تخصص الاسلاميين في صناعة خطاب الكراهية
أ . نون كشكوش تكتب …..
حينما كنا صغارا كان تلفزيون السودان يبث برنامجًا مرعبًا اسمه «ساحات الفداء»، وقتها لم يكن هناك بث فضائي، ولم يحظَ جيلنا بمشاهدة سبيس تون.
كنت أشعر بالرعب وقتها؛ كيف للمصور أن يكون في وسط المعركة؟ وكيف لابن خالتي، ابن ال15 ربيعًا، أن يشارك في الحرب ويُقتل؟ شيء لم يستوعبه عقلي الصغير وقتها، ولكن أؤمن تمامًا بأنها واحدة من جروح طفولة جيلي.
لم تكن حرب 15 أبريل أول حروب الكراهية في السودان، ولكن قبلها حروب كثيرة، حتى وإن بدأت حروبًا مطلبية، إلا أنها واصلت بنفس خطاب التمييز العنصري والديني.
والآن، مع تطور التكنولوجيا ووسائل التواصل اللااجتماعي، أُنشئت عشرات الغرف الإعلامية المصنوعة لتأجيج الحرب ضد المدنيين، ببث خطاب مسموم راح ضحيته أكثر من عشرة آلاف قتيل، وشُرِّد ما لا يقل عن 12 مليونًا، والآن ينزلق السودان نحو هاوية التقسيم مرة أخري .
تكشف تجربة رواندا كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى وسيلة لتأجيج الانقسام الاجتماعي والسياسي. فقد لعبت إذاعة RTLM والصحف الموالية للسلطة دورًا محوريًا في ترسيخ خطاب الكراهية ضد التوتسي، عبر تصويرهم كأعداء وخطر يهدد المجتمع، والتشكيك في ولائهم، وصولًا إلى التحريض المباشر ضدهم.
ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية بين رواندا والسودان، فإن بعض الممارسات الإعلامية الراهنة تثير مخاوف مشروعة بشأن مخاطر الخطاب الإقصائي. إذ يلاحظ أن وسائل إعلام رسمية، وعلى رأسها تلفزيون السودان، تقدم في كثير من الأحيان القوى المدنية الرافضة للحرب أو الداعية للحلول السلمية في صورة “العميل” أو “المتواطئ” مع الطرف الآخر، بدلًا من التعامل معها كأساس للحل السياسي .
وليس تجربة التأصيل لخطاب الكراهية ببعيدة في عهد نظام الاخوان المسلمين البائد فقد ظلت الدولة تدعمه وترعاه عبر مسؤولين برلمانيين مثل الراحل الطيب مصطفى ، الذي أسس صحيفة كاملة لتوسيع الهوة بين مكونات المجتمع وتحت مرآى السلطة ، تنفث العنصرية المقيتة التي ساهمت في توسيع الشرخ وهتك السبيكة الوطنية بين مكونات المجتمع المتسامح، وهي أدوات النظام البائد وهي مجربة ونتائجها معلومة بالكاد حيث نتج عنها تشظي السودان إلى دولتين ، واليوم ونحن في خضم هذه الحرب المدمرة تعود نفس العناصر القديمة إلى مفاصل الدولة بعد أن اتاح لهم الإنقلاب العسكري على حكومة الإنتقال الديمقراطي العودة، لتمارس مهمتها في تمزيق السودان عبر تلك الأدوات المجربة
فهو نفس الزول ونفس الخطاب ونفس أناشيد «في حماك ربنا».
تبرز مخاوف أخرى تتعلق بمحاولات التضييق على المنصات الإعلامية الرقمية والصحفية التي تتبنى خطابًا مناهضًا للحرب أو تدعو إلى وقف القتال، وهو ما يحد من التعددية الإعلامية ويقلل من فرص تداول الروايات المختلفة حول الأزمة. وتؤكد التجارب الدولية أن حماية حرية التعبير وتنوع المنابر الإعلامية تمثل أحد أهم الضمانات لمواجهة خطاب الكراهية ومنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مجتمعية أكثر خطورة.
يجبّ الانتباه والتحذير من مخاطر الإعلام الذي يرتكز على التخوين، ويعمل على استقطاب الشباب لمعسكر الحرب و تجنيد الأطفال وصناعة المليشيات، التي بدأت بصناعة الدعم السريع وشرعنت له، وفي المقابل يصور أصحاب الرأي الواعي المسؤول بالعمالة وأعداءً للوطن.
يظل خطاب الكراهية عاملًا أساسيًا في نزع سلام العالم، لذا أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم 18 يونيو من كل عام لمحاربته وتعزيز سبل التعايش السلمي وإعلاء قيم التسامح وقبول الآخر.
