حين هزمت الكرة الحرب رسالة من الكونغو وكولومبيا إلى السودان
خالد أبو شيبة يكتب .. صحفي سوداني متخصص في الشأن الرياضي
المباراة التي جمعت الكونغو وكولومبيا في نهائيات كأس العالم ماكانت مجرد مواجهة كروية يتابعها الملايين بحثاً عن المتعة والإثارة والنتيجة بل كانت في حقيقتها درساً إنسانياً بالغ العمق ورسالة أمل إلى كل الشعوب التي تعيش ويلات الحروب وفي مقدمتها الشعب السوداني.
عندما شاهدت المنتخبين يتنافسان على أرضية الملعب لم أرَ مجرد لاعبين يركضون خلف كرة بل رأيت شعبين عرفا معنى الدم والدموع وعانيا سنوات طويلة من الصراع ثم استطاعا أن يعودا إلى الحياة وأن يقدما نفسيهما للعالم بصورة مختلفة صورة المنافس الشريف لا صورة الضحية.
الكونغو دفعت ثمناً باهظاً للحروب والصراعات التي ارتبطت بنهب ثرواتها الطبيعية فملايين الضحايا والنازحين كانوا جزءاً من واقعها المؤلم. أما كولومبيا فقد ظلت لعقود عنواناً للعنف والحركات المسلحة وعصابات المخدرات حتى ظن كثيرون أن السلام فيها مجرد حلم بعيد المنال.
لكن التاريخ أثبت مرة أخرى أن الشعوب لا تعيش في الحروب إلى الأبد. فالدمار مهما طال عمره لا يستطيع أن يهزم إرادة الإنسان واليأس مهما انتشر لا يملك أن يطفئ جذوة الأمل.
وهنا تقفز إلى الذهن صورة السودان بلادنا الحبيبة التي تعيش واحدة من أقسى الحروب في تاريخها الحديث والتي فقدت فيها الأسر أبناءها وتشرد الملايين ودُمرت المدن وتوقفت الحياة في كثير من المناطق ليست استثناءً من سنن التاريخ.
كل الشعوب التي خرجت من الحروب كانت تبدو في لحظة ما وكأنها فقدت كل شيء لكنها امتلكت شيئاً واحداً كان كافياً ليعيدها إلى الحياة… الأمل ولعل كرة القدم هي أكثر ما يستطيع أن يجسد هذا الأمل.
فالكرة ليست مجرد لعبة وإنما لغة يفهمها الجميع وجسر يعبر فوق الانقسامات ومنصة ترفع اسم الوطن عندما تتراجع السياسة ويخفت صوت البنادق… من كان يتوقع قبل سنوات أن تقف كولومبيا والكونغو في أكبر محفل كروي عالمي بعد كل ما عاشه البلدان من مآسٍ؟ ومن كان يصدق أن تتحول أخبارهما من نشرات الحرب إلى نشرات الرياضة؟
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى السودانيين بأن الحروب قد تطول لكنها لن تدوم قد تهدم الملاعب لكنها ستُبنى من جديد قد يتوقف الدوري لكنه سيعود قد يغيب التنافس ويغيب كل شيء مرتبط به لكنه سيعود إذا عادت الدولة واستعاد المجتمع عافيته.. السودان ليس أقل قدرة من غيره على النهوض فهذا الوطن العظيم الذي أنجب أجيالاً صنعت تاريخ الكرة السودانية والذي عرف أمجاد الهلال والمريخ والموردة والنيل وبري وغيرهم لا يمكن أن يبقى أسيراً للحرب إلى الأبد.
فهذه الأزمة رغم قساوتها يمكن أن تصبح يوماً صفحة من الماضي تماماً كما أصبحت الحروب صفحات في تاريخ شعوب كثيرة نهضت من جديد.
مباراة الكونغو وكولومبيا كانت وعدٱ لكل الشعوب المنكوبة بأن المستقبل لا تصنعه الحروب وإنما تصنعه الإرادة ولعل السودان الذي يداوي جراحه اليوم سيكون غدٱ واحدٱ من أجمل قصص النهوض في أفريقيا وستكون كرة القدم كما كانت دائماً واحدة من أولى الرسائل التي يبعث بها إلى العالم ليقول: نعم تألمنا كثيراً لكننا لم تفقد الإيمان ولم تنكسر إرادتنا وما زلنا نملك القدرة على ان نحول ركام الحرب إلى مدرجات تهتف إلى الحياة وأن نحول الدموع إلى أفراح وأن نكتب للعالم قصة شعب أقوى من المحن وأكبر من الحروب وأعظم من اليأس. قد تطول الحرب لكنها حتمٱ لن تدوم.
