الجيش والمشتركة (النقد والإصلاح والدمج):
فإذا كان الجيش مؤسسة الدولة، فهذا لا يعني أنه فوق النقد، بل يعني أن إصلاحه يجب أن يكون جزءا من مشروع بناء الدولة؛ وإذا كانت المشتركة قوة مسلحة ذات دور عسكري حالي، فهذا لا يعني شيطنتها، بل يعني أن مستقبلها يجب أن يُحسم داخل مشروع واضح لنزع تعدد مراكز القوة، لا أن تتحول إلى مؤسسة عسكرية موازية دائمة؛ والفرق هنا جوهري بين دمج المقاتلين في الدولة، و دمج الدولة في توازنات المقاتلين.
الأول يبني دولة؛ والثاني يبني دولة هجينة.
الدولة الهجينة (الخطر القادم):
والدولة الهجينة هي أخطر ما يمكن أن يخرج من الحرب السودانية جيش رسمي، ومليشيات متحالفة، وحركات مسلحة، وأجهزة أمنية، ومجموعات سياسية لها أذرع عسكرية، وكل طرف يحتفظ بجزء من القوة ويطالب بجزء من الدولة.
في هذه الحالة لن يكون السودان قد خرج من الحرب؛ سيكون قد نقل الحرب من الميدان إلى داخل مؤسسات الدولة.
الانتصار العسكري والانتصار التاريخي:
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يسبق كل احتفال بانتصار عسكري، هل نحن ننتصر على الجنجويد، أم ننتصر فقط على قوات الدعم السريع في معركة، بينما نعيد إنتاج البيئة السياسية التي جعلت ظهور الجنجويد ممكنا؟.
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين الانتصار العسكري والانتصار التاريخي؛ الانتصار العسكري يمكن أن يتحقق في معركة؛ أما الانتصار التاريخي فلا يتحقق إلا عندما يصبح من المستحيل إعادة إنتاج المليشيا كطريق إلى السلطة.
ما بعد الحرب (إعادة تأسيس الدولة):
وهذا يتطلب أكثر من هزيمة الدعم السريع؛ يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والجيش والحركات المسلحة والمجتمع المدني، بحيث لا تكون القوة العسكرية مصدرا للشرعية السياسية، ولا تكون الحرب طريقا للترقي السياسي، ولا تكون المظلومية تفويضا دائما لحمل السلاح.
الوجه الآخر للمسألة (الصورة الاجتماعية والثقافية):
لكن هناك مستوى آخر من المسألة لا يقل خطورة عن مسألة السلاح نفسه، الصورة الاجتماعية والثقافية للقوة المسلحة؛ وهنا تحديدا ينبغي أن تنتبه المشتركة إلى ألا تقع، من حيث لا تريد، في التماهي القبلي والثقافي الذي وقع فيه الجنجويد.
المشكلة لم تكن في أن أفراد الجنجويد ينتمون إلى قبائل بعينها؛ فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع؛ المشكلة أن الجنجويد أنفسهم لم يفصلوا، بصورة واضحة وحاسمة، بين كونهم قوة عسكرية وبين الانتماءات الاجتماعية والثقافية التي ينحدرون منها.
لقد قاتلوا أحيانا بزيهم ومظهرهم ورموزهم الثقافية، وسمحوا بأن تُقرأ القوة المسلحة بوصفها امتدادا لهوية اجتماعية محددة، حتى أصبح العسكري في الوعي العام يختلط بالمجتمعي، والمليشيا بالقبيلة، والسلوك المسلح بالثقافة نفسها.
حين تتحول المليشيا إلى هوية:
وهذه ليست مسألة شكلية؛ لأن السياسة حين تعجز عن الفصل بين التنظيم المسلح والهوية الاجتماعية التي ينتمي إليها أعضاؤه، فإنها تنتج وصمة جماعية تتجاوز الفاعل العسكري إلى محيطه الاجتماعي.
لقد تعمد الجنجويد، بدرجات مختلفة، ألا يجعلوا المسافة بين العسكري والمجتمعي واضحة في الوعي العام؛ وحين امتزج السلاح بالرموز والمظاهر الثقافية والاجتماعية، لم تعد ذاكرة الناس تتعامل مع الانتهاكات باعتبارها أفعال قوة عسكرية فقط، وإنما بدأت تحملها بعدا نفسيا إلى كل ما يرتبط بتلك القوة من رموز ومظاهر وعادات وتقاليد؛ وهنا تشكلت فوبيا اجتماعية حقيقية.
أصبح المواطن الذي عاش الرعب لا يرى فقط بندقية أو عربة عسكرية؛ قد يرى في بعض الملابس أو المظاهر أو اللهجات أو الرموز الثقافية استدعاءً لذاكرة الجنجويد.
وهذا ظلم للمجتمع الذي ينتمي إليه أولئك الأفراد، لكنه في الوقت نفسه نتيجة سياسية واجتماعية خطيرة لصناعة صورة القوة المسلحة ذاتها.
ذاكرة الحرب وصورة المشتركة:
وهنا تحديدا ينبغي أن تفهم المشتركة خطورة اللحظة الراهنة؛ فالجمهور السوداني الذي عاش الرعب والانتهاكات والحرب، لا يستقبل أي قوة مسلحة بعين محايدة؛ الذاكرة الجماعية أصبحت محمّلة بالخوف، وأي تشابه في المظهر أو السلوك أو اللغة أو طريقة الانتشار يمكن أن يستدعي في الوعي صورة الجنجويد، حتى لو كانت القوة المعنية مختلفة في تاريخها وأهدافها وتركيبها.
ولذلك فإن ظهور المشتركة أمام الناس في صورة قوة مسلحة متماهية مع مظهر ثقافي أو قبلي محدد قد يجعل بعض الجماهير تستحضر الجنجويد قبل أن تستحضر تاريخ المشتركة ونضالاتها ومطالبها.
هنا لا تكون المشكلة في حقيقة المشتركة وحدها، وإنما في الصورة التي تنتجها عن نفسها داخل الوعي الجمعي.
السياسة ليست ما تقوله عن نفسك فقط:
وهذا هو معنى أن السياسة ليست فقط ما تقوله عن نفسك، وإنما أيضا ما تسمح للناس بأن يروه فيك؛ فالقوة التي تحمل تاريخا طويلا من النضال ضد المظالم لا تستطيع أن تترك صورتها العامة رهينة للانطباع العسكري أو القبلي؛ عليها أن تكون أكثر وعيًا من ذلك، لأن خصومها سيستفيدون من أي التباس، والجمهور الذي خرج من حرب طويلة ليس مستعدا لتقديم الثقة مجانًا لأي بندقية.
الفوضى والسلوك ومشكلة الانطباع العام:
والأخطر أن أي مظاهر للفوضى، أو الانفلات، أو تعاطي المخدرات، أو السلوكيات التي تُفهم اجتماعيا باعتبارها جزءا من ثقافة القوة المسلحة، ستضاعف هذه الهوة.
وليس المقصود هنا مساواة المشتركة بالجنجويد، فهذا اختزال لا يستقيم، وإنما التنبيه إلى أن تشابه السلوك قد يهدم الفوارق التي يصنعها التاريخ السياسي.
فإذا رأى المواطن القوة التي يفترض أنها تمثل مشروع تحرر ومظالم تاريخية تمارس أمامه سلوكيات تشبه، في نظره، ما ارتبط بتجربة الجنجويد، فلن يكون من السهل عليه أن يميز بين المشروع الذي تقوله هذه القوة عن نفسها وبين الممارسة التي يراها بعينيه.
مسؤولية الواعين داخل المشتركة:
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة على الواعين داخل المشتركة بمختلف فصائلها؛ عليهم أن يدركوا أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة على الوعي والصورة والذاكرة والشرعية الاجتماعية؛ وعليهم أن يفصلوا بصورة صارمة بين العسكري والمجتمعي، وبين القضية السياسية والهوية القبلية، وبين تاريخ الحركة التحرري وبين السلوك الفردي أو التنظيمي الذي يمكن أن يجرها إلى مستنقع آخر؛ فليس المطلوب من المشتركة أن تتبرأ من جذورها الاجتماعية، وإنما المطلوب ألا تجعل هذه الجذور تعريفا لقوتها العسكرية، وألا تسمح بتحويل الانتماء الاجتماعي إلى هوية سياسية مغلقة.
ألا يتكرر خطأ الجنجويد:
فالجنجويد، في أحد أخطر أخطائهم التاريخية، لم يكتفوا بأن يكونوا قوة مسلحة؛ بل سمحوا بأن يصبحوا في الوعي العام عنوانا لهوية اجتماعية، ثم دفع المجتمع كله ثمن هذا التماهي؛ والمشتركة، إذا لم تنتبه، يمكن أن تقع في الفخ نفسه بصورة مختلفة ليس لأن تاريخها هو تاريخ الجنجويد، ولا لأن مشروعها هو مشروعهم، وإنما لأن التماهي بين القوة المسلحة والمكوّن الاجتماعي يمكن أن ينتج في النهاية الأثر النفسي ذاته لدى الجماهير.
الفوبيا الجنجويدية والحاجز النفسي:
الجمهور الذي خرج من تجربة الجنجويد لا يملك رفاهية التحليل الأكاديمي كلما رأى قوة مسلحة أمامه. الذاكرة تعمل أسرع من العقل أحيانا، والصورة تستدعي التجربة قبل أن تستدعي التاريخ؛ ولهذا فإن المشتركة اليوم قد تواجه حاجزا نفسيا حقيقيا بينها وبين قطاعات من الجماهير، ليس بالضرورة لأنها تُمارس الشيء ذاته الذي مارسه الجنجويد، وإنما لأن الجمهور يرى في بعض مظاهرها استمرارا بصريا ونفسيا لما عاشه من قبل؛ وهذا الحاجز لا يُكسر بالبيانات وحدها، بل بالسلوك، بالانضباط،بالفصل الصريح بين العسكري والمجتمعي، بالتواضع تجاه المدنيين، وبالتعامل مع السلاح باعتباره مسؤولية مؤقتة لا هوية اجتماعية.
السلوك الراهن واختبار التاريخ النضالي:
المخدرات والفوضى والانفلات، إن وجدت داخل بعض الوحدات أو البيئات المرتبطة بالقوة، ليست مجرد أخطاء فردية يمكن تجاهلها؛ لأنها في لحظة الذاكرة الجماعية المشحونة تصبح جزءا من الصورة العامة للقوة، وقد تعيد إنتاج الإحساس نفسه الذي تركته تجربة الجنجويد.
وهنا ينبغي أن يكون النقد أكثر صرامة، لا أقل؛ لأن من يريد أن يمثل تاريخا نضاليا طويلا لا يستطيع أن يطالب الناس باحترام التاريخ بينما يمارس في الحاضر ما يهدم صورته.
التاريخ النضالي ليس شيكا على بياض:
المشتركة تمتلك، في الأصل، رصيدا تاريخيا وسياسيا يمكن أن يميزها عن الجنجويد باعتبارها نتاجا لمسارات من النضال ومطالب مرتبطة بمظالم وقضايا سياسية واجتماعية حقيقية، لا مجرد تشكيل عسكري قائم على الولاء الشخصي أو المنفعة؛ لكن هذا الرصيد ليس شيكا على بياض؛ فالتاريخ النضالي لا يحمي أي تنظيم من الانحراف، والشرعية القديمة يمكن أن تتآكل إذا لم تُراجع الممارسة الراهنة.
حين يهدد الحاضر معنى الماضي:
وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة قد تنجح المشتركة في هزيمة خصمها عسكريا، لكنها تخسر معركتها السياسية إذا فشلت في إقناع الناس بأنها ليست مجرد نسخة أخرى من القوة المسلحة التي خرجوا منها.
لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله المشتركة هو أن تتحول من حركة تحرر تحمل قضية ومظالم إلى مجرد قوة مسلحة تُعرّف نفسها بالسلاح والهوية والمظهر والفوضى؛ عندها لا تكون قد خسرت معركتها مع خصومها فقط، بل تكون قد خسرت المعنى الذي من أجله نشأت أصلا.
والمفارقة المؤلمة أن القوة التي جاءت لتقاوم نموذجا بعينه قد تجد نفسها، إذا غاب النقد والمراجعة، تعيد إنتاج بعض شروطه النفسية والاجتماعية دون أن تنتبه.
السؤال الذي يجب أن تواجهه المشتركة:
لهذا فإن السؤال الحقيقي أمام المشتركة ليس فقط، هل نحن مختلفون عن الجنجويد؟ بل هل يعرف الجمهور أننا مختلفون؟، وهل تترجم ممارستنا هذا الاختلاف إلى واقع يمكن رؤيته، لا مجرد سردية نطالب الناس بتصديقها؛ هذه هي المسافة بين الشرعية التي تطالب بها القوة لنفسها، والشرعية التي يمنحها لها المجتمع.
بين النقد والتقديس:
ومن هنا فإن نقد المشتركة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره اصطفافا ضدها، كما أن الدفاع عنها لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة ضد النقد؛ القوة التي تحمل قضية عادلة تحتاج إلى نقد أكثر، لا أقل؛ لأنها إذا فقدت قدرتها على مراجعة نفسها، فإن تاريخها النضالي نفسه يمكن أن يتحول من مصدر شرعية إلى ستار يحجب الانحراف.
والمطلوب ليس شيطنة المشتركة ولا تقديسها، وإنما إخضاعها للنقد كما يجب أن يُخضع كل فاعل سياسي وعسكري للنقد.
الشرعية التي تُرى لا التي تُعلن:
فإذا كانت تريد أن تكون بديلا حقيقيا، فعليها ألا تكتفي بأن تقول إنها ليست الجنجويد؛ عليها أن تتصرف بطريقة تجعل الجماهير قادرة على رؤية الفرق دون الحاجة إلى خطب وبيانات.
فالمجتمع السوداني اليوم لا يحتاج إلى بندقية أخرى فقط، بل يحتاج إلى قوة تستطيع أن تثبت أن السلاح يمكن أن يخضع للسياسة، وأن الهوية لا تتحول إلى عصبية، وأن النضال لا يتحول إلى فوضى، وأن تاريخ المظالم لا يتحول إلى مبرر جديد لإنتاج مظالم أخرى.
حين يتغيّر الاسم ويبقى منطق المليشيا:
وفي النهاية، ليست المسألة في اسم القوة ولا في القبيلة ولا في الشعار الذي ترفعه؛ المسألة في علاقة القوة بالدولة، وعلاقة السلاح بالسياسة، وعلاقة الحركة بالمجتمع.
فإذا دخل السلاح في مؤسسة وطنية واحدة، وخضع للقانون والقيادة والمساءلة والميزانية العامة، وأصبح قرار الحرب والسلام قرارا للدولة وحدها، فنحن أمام خطوة نحو بناء الدولة.
أما إذا بقيت القوى المسلحة محتفظة بقياداتها وسلاحها وتمويلها وقرارها السياسي والعسكري، وأصبحت حصتها في السلطة تُقاس بحجم قوتها العسكرية، فهنا لا يهم كثيرا أن نسميها مشتركة أو حركة أو قوات مساندة أو أي اسم آخر؛ لأننا ببساطة نكون قد غيّرنا اسم المليشيا، لا منطق المليشيا؛ وهنا يجب أن يكون اليسار والقوى المدنية أكثر صرامة من غيرها؛ لأن مهمة السياسة ليست أن تختار لنا المليشيا الأقل سوءًا، وإنما أن تعمل على اللحظة التي يصبح فيها وجود المليشيا أصلًا غير ضروري.
السودان لا يحتاج إلى جنجويد جديد، ولا إلى مشتركة دائمة، ولا إلى جيشين، ولا إلى عشرات الجيوش الصغيرة؛ السودان يحتاج إلى دولة تجعل حمل السلاح خارج مؤسساتها أمرا استثنائيا ومؤقتا، لا طريقا طبيعيا إلى السلطة.
فإذا كان درس الجنجويد قد علّمنا شيئا، فهو أن الخطر ليس فقط في من يحمل السلاح اليوم، بل في ما الذي نسمح للسلاح أن يصبحه غدا؛ ومن هنا، فإن أخطر انتصار يمكن أن نحققه على الجنجويد هو أن ننتصر عليهم عسكريا، ثم نحتفظ بالمنطق السياسي الذي أنجبهم؛ عندها لن يكون الجنجويد قد انتهوا؛ سيكونون فقط قد غيّروا الاسم.
